التصنيفات

قرمشي نائب قلعة صفد قرمشي بن أقطوان، الأمير سيف الدين بن الأمير علاء الدين: قد تقدم ذكر والده في حرف الهمزة من مكانه. نشأ هذا ولده الأمير سيف الدين قرمشي بصفد على خير وديانة وتعبد، ولم تعلم له صبوة.
وكان يحب الفقراء والصلحاء، ويميل إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وأصحابه، ويكاتبه الشيخ تقي الدين وهو بصفد.
وكانت له خصوصية بالأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد يسمر عنده ويلازمه ليلا ونهارا.
ولما كان سنة ست وثلاثين وسبعمائة اختص بالأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، وأقام عنده بدمشق، وأقبل عليه إقبالا كثيرا، وصار من أحظى الناس عنده.
وكان يركب في البريد المهم ويتوجه بالمشافهات بين السلطان وبين تنكز.
ثم إنه أعطاه بدمشق عشرة أرماح، وعلت مكانته وتردد في البريد مرات عديدة.
ثم توجه مع الأمير سيف الدن تنكز لما توجه إلى مصر، وهي آخر مرة، فغير إقطاعه هناك ثلاث مرات بالإمرة وولاه الحجوبية.
ولما أمسك الأمير سيف الدين تنكز طلب هو إلى مصر فتوجه إليها، وأقام باب السلطان حاجبا وشنع الناس؟ ورمي بأنه هو الذي نم على تنكز وعمل عليه في الباطن إلى أن أمسك، فنفرت قلوب مماليك السلطان منه، وأبغضه الأمراء، فطلب في أول دولة الصالح إسماعيل الخروج إلى دمشق، فحر إليها أميرا، ثم رسم له بأن يتوجه إلى صفد أميرا فتوجه إليها، ثم بقي بها حاجبا، ثم إنه رسم بنيابة قلعة صفد، فباشرها على أحسن ما يكون وبالغ في عمارتها ورم ما تشعث منها واجتهد في ذلك.
ثم إن الأمير سيف الدين الملك نائب صفد لما أمسك في أيام الكامل شعبان شنع الناس أن الأمير سيف الدين قرمشي هو الذي نم عليه وكتب إلى مصر في السر يقول: إنه قد عزم على أن يهرب، فجددت هذه المرة عليه ما كان كامنا في نفوس المراء منه.
ولما برز الأمبر سيف الدين يلبغا نائب دمشق إلى الجسورة واجتمع عليه العساكر طلبه ليحضر إليه فوعده بذلك ولم يحضر.
واتفق أن وردت إليه كتب الملك الكامل في الباطن فجزها هو من جهته إلى أمراء الشام وغيرهم وأمسك قصاده بالكتب فحرك ذلك عليه ساكنا عظيما.
ولما استقر السلطان الملك المظفر حاجي في الملك جهز الأمير سيف الدين يلبغا النائب إلى سيف الدين قرمشي فأحضره على البريد وأودع الاعتقال في قلعة دمشق هو وأولاده وجماعة من أهله، فأقام بها كذلك قريبا من شهر أو أكثر، ثم أفرج عن أولاده وجماعته، وكان ذلك آخر العهد به في شعبان سنة سبع وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى وعفا عنه.
ولما كنت بالديار المصرية كتبت له مرسوما بنيابة قلعة صفد ارتجالا وهو:
الحمد لله الذي نصر هذا الدين بسيفه المضر الشبا، وأيده بخير ولي تقصر عن بأسه سمر القنا وبيض الظبا، وحصن معاقله بكفؤ تأرج عنه الثناء وطاب البنا، وحمى سرحه بفارس إذا أظلم العجاج أطلع في دجاه من سنانه اللامع كوكبا؛ نحمده على نعمه التي لا يداني جودها غمام، ولا يقارب حسن مواقعها تبسم زهر من ثغر كمام، ولا يجاري سراها برق تسرع جواده في ميدان ظلام، ولا يحاكي تواخيها ازدواج لآلئ تألفت حباته في النظام؛ ونشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له شهادة رقم الإيمان برودها، وحتم البرهان وجودها، وحسم الإدمان عنودها، ونظم الإيمان عقودها.
ونشهد بأن سيدنا محمدا عبده ورسوله الذي تثنى الخطار من بأسه طربا، وضحك البتار في يمينه الشريفة عجبا، وولى الأدبار عدو الدين ممنعا هربا، وباد الكفار من حزبه لما ذاقوا ويلا وحربا، صلى الله عليه وعلى آله الذين سادوا الأنام، وجادوا بما فاق الغمام، وعادوا بفضلهم على أولي الفاقة والإعدام، وحادوا عن طرق الضلال والظلام، صلاة دائمة السنا، قائمة بنيل المراد والمنى، ما ابتسم في الروض ثغر أقاح، وفتق غمة الظلام شفرة صباح، وسلم سلاما كثيرا.
وبعد.
فإن ثغر صفد المحروسة من الحصون المشيدة، والمعاقل الفريدة، قد طاولت النجوم شرفاته، وعلت على الغيوم غرفاته، وتلهبت ذبالة الشمس في سراجه، ونفض الأصيل زعفرانه على بياض أبراجه، كم لاثت الغمائم على هامته عمائم، وكم لبست أنامل بروجه من الأهلة خواتم، والنيابة فيه منصب شريف، وفضل على الكواكب ينيف، وكان المجلس السامي الأميري السيفي فلان ممن جمل الدول وفاز بالقرب من الملوك الأول، ونصح والدنا الشهيد، فأدى من حقه واجباه واجتهد في رضاه فكان له عينا وحاجبا، وآثر عوده إلى وطنه فنولناه مرامه، واجتنبنا قصده الذي أحكم نظامه رغبة في الانجماع والعزلة عن الناس، وطلبا في الانفراد والخلوة وما في ذلك من بأس، فلذلك رسم بالأمر الشريف السلطاني الملكي الصالحي العمادي - أعلاه الله وشرفه - أن يستقر في النيابة بقلعة صفد المحروسة على أجمل العوائد وأكمل القواعد.
فليجتهد في مراعاة أحوالها وتفقد مباشريها ورجالها ورم ما تشعث من بنائها، وإصلاح ما تحتاج إليه في ربعها وفنائها، فإن لها منه أيام المرحوم والده إيثارا، وله في عمارتها آثارا، فليجرها على ما عهدت، وليزكها في ماله شهدت، ويبذل الجهد في تشييدها، ودوام تحصينها بالرجال وتخليدها، وتثمير حواصلها بالسلاح والعدد والغلال، وعرض رجالها النقاعة فما الحصون إلا بالرجال، ومثله لا يذكر بوصية، ولا ينبه على مصلحة أو قضية، ولكن التقوى هي العمدة، والكنز الذي لا يفنى في الرخاء ولا في الشدة، وهي به أليق، وبشد عراه أوثق، والخط الشريف أعلاه تعالى أعلاه، حجته وثبوت العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالى.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 24- ص: 0