ابن الصفار السوسي علي بن أحمد بن الصفار السوسي، قال ابن رشيق في ’’الأنموذج’’: شاعر متسع القافية، سالم الطبع، عالم باللغة لا تنقطع مادته لقي الموفق مجاهد بن عبد الله كرتين: إحداهما: بنية الغزو فامتدحه وأقام عنده مدة في جرايته وضيافته ثم أجزل صلته، وخلى سبيله، وكان دخوله عليه بقصيدة بائية طويلة جدا أذكر منها ما يخف ذكره، وقوله منها:
بكت وشكت واسترجعت وتوجعت | فظلت لها مسترجعا متباكيا |
وقالت أما ينهاك أن تذكر النوى | نهى قد نهت عنك الصبا والتصابيا |
وهذا أوان الحلم فاسمع وكن له | مطيعا وكن للغي والجهل قاليا |
ألست ترى عارا عليك بأن ترى | لمن لا ترى حبا كحبك عاصيا |
ومن لصغار من عتال تركتهم | كزغب القطا يبغون طعما وساقيا |
ولن يجدوا للعيش بعدك لذة | ولن يشربوا من بعدك الماء صافيا |
فقلت لها إن الذي ليس غيرة | إله كفاهم حافظا ومراعيا |
وحسبي به مستخلفا ومصاحبا | أمامي محفوظ به وورائيا |
وقربت للترحال دهماء تعتلي | ترى أدهم المرآة أخضر طاميا |
يخال من استعلاه إن ظل راكبا | من الهول مسودا من الليل داجيا |
إذا ضربته الريح هاج تغيظا | وماج بما يعلو الجبال الرواسيا |
فلم أر من زنجية قط طاعة | كطاعتها فيما يسر المواليا |
ولا مثلها مركوبة قاد ركبها | سراعا بما يعني القلاص النواجيا |
وتنشر أحيانا جناحا يطيرها | قوادم منه تستخف الخوافيا |
وتطويه أحيانا إذا لم تكن لها | من الريح مايرضاه من كان ماضيا |
وتمشي بأيد مطلقات تحثها | رجال بأيد يعملون النواليا |
ورجلين لا تخطو كما يختطى بها | إذا سار أخرى الدهر من كان خاطيا |
فيا أيهذا الحاجب المبتني علا | وهل يبتني إلا الكرام المعاليا |
إليك رحلناها نظائر في الدجى | نظائر أشباه القطا متباريا |
وتعلو الضحى أثباج أخضر مزبد | مهيب وإن أضحى لرائية ساجيا |
تراه فتخشاه وتحسب حوله | غطامط يحكي من أناس تلاحيا |
زيارة ود من مجد محافظ | ترى الود من سقم الضمائر شافيا |
وتطلب في ذاك القبول وتبتغي | جزاء به من خالص الود واقيا |
وأنت بحمد الله فذ زمانه | وأوحد عصر ما أرى لك ثانيا |
وقد عرفت للنظم قدما مزية | بها يبتني أهل الكلام القوافيا |
وما الدر منشورا وإن جل قدره | كما زان جيدا نظمه وتراقيا |
وما غادة هيفاء حسناء عاطل | كأخرى غدت حسناء خجلاء حاليا |
وقد كنت أدعى نابه الذكر شاعرا | فقد صرت أدعى عالي القدر غازيا |
وحسبي بهذا بعد ذاك فعنده | محاسن تمحو حسنهن المساويا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 20- ص: 0