عبد الله بن عبد العزيز البكري أبو عبيد الأندلسي: كان أميرا بساحل كورة لبلة، وصاحب جزيرة شلطيش، بلد صغير من قرى اشبيلية على البحر. وكان مقدما من مشيخة أولي البيوتات وأرباب النعم بالأندلس، فغلبه ابن عباد صاحب اشبيلية على سلطانه ببلده المذكور، فلاذ بقرطبة، ثم صار إلى محمد بن معن صاحب المرية، فاصطفاه لصحبته، وآثر مجالسته والأنس به، ووسع راتبه.
قال ابن خاقان: رأيته وأنا غلام في مجلس ابن منظور وله شيبة يروق العيون إيماضها، ويفوق السواد بياضها، وقد بلغ سن ابن محلم، وهو يتكلم فيفوق كل
متكلم. فجرى ذكر ابن مقلة وخطه، وأفيض في رفعه وحطه، فقال:
خط ابن مقلة من أرعاه مقلته | ودت جوارحه لو أصبحت مقلا |
أجد هوى لم يبل دهرا تجددا | ووجدا إذا ما أتهم الوجد أنجدا |
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى | فيرفع مجرورا ويخفض مبتدا |
ومن لم يحط بالناس علما فإنني | بلوتهم شتى مسودا وسيدا |
خليلي إني قد طربت إلى الكاس | وتقت إلى شم البنفسج والآس |
فقوما بنا نلهو ونستمع الغنا | ونسرق هذا اليوم سرا من الناس |
فإن فطنوا كنا نصارى ترهبوا | وإن غفلوا عدنا إليهم من الراس |
وليس علينا في التعلل ساعة | وإن وقعت في عقب شعبان من باس |
متى تخطئ الأيام في بأن أرى | بغيضا تنائي أو حبيبا تقرب |
فقد عمر الله الوزارة باسمه | ورد إليها أهلها بعد إقصار |
دار الغرب الإسلامي - بيروت-ط 0( 1993) , ج: 4- ص: 1534
عبد الله بن عبد العزيز البكري أبو عبيد الوزير
هو عبد الله بن عبد العزيز بن محمد بن أيوب بن عمرو من أبناء الأمراء يكنى أبا عبيد الله ولى أبو زيد محمد بن أيوب ولبة وشلطيش وما بينهما من الثغر الغربي وأصلهم من لبلة
وكان أيوب بن عمرو قد ولى خطة الرد بقرطبة وولى أيضا القضاء ببلده وسماه ابن حيان في الذين سمعوا من هشام المؤيد ما أمر بعقده للمنصور محمد بن أبي عامر مجدداً للألفة وسمى معه محمد بن عمرو وأخاه وتاريخ هذا العقد شهر صفر سنة سبع وثمانين وثلاثمائة وذكر أبو القاسم بن بشكوال أيوب بن عمرو المذكور في تاريخه
قال ابن حيان لما تولى الوزير أبو الوليد بن جهور الإصلاح بين ابن الأفطس والمعتضد بعد امتداد شأوهما في الفتنة وسنى الله السلم بينهما في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وأربعين يعني وأربعمائة اعتدى إثر ذلك المعتضد على جارية ابن يحيى أمير لبلة وأبي زيد البكري أمير شلطيش وولبة فأخرجهما عن سلطانهما الموروث وحصل له عملهما بلا كبير مؤونة وضمه إلى سائر عمله العريض وازداد بذلك المعتضد سلطانا وقوة وذلك أنه لما خلا وجهه من المظفر بن الأفطس فرغ لابن يحيى بلبلة وصمم في قصده بنفسه فنزل له عن لبلة وخرج عن البلد وانزعج إلى قرطبة مسلوب الإمارة لائذاً بكنف ابن جهور ساد الخلة ومأوى الطريد وكان من الغريب النادر أن شاركه المعتضد بقطعة من خيله وصلته إلى مأمنه بقرطبة
ثم سقط إلينا النبأ بعد بامتداد يده إلى البكري بولبة وشلطيش وكان هذا الفتى وارث ذلك العمل لأبيه وكان أبوه من بيت الشرف والحسب والجاه والنعمة والاتصال القديم بسلطان الجماعة وكان له ولسلفه إلى إسماعيل بن عباد جد المعتضد وسائل وأذمة خلفاها في الأعقاب اغتر بها عبد العزيز البكري فبادر البعثة إلى المعتضد ساعة دخل لبلة يهنئه بما تهيأ له منها وذكره بالذمام الموصول بينهما واعترف بطاعته وعرض عليه التخلي عن ولبة وإقراره بشلطيش إن شاء فوقع ذلك من المعتضد موقع إرادة ورد الأمر إليه فيما يعزم عليه وأظهر الرغبة في لقائه وخرج نحوه يبغي ذلك فلم يطمئن عبد العزيز إلى لقائه وتحمل بسفنه جميع ماله إلى جزيرة شلطيش وتخلى للمعتضد عن ولبة فحازها حوزه للبلة وبسط الأمان لأهلها واستعمل عليها ثقة من رجاله ورسم له القطع بالبكري ومنع الناس طرا من الدخول إليه فتركه محصوراً وسط الماء إلى أن ألقى بيده من قرب ولم يعزب عنه الحزم فسأل المعتضد أن ينطلق انطلاق صاحبه فأمنه ولحق بقرطبة
وبوشر منه رجل سري عاقل عفيف أديب يفوت صاحبه ابن يحيى خلالاً وخصالاً إلى زيادة عليه ببيت السرو والشرف وبابن له من الفتيان بذ الأقران جمالاً وبهاء وسرواً وأدباً ومعرفة يكنى أبا عبيد
وتحدث الناس من حزم عبد العزيز يومئذٍ أنه لما احتل شلطيش علم أنه لا يقاوم عباداً فأخذ بالحزم أولا وتخلى له عنها بشروط وفى له بها فباع منه سفنه وأثقاله بعشرة آلاف مثقال واحتل قرطبة في كنف ابن جهور المأمون على الأموال والأنفس وصفت لعباد تلك البلاد لو أن شيئا يدوم صفاؤه والملك الباقي لله وحده
وحكى غيره أن البكري في قصده قرطبة اجتاز بإقليم البصل وطلياطة وقد أعد المعتضد له النزل والضيافة هنالك ومذهبه القبض عليه وعلى نعمته فقدم إلى صاحب قرمونة محمد بن عبد الله البرزالي يعلمه باجتيازه عليه وبأنه لا يأمن غائلة عباد وسأله مشاركته وخفارته فعجل له قطعة من خيل مجردة لقيته بموضع اتفقا عليه ولم يلو البكري على موضع النزل وحث حمولته حتى لفيته خيل ابن عبد الله فوصل معها إلى قرمونة ثم توجه منها إلى قرطبة ونجا من حبائل المعتضد
قال وكانت مدة البكرتيين بشلطيش وما إليها إحدى وأربعين سنة
في أول هذا الخبر عن ابن حيان ذكر ابن يحيى وأبي زيد البكري، وأبو زيد إنما هو محمد بن أيوب والد عبد العزيز ولم يدرك المعتضد زمانه وأما عبد العزيز فكنيته أبو المصعب وكان جواداً ممدحاً وفيه يقول أبو علي إدريس بن اليماني من قصيدة فريدة وكان إدريس هذا مقدما في فحول شعراء الأندلس
فدى للتي لم يثن لين فؤادها | على كبد جار الفراق فآدها |
من البيض ريا في رداء ذوائب | يباري سواد العين منها سوادها |
...... الروض........ | سقاها الصبا السلسال حتى أنادها |
تقود بلا رفق خيول مدامعي | لتورد هيجاء الملام ورادها |
وما أنصفتها حين ضنت بجودها | عليها وحثت بالطراد جيادها |
أفدت غداة البين منها التماحة | شكرت صنيع البين بي إذ أفادها |
أعيدي سقي مثواك ألعس أشنب | إذا مرضت أرض الأحبة جادها |
يضوع بواديك الأغن أغانياً | متى ما يعدها لم تمل معادها |
إذا ما أجادت كفه حول روضة | حسبنا جدي عبد العزيز أجادها |
كذا في بروج السعد ينتقل البدر | وتحسن حيث احتل آثاره القطر |
وتقتسم الأرض الحظوظ فبقعة | لها وافر منها وأخرى لها نزر |
لذل مكان غاب عنه مملكي | وعز مكان حله ذلك البدر |
فلو نقلت أرض خطاها لأقبلت | تهنيه بغداد بقربك أو مصر |
فجزت أجاج البحر تبغي زلاله | وذقت جني الأهوال تبغي جني الشهد |
يذكرنا ذاك العباب إذا طما | ندى كفك الهامي على القرب والبعد |
محمد يا ابن الأكرمين أرومة | ليهنك تشييد المكارم والمجد |
فلو خلد الإنسان بالمجد والتقى | وآلائه الحسنى لهنئت بالخلد |
أجد هوى لم يأل شوقاً تجدداً | ووجداً إذا ما أتهم الحب أنجدا |
وما زال هذا الدهر يلحن في الورى | فيرفع مجروراً ويخفض مبتدا |
ومن لم يحط بالناس علما فإنني | بلوتهم شتى مسوداً وسيداً |
خليلي إني قد طربت إلى الكاس | وتقت إلى شم البنفسج والآس |
فقوموا بنا نلهو ونستمع الغنا | ونسرق هذا اليوم سرا من الناس |
فليس علينا في التعلل ساعة | وإن وقعت في عقب شعبان من باس |
دار المعارف، القاهرة - مصر-ط 2( 1985) , ج: 2- ص: 2