المظفر صاحب حماة
المظفر صاحب حماة
وناب عن عمه صلاح الدين بالديار المصرية في بعض غيباته عنها؛ لأن الملك العادل كان نائبا عن أخيه صلاح الدين، فلما جاء من الكرك، سنة تسع وسبعين وخمس مائة، في شهر رجب، طلب أخوه من مصر بالعساكر، وسير إليها تقي الدين عمر نائبا عنه، ثم استدعاه إليه إلى الشام، ورتب مكانه العزيز عثمان، ومعه العادل؛ فشق ذلك على تقي الدين، وعزم على دخوله بلاد الغرب ليفتحها، فقبح أصحابه عليه ذلك، فامتثل قول عمه صلاح الدين، وحضر إلى خدمته، وخرج السلطان والتقاه بمرج الصفر، واجتمعا هناك، وفرح به، وأعطاه حماة، فتوجه إليها، وتوجه إلى قلعة منازكرد من نواحي خلاط، ليأخذها، فحاصرها مدة، وتوفي عليها، يوم الجمعة، تاسع عشر شهر رمضان، سنة سبع وثمانين وخمس مائة، وقيل توفي بين خلاط وماردين، ونقل إلى حماة، ودفن بها. ورتب مكانه ولده الملك المنصور أبو المعالي محمد، وقد تقدم ذكره.
وقال في وصفه صاحب الخريدة: ذو السيف والقلم، والبأس والكرم، كان يساجل العظماء ويجالس العلماء، ولكثرة امتزاجه بالفضلاء نظم الشعر طبعا، ولم يميزه خفضا ونصبا ورفعا. ومن مختار ما أنشد له قوله:
جاءتك أرض القدس تخطب ناكحا | يا كفأها ما العذر عن عذرائها |
زفت عليك عروس خدر تجتلى | ما بين أعبدها وبين إمائها |
إيه صلاح الدين خذها غادة | بكرا ملوك الأرض من رقبائها |
كم خاطب لجمالها قد رده | عن نيلها أن ليس من أكفائها |
يعاتبني قوم يعز عليهم | مسيري: ما هذا السرى في السباسب |
فقلت لهم: كفوا وما وكفت لكم | جفون ولا ذقتم فراق الحبائب |
ما أحسن الصبر ولكنني | أنفقت فيه حاصل العمر |
فليت دهري عاد لي مرة | ببعض عمر ضاع في الصبر |
أحبابنا والهوى لا حلت بعدكم | عن العهود ولا استهواني الغير |
فإن أحل بخلت كفي بما ملكت | ولا أحببت الندى إن قيل: يا عمر |
كلما زدتم جفا | زاد قلبي تلهفا |
جار في يوم بينكم | حاكم ما توفقا |
يا مالكا رقي برقة خده | ومعذبي دون الأنام بصده |
ومكذبي، وأنا الصدوق، وهاجري | وأنا المشوق، ومانعي من رفده |
أشتاقه وأنا الجريح بلحظه | وأحبه وأنا الطعين بقده |
آه من قوم بليت بهم | أدمعي من بعدهم تكف |
عرفوا أني أحبهم | وبلائي بالذي عرفوا |
نعم الأراك بما حوته شفاهها | يا ليتني أصبحت عود أراك |
سعدت بكم تلك البقاع وأهلها | من لي بأن أحتلها وأراك؟ |
إذا أدلت أذلت قلب عاشقها | ما أطيب الحب إدلالا وإذلالا |
ترنحت بنسيم العتب مائلة | لو لم يكن قدها غصنا لما مالا |
يا بائنا أبان عن | عيني لذيذ الوسن |
ويا مريض المقلة الـ | ـكحلاء كم تمرضني |
لهفي على الظلم الذي | بمنعه يظلمني |
يجني علي خده | بمنعه الورد الجني |
قد فاز من أصبح يا هذه | وذنبه وصلك، يوم الحساب |
كأنك الجنة من حلها | نال أمانا من أليم العذاب |
قلبي وإن عذبوه ليس ينقلب | عن حب قوم متى ما عذبوا عذبوا |
راض إذا سخطوا دان إذا شحطوا | هم المنى لي إن شطوا وإن قربوا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 22- ص: 0
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 25- ص: 0