جارية النطاف عنان جارية الناطفي. كانت من مولدات اليمامة، وبها نشأت وتأدبت، واشتراها الناطفي، ورباها، وكانت صفراء جميلة حلوة مليحة الأدب سريع البديهة. وكان فحول الشعراء يعارضونها، فتنتصف منهم.
دخل عليها أبو نواس يوما فتحدثا ساعة، ثم قال: قد قلت، فقالت: هات فأنشد:
إن لي أيرا خبيثا | عارم الرأس فلوتا |
لو رأى في الجو صدعا | لزا حتى يموتا |
أو رآه فوق سقف | صار فيه عنكبوتا |
أو رآه جوف بحر | خلته في البحر حوتا |
قال: فما لبثت أن قالت:
زوجوا هذا بألف | وما أظن الألف قوتا |
إنني أخش عليه | إن تمادى أن يموتا |
بادروا ما حل بالمسـ | ـكين خوفا أن يفوتا |
قبل أن ينتكس الد | اء فلا يأتي ويوتى |
ودخل يوما عليها فقال:
ماذا ترين لصب | ترضيه منك قطيره |
فأجابته:
إياي تعني بهذا | عليك فاجلد عميره |
فقال:
أريد ذاك وأخشى | على يدي منك غيره |
فخجلت وقالت: تعست، وتعس من يغار عليك.
وقال أحمد بن معاوية:
قال لي رجل: تصفحت كتبا، فوجدت فيها بيتا جهدت جهدي أن أجد من يجيزه، فلم أجد، فقال لي صديق: عليك بعنان جارية النطاف فأنشدتها:
وما زال يشكو الحب حتى وجدته | تنفس في أحشائه وتكلما |
فما يلبث أن قال:
ويبكي فأبكي رحمة لبكائه | إذا ما بكى دمعا له دما |
وكان الرشيد قد ساوم مولاها فيها، فبلغ ذلك أم جعفر، فشق عليها، فأسلت إلى أبي نواس في أمرها فقال يهجوها:
إن عنان للنطاف جارية | أصبح حرها للنيك ميدانا |
ما يشتريها إلا ابن زانية | وقلطبان يكون من كانا |
فبلغ الرشيد شعره فقال: أخزى الله أبا نواس، وقبحه، فلقد أفسد علي لذتي بما قال فيها، ومنعني من شرائها فبلغ الخبر عنان فقالت في أبي نواس:
عجبا من طغى أصل اللواط | فإذا صار إلى البيت وخسفا عن تواط |
ولما مات الناطفي اشتراها رجل بمائتي ألف وخمسين ألف درهم وحملها إلى خراسان وقال مروان بن أبي حفصة يقول: لقيني الناطفي، فدعاني إلى عثمان، فانطلقت معه، فدخل إليها وقال لها: قد جئتك بأشعر الناس، مروان بن أبي حفصة، فوجدها عليلة. فقالت له: إني عنه لمشغولة، فأهوى إليها بسوطه فضربها، وقال لي: ادخل فدخلت وهي تبكي فرأيت الدمع ينحدر من عينيها فقلت:
بكت عنان فجرى دمعها | كالدر إذ يسبق من خيطه |
فقالت مسرعة:
فليت من يضربها ظالما | تيبس يمناه على سوطه |
فقلت: أعتق مروان كل ما يملك إن كان في الجن والإنس أشعر منك
ودخل يوما أبو نواس عليها وهي تبكي، وكان الناطفي ضربها، فأومأ الناطفي إلى أبي نواس أن يحركها بشيء، فقال أبو نواس:
علقت من لو أتى على أنفـ | ـس الماضين والغابرين ما ندما |
فقالت مسرعة:
لونظرت عينها إلى حجر | ولد فيه فتورها سقما |
واجتمع بها يوما أبو نواس، فجعلت تطلب عثراته، وتؤذيه فتجشأ في وجهها فقالت
يا نواس يا نفاية خلق الله | قد نلت لي سنا وفخرا |
مت إذا شئت وقد ذكرتك في الشعر | وحرر أذيال ثوبك كبرا |
رب ذي خلة تبسم من لفظك | سلحا ومنك عسرا وسرا |
ونديم سقاك كأسا من الخمر | فأفضلت في الزجاجة حجرا |
فإذا ما بدهتني فاتق الله | وعلق دوني على فيك سرا |
وإذا ما أردت أن تحمد الله | على ما أبلى وأولاك شكرا |
فليكن ذاك بالضمير وبالإيما | ء لا تذكرن ربك جهرا |
لا تسبح فما عليك جناح | جعل الله بين لحييك دبرا |
أنت تفسو إذا نطقت ومن | سبح بالفسو نال إثما ووزرا |
إن تأملته فبومة حش | وإذا ما شممته كان صقرا |
واجتمع يوما بها، فقال:
عنان يا منيتي ويا سكني | أما تريني أجول في سكك |
ملكتني اليوم يا معذبتي | فصيرتني الغداة في فكك |
وعجلي ذاك وارحمي قلقي | واثبتي لي البراءة في صكك |
فقالت عنان:
لم يبق فيما قد قلت قافية | يقولها قائل سوى عكك |
بل وإن قالها فتى فطن | يقولها في قريص ذي تكك |
فقال أبو نواس:
بل وإن شئت قلت فيشلة | تسكن لها القابحات من حكك |
قال أبو الفرج صاحب ’’الأغاني’’: قرأت في بعض الكتب:
دخل بعض الشعراء على عنان جارية الناطفي، فقال لها الناطفي عاييه.
فقالت:
سقيا لبغداد لا أرى بلدا | يسكنه الساكنون يشبهها |
فقال:
كأنها فضة مموهة | أخلص تمويهها مموهها |
فقالت:
أمن وخفض فما كبهجتها | أرغد أرض عيشا وأرفهها |
فانقطع:
قلت: أما بيتا عنان فإنهما منتظما المعنى، وأما بيت الشاعر المذكور فإنه أجنبي منهما.
وقال: إن الرشيد طلب من الناطفي جاريته، فأبى أن يبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فقال: أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ بالدينار سبعة دراهم، فامتنع، فأمر بأن تحمل ’’إليه’’ فذكروا أنها دخلت مجلسه، فجلست في هيئتها تنتظره فدخل عليها، فقال: ويلك! إن هذا قد اعتاص علي في أمرك، قالت: وما يمنعك أن توفيه وترضيه؟ فقال: ليس يقنع بما أعطيه، وأمرها بالانصراف فبلغني أن الناطفي تصدق بثلاثين ألف درهم حين رجعت إليه، فلم تزل في قلب الرشيد حتى مات مولاها، فلما مات بعث مسرورا الخادم، فأخرجها إلى باب الكرخ، فنادى عليها وأقامها على سرير وعليها رداء رشيدي قد جللها، فنودي عليها: من يزيد؟ بعد أن شاور الفقهاء فيها، فقالوا: هذه كبد رطبة، وعلى الرجل دين، فأشاروا ببيعها، قالوا: فبلغنا: أنها كانت تقول-وهي على المصطبة-: أهان الله من أهانني، وأذل من أذلني، فلكزها مسرور بيده، وبلغ بها مسرور مائتي ألف درهم، فجاء رجل، فقال: علي زيادة خمسة وعشرين ألف درهم، فلكزه مسرور، وقال: أتزيد على أمير المؤمنين!.
ثم بلغ بها مائتين وخمسين ألفا، وأخذ مالها قال: ولم يكن فيها شيء يعاب، فطلبوا لها عيبا لئلا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها في ظفره شيئا.
وقال الأصمعي: بعثت إلى أم جعفر أن أمير المؤمنين قد لهج بذكر عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أريغ لأن أجد للقول فيها موضعا، فلا أجده، ولا أقدم عليه هيبة له، إذ دخلت يوما فرأيت في وجهه أثر الغضب، فانخزلت، فقال: ما لك يا أصمعي؟ قلت: رأيت في وجه أمير المؤمنين أثر غضب، فلعن الله من أغضبه! فقال هذا الناطفي والله، لولا حرصه أني لم أجر في حكم قط متعمدا لجعلت على كل جبل منه قطعة، وما لي في جاريته أرب غير الشعر، فذكرت رسالة أم جعفر، فقلت له: أجل والله ما فيها غير الشعر، أفيسر أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق؟ فضحك حتى استلقى، واتصل قولي بأم جعفر فأجزلت لي الجائزة.
ويقال: إن عنان عشقت غلاما، فلم يلتفت إليها، فأعرضت عنه مدة، ثم إنها مرت به وقد التحى، فتعرض لها فلم تلتفت إليه، وكتبت له:
هلا وأنت بماء وجهك تشتهي | رود الشباب وأنت ممنوح الصفا |
فالآن ألثمك الزمان بلحية | ما كان أحوجها إلى أن تنتفا |
قد كنت وجها مقبلا وموليا | فالآن وجهك حيث درت به قفا |
وذكرت - ههنا- قول الآخر:
هلا أتيت وماء وجهك مشتهى | رود الشباب قليل شعر العارص |
الآن حين بدت بخدك لحية | ذهبت بملحك ملء كف القابص |
مثل السلافة عاد خمر عصيرها | بعد اللذاذة خل خمر حامص |