التصنيفات

مدرك بن علي الشيباني: أعرابي من بادية البصرة، دخل بغداد صغيرا ونشأ بها، فتفقه وحصل العربية والأدب، وكان شاعرا أديبا فاضلا، وكان كثيرا ما يلم بدير الروم في الجانب الشرقي ببغداد، وكان بدير الروم غلام من أولاد النصارى يقال له عمرو بن يوحنا، وكان من أحسن الناس صورة وأكملهم خلقا، وكان مدرك بن علي يهواه. وكان لمدرك مجلس تجتمع فيه الأحداث، فان حضر شيخ أو صاحب حرمة قال له مدرك: قبيح بك أن تختلط بالأحداث والصبيان، فقم في حفظ الله، فيقوم، وكان عمرو يحضر مجلسه، فعشقه مدرك وهام به، فجاء عمرو يوما إلى المجلس فكتب مدرك رقعة وطرحها في حجره فإذا فيها:

فقرأ الأبيات ووقف عليها من كان في المجلس، فاستحيا عمرو وانقطع عن الحضور، وغلب الأمر على مدرك فترك مجلسه ولزم دير الروم وجعل يتبع عمرا حيث
سار، وقال فيه شعرا كثيرا.
قال الجريري: وقد رأيت عمرا أبيض الرأس واللحية.
ومن شعر مدرك فيه المزدوجة المشهورة وهي:
ثم إن مدركا وسوس وسل جسمه وذهب عقله وانقطع عن إخوانه ولزم الفراش.
حكى حسان بن محمد بن عيسى قال: حضرته عائدا مع جماعة من أصحابه فقال:
ألست صاحبكم القديم العشرة لكم؟ أما منكم أحد يسعدني بنظرة إلى وجه عمرو؟
قال: فمضينا بأجمعنا إلى عمرو وقلنا له: إن كان قتل هذا الرجل دينا فان إحياءه مروءة، قال: وما فعل؟ قلنا: قد صار إلى حال ما نحسبك تلحقه، قال: فلبس ثيابه ثم نهض معنا، فلما دخلنا عليه سلم عليه عمرو وأخذ بيده فقال: كيف تجدك يا سيدي؟ فنظر إليه ثم أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول:
ثم إنه شهق شهقة فارق فيها الدنيا فما برحنا حتى دفناه.

  • دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 6- ص: 2692