الشيخ طالب البغدادي ابن الشيخ حبيب مرت ترجمة أبية في مكانها من هذا الكتاب, والمترجم قضى أكثر حياته في صور وفيها نظم هذه القصيدة مراسلا بعض الطلبة في العراق:
أنيت مرافقنا برملة ’’صور’’ | في الليل عند المركب المكسور |
مذ غبتم لم يبق لي أنس سوى | حزني وتسكاب الدموع سميري |
حي العراق وأهله من معشر | وردوا من العلياء كل نمير |
أين العراق من الشآم وأين من | ضوء النهار حنادس الديجور |
لم تلف فيها غير أروع أروع | أو شاعر أو عالم نحرير |
وببلدتي لم ألق غير مداهن | متملق أو مدع بالزور |
أو كل مصقول العوارض قد بدا | في شارب كقوادم الزرزور |
قوم إذا اجتمعوا فجل حديثهم | فخر بأكل أو بلبس حرير |
من قائل (مقطوش) ديك عندنا | أني أفضله على (القرقور) |
أو قائل سمك البحار (مطجنا) | فضلت مأكله على (الطرطور) |
ويناضلون بذاك حتى أنهم | يصلون للبلوط والزعرور |
أو قائل عندي (البرد) مزخرف | وعليه أشكال من البلور |
إن المساند من (دمسكو) عندنا | فيه شريت النصف من (شختور) |
قوم يرون النثر نثر رخائهم | ويرون نظم الشعر خبز شعير |
أصبحت بينهم وحقك ضائعا | مثل القران بكف ذي طنبور |
ماذا يشوقك يا أخي من ’’عامل’’ | وصفاؤها قد شيب بالتكدير |
(ألكبة) من (ني) لحم فوقها | زيت من الزيتون والجرجير |
أم (للمجدرة) التي قالو لها | ست المنى تهدى لكل أمير |
أم (بقلة الفول) التي تدع الفتى | ساهي الفؤاد كشارب مخمور |
أم في (حلفها) تهيم وترمس | في اللون تحكي مقلة المصفور |
أم (للبليلة) في ’’مخيض’’ خامض | تطفي الحرارة من حشى المحرور |
أم للبراغيث لتي في عامل | ملكته من يارون للدامور |
لعمرك ما أن شاقني ذات معصم | ولا همت في ظبي بعالج أرثم |
ولم أتغزل في فتاة وأمرد | يذيل حميا الراح بالخد والفم |
ولا معلق كيف الهوى بأزمتي | ليلعب بي لعب الفطيم بدرهم |
ولا أنا ذو نهجين طرا بمسجد | وطورا بحانات كيحيى بن أكثم |
فكيف ولي في الفضل منهج | ولم يك إلا ’’جباع’’ تتييمي |
نعم هي كالفردوس حسنا وبهجة | إذ ما بدا زهر الربيع المنمنم |
فمن بين أس الورد شوكة بأسه | وضرج وجنات الشقائق بالدم |
كذلك أبدي الأقحوان ابتسامة | ويفتر عن در نضيد منظم |
كأن الخزامى والبنفسج زينا | بنسرينها زين السماء بأنجم |
كأن سقيط الطل فوق ربوعها | قراطيس موشاة بجدول طلسم |
كأن رباها خد عذراء كاعب | له وسمت كف الغمام بميسم |
إذا ما بكت عين الحيا قالت الربى | لثغر محيا الزهر يا ويك فابسم |
ألا أنزل برأس العين فأنظر ربوعها | وحط عصا التسيار فيها وخيم |
فمن جدول أضحى يسيل لجدول | وطير غدا يشدو لطير مرخم |
كأن خرير الماء ألفاظ أعجم | عليه هزار الدوح شبه المترجم |
وتغريده فوق الغصون ولحنه | يهيج أشواق الكئيب المتيم |
وإن جزت في أرض (المشارع) غدوة | فحي لهاتيك الربوع وسلم |
وأما تنشقت العرار فقف وق | إلا يا عنا أذهب يا سرور تقدم |
وقل يا سقاك الله أفع ماطر | مغيث ملث صادق الوبل مرزم |
وعرج على (كرم العنبسي) وعج معا | على (كفرا) وأقصد رباها ويمم |
وأنشق شذى ذاك العبير فإنه | لألطف في الآناف من عطر منشم |
وجل نظرا يا صاح في لطف ربعها | وناهيك من كفر يطيب لمسلم |
وعج بعدها (للشاكرية) شاكرا | وصل ومن ذاك التراب تيممم |
ودونك رد ماء (القبي) فإنه | أسى لفؤاد بالهموم مكلم |
به تحيا أموات المسرات والهنا | كأنه برهان عيسى بن مريم |
مبرده يروي حديث ربيعة | وصفوانه يروي حديث ابن أرقم |
وأنهض إلى نحو (المغارة) رافلا | بأثواب أفراح وعيش منعم |
وإياك (عين الفضل) أن بربعها | ظباء وفي غاباتها كل ضيغم |
منازل لو أن ابن دارا يحلها | لما هام في عين الحياة ولا ظمي |
وعج بعد هذا (بالمصلى) مصليا | وطف حوله سبعا ولب وأحرم |
ومن حوض فأنف الشجون بغسله | وكما ينفي أدران الشقا ماء زمزم |
وادخل حمى البيت العتيق الذي به | تطوف المعالي من فرادي وتوأم |
حمى لبني الحر الأماجد اسه | بهام السها للحشر لم يتهدم |
لهم من سنام المجد أوطأ مركب | ومن يانعات العلم أوفر مغنم |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 393