علي بن يحيى بن أبي منصور المنجم، أبو الحسن: كان أبوه يحيى أول من خدم من آل المنجم الخلفاء وإليه ينسبون، وهو المنجم، وأول من خدم المأمون، وقد ذكر في بابه، ونادم ابنه علي هذا المتوكل وكان من خواصه وندمائه والمتقدمين عنده، وخص به وبمن بعده من الخلفاء الى أيام المعتمد على الله، وكان شاعرا راوية علامة أخباريا. مات سنة خمس وسبعين ومائتين ودفن بسر من رأى في آخر أيام المعتمد. وأخذ أبو الحسن هذا عن جماعة من العلماء منهم إسحاق بن إبراهيم وشاهده، وكان يجلس بين يدي الخلفاء ويأمنونه على أسرارهم، وكان حسن المروءة ممدحا، واتصل بمحمد بن اسحاق بن إبراهيم المصعبي ثم اتصل بالفتح بن خاقان وعمل له خزانة كتب حكمة نقل إليها من كتبه مما استكتبه للفتح بن خاقان أكثر ما اشتملت عليه خزانة حكمة قط. وله تصانيف منها: كتاب الشعراء القدماء والاسلاميين. وكتاب أخبار إسحاق بن إبراهيم. وكتاب الطبيخ.
قال عبيد الله بن أبي طاهر: كان أبو الحسن علي بن يحيى مشتهرا بالأدب كله مائلا إلى أهله معتنيا بأمورهم، وكان منزله مألفا لهم، وكان يوصل كثيرا منهم إلى الخلفاء والأمراء ويستخرج لهم الصلات، وإن جرى على أحد منهم حرمان وصله من ماله، وكان يبلغ من عنايته بهم ورغبته في نفعهم أنه كان ربما أهدى الى الخلفاء والأمراء عنهم الهدايا الظريفة المليحة ليستخرج لهم بذلك ما يحبون.
قال: حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى قال: قدم على أبي إدريس بن
أبي حفصة في أيام المتوكل وتوسل إليه فأوصل شعره إليه وكلمه فيه، فاستخرج له منه عشرة آلاف درهم، فقال إدريس بن أبي حفصة:
أضحى علي بن يحيى وهو مشتهر | بالصدق في الوعد والتصديق في الأمل |
لو زيد بالجود في رزق وفي أجل | لزاد جودك في رزقي وفي أجلي |
ثم وصله من ماله لما عزم ادريس على الانصراف الى بلده بجملة جليلة، ولم يزل إدريس مقيما عنده في ضيافته إلى وقت ارتحاله، فقال إدريس عند وداعه إياه:
ما من دعوت فلباني بنائله | كمن دعوت فلم يسمع ولم يجب |
إني وجدت عليا إذ نزلت به | خيرا من الفضة البيضاء والذهب |
وحدث علي بن هارون بن يحيى بن المنجم في «كتاب الأمالي» له قال:
حدثني عمي أبو أحمد يحيى بن علي حدثني أبي علي بن يحيى قال: وفد الي عافية بن شبيب بن خاقان بن الأهتم السعدي من البصرة فأنزلته علي وأحسنت ضيافته ورعيت له حرمة الأدب الذي توسل به، فأقام معي مدة في كفاية وكرامة وحسن ضيافة وحملته على فرس، واستوصلت له جماعة من إخواني فأخذت له منهم ما تأثث به حاله وأصلح به شأنه، ثم ذكرته للمتوكل رحمة الله عليه ووصفت له أدبه وأن معه ظرفا يصلح به لمجالسته، فأمرني باحضاره، ودخل إليه فوصله وأجرى عليه رزقا وجالسه، فمكث مدة على ذلك، ثم انفرجت الحال بيني وبينه، وكفر ما كان من إحساني إليه وبسط لسانه يذكرني بما لم أستحقه منه، وكان المتوكل يغريه بي لما رأى منه فيضحك المتوكل مما يجري ويجيئني بذلك فيه وهو لا يدري. قال أبو الحسن: فأهدى في يوم من أيام النواريز إلى المتوكل فرسا، فنظر إليه المتوكل فاستحسنه، ثم أقبل على الفتح بن خاقان فقال: أما ترى إلى هذا الفرس الذي أهداه عافية ما أحسنه وأعتقه، هذا خلاف ما يصفه به علي بن يحيى من صغر الهمة وضيق النفس والخساسة؛ من تبلغ همته إلى أن يهدي مثل هذا الفرس لا يوصف بالخساسة ولا بضيق النفس، وهو
في ذلك كله كان ينظر إلي ويقصدني بالكلام ويريد العبث بي، فتركته حتى أطنب في هذا المعنى وبلغ منه ما أراد ثم قلت له: يا أمير المؤمنين أليس من أهدى مثل هذا الفرس عندك ذا همة وقدر؟ قال: بلى، قال قلت: فأبعد همة وأرفع قدرا من حمله عليه. قال: ومن حمله عليه؟ قال قلت: أنا حملته عليه. قال فقال: يا عافية ما يقول علي؟ قال فقال: صدق يا أمير المؤمنين هو حملني عليه، قال: فانكسر عني ثم أقبل على الفتح خجلا، وسربت الحال بيني وبين عافية حتى هجاه من كان يطيف به من الشعراء، فقال فيه أبو عبد الله أحمد بن أبي فنن، وكنت أدخلته على المتوكل وجالسه وشكر لي ذلك إذ كفره عافية:
ستعلم أن لؤم بني تميم | سيظهر منه للناس الخفي |
وما إن ذاك أنك من تميم | ولكن ربما جر الدعي |
وقال فيه أبو هفان:
لو كنت عافية لكنت محببا | في العالمين كما تحب العافيه |
وقال فيه أبو الحسن البلاذري:
من رآه فقد رأى | عربيا مدلسا |
ليس يدري جليسه | أفسا أم تنفسا |
وقال فيه أبو العنبس الصيمري:
أبا حسن بمنصبك الصميم | أتأذن في السلاح على التميمي |
فو الرحمن لولا ألف سوط | لفارق روحه روح النسيم |
وهجاه أبو الحسن علي بن يحيى المنجم فقال:
أأهجو تميما أن تعرض ملصق | إليها دعي قد نفته قرومها |
فآخذها طرا بذنب دعيها | فأين نهى قومي وأين حلومها |
وما في دعي القوم ثأر لثائر | ولم يقترف ذنبا فيهجى صميمها |
أعافي إن اللؤم منك سجية | وشر خلال الأدعياء قديمها |
قال أبو الحسن: وترقى به الأمر في منابذتي إلى أن ادعى في يوم من الأيام بحضرة المتوكل أنه أحسن مروءة مني، فقال الفتح: فمحنة هذا سهلة، يوجه أمير
المؤمنين إلى منزلهما من يحضر مما يجده من الطعام حاضرا، فدعا المتوكل بقائد من قواده وقال: امض إلى منزل علي بن يحيى فانظر ما تجد فيه من الطعام حاضرا فأحضره، وامنعهم من أن يشتروا شيئا أو يعملوه، وافعل مثل ذلك بمنزل عافية، فصار إلى منزل علي بن يحيى فوجد فيه طعاما عتيدا، فحمل جونة حسنة، وصار إلى منزل عافية فلم يجد فيه غير سفرة خلقة معلقة في مجلسه، فأمر فأنزلت فوجد فيها كسرا من خبز خشكار وملحا من ملح السوق وقطعة جبن يابس وقطعة من سمك مالح وقصعة مكسورة فيها ذلك المالح وخرقة وسخة منقطعة، فحمل السفرة بحالها وصار إلى المتوكل فعرض عليه الجونة فاستحسنها وقال للفتح: أما ترى ما أنظف هذا الطعام وأحسنه؟! وأحضر السفرة فقال: ما هذا؟ قال: هذا هو الذي وجدته في منزل عافية، قال: افتحوها ففتحت، فاستقذر ما رأى فيها وعجب منه وقال: يا فتح أظننت أن رجلا يجالسني وقد وصلته بعدة صلات فيكون هذا مقدار مروءته؟ فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما له عذر، فدعا بخادم من خدمه وقال: امض إلى عبيد الله بن يحيى فقل له: أخرج إلي ما وصل إلى عافية من مالي من رزق وصلة منذ خدمني إلى هذا الوقت، فمضى الخادم فلم يكن بأسرع من أن وافى برقعة من عبيد الله وفيها مبلغ ما صار إلى عافية فإذا هو ثلاثمائة ألف درهم، فقال المتوكل: يا فتح أما كان يجب أن يتبين أثر النعمة على من وصل إليه هذا المال؟ ما في هذا خير ولا يصلح مثله لمجالستي، فأخرجه من المجالسة وأمر بنفيه إلى البصرة، وهي بلده، فلما حضر خروجه طالبته صاحبة المنزل بأجرته فدفع إليها ببقية ما لها عليه حبا كان في الدار خلقا، واتصل الخبر بابن المنجم قال: فصرت إلى المتوكل فعرفته ذلك فعجب منه، وأمر باحضار المرأة ومساءلتها عن الخبر فأخبرت به، فأمر لها بصلة، وتقدم إلى عبيد الله في أخذ الحب وإنفاذه مع رسول قاصد خلف عافية يلحقه بالبصرة، وأمره أن يكتب إلى صاحب المعونة وصاحب الصدقة والخراج والقاضي وصاحب البريد بحضور الجامع والتقدم إلى وجوه أهل البصرة في الحضور وإحضار عافية وتسليم الحب إليه بحضرتهم وإشهادهم عليه وتعريفهم ما كان من خبره مع المرأة صاحبة داره، ففعل
ذلك وصار به عافية شهرة في بلده.
وحدث هارون عن عمه عن أبيه علي بن يحيى قال كنت أنادم المتوكل في ليلة من الليالي فغلب علي النبيذ، فأطرقت كالمهموم وأنا منتصب، قال: فدعا المتوكل بنصر بن سلهب وقال: امض الى منزل علي بن يحيى فانظر ما تجد فيه من الطعام فاحمله إلي وأعجلهم غاية الاعجال ولا تدعهم يهيئون شيئا، قال: فمضى نصر فامتثل أمره وحمل جونة مملوءة من ضروب الطعام وجاء بها إلى المتوكل، ففتحت بين يديه ففاحت برائحة شوقته إلى الطعام واستحسن ما رأى فيها فأكل منها والفتح معه ثم قال له: أما ترى ما أحسن هذا الطعام وأطيبه وأنظفه، ولو كان علي أعد هذا لمثل ما كان منا ما زاد على حسن هذه الجونة وطيب ما فيها، قال فقال له الفتح: هذا يا أمير المؤمنين يدل على مروءته وإنه ليجب أن يعان عليها، قال: فصاح بي يا علي، فقمت قائما وقلت: لبيك يا أمير المؤمنين، قال: تعال، فقربت منه فقال: انظر إلى هذه الجونة وما فيها، قال: فنظرت إليها فقال: كيف تراه؟ قلت أرى طعاما حسنا، قال: فتدري من أين هو؟ فقال قلت: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: فإنها من منزلك وإني فعلت كذا وكذا وقص علي القصة وقال: قد والله سرني ما رأيت من مروءتك وسروك، وكذا فليكن من خدم الملوك، ثم قال لي: ما تحب أن أهب لك؟ قال قلت: مائة ألف دينار، قال: أنت والله تستحقها وما هو أكثر منها، وما يمنعني من دفعها إليك إلا كراهة الشنعة وأن يقال وصل جليسا من جلسائه في ليلة بمائة ألف دينار، ولكني أوصلها إليك متفرقة وأضمن فتحا إذكاري بذلك حتى تستوفيها، وقد وصلتك بمائة ألف درهم على غير صرف فانصرف بها معك، قال: وأمر باحضارها فأحضرت عشر بدر وحملت معي إلى منزلي، ثم لم يزل يتابع لي الصلات حتى وفاني مائة ألف دينار. قال علي بن يحيى: وأحصيت ما وصل إلي من أمير المؤمنين المتوكل من رزق وصلة فكان مبلغه ثلاثمائة ألف دينار.
قال: ولما مات علي بن يحيى قال ابن بسام يرثيه:
قد زرت قبرك يا علي مسلما | ولك الزيارة من أقل الواجب |
ولو استطعت حملت عنك ترابه | فلطالما عني حملت نوائبي |
وفي «كتاب النورين» للحصري: وقال علي بن المنجم (فلا أدري أهو هذا أم علي بن هارون بن علي بن يحيى بن المنجم):
ومن طاعتي إياه أمطر ناظري | إذا هو أبدى من ثناياه لي برقا |
كأن جفوني تبصر الوصل هاربا | فمن أجل ذا تجري لتدركه سبقا |
ولعلي هذا ابن يكنى أبا عيسى واسمه أحمد كان أديبا وهو مذكور في بابه. وقال علي بن يحيى يرثي المأمون ويمدح المعتصم:
من ذا على الدهر يعديني فقد كثرت | عندي جنايته يا معشر الناس |
أنحى على الملك المأمون كلكله | فصار رهنا لأحجار وأرماس |
قد كاد ينهد ركن الدين حين ثوى | ويترك الناس كالفوضى بلا راس |
حتى تداركهم بالله معتصم | خير الخلائف من أولاد عباس |
ودخل أبو علي البصير على علي بن يحيى وقد أصيب ببعض أهله، وكان قد بعث إليه ببر قبل ذلك، فقال له: بلغني مصابك ووصل إلي ثوابك فأحسن الله جزاءك وعزاءك.
قال المرزباني وهو القائل في نفسه:
علي بن يحيى جامع لمحاسن | من العلم مشغوف بكسب المحامد |
فلو قيل هاتوا فيكم اليوم مثله | لعز عليكم أن تجيئوا بواحد |
وله»
:
سيعلم دهري إذ تنكر أنني | صبور على نكرائه غير جازع |
وأني أسوس النفس في حال عسرها | سياسة راض بالمعيشة قانع |
كما كنت في حال اليسار أسوسها | سياسة عف في الغنى متواضع |
وأمنعها الورد الذي لا يليق بي | وإن كنت ظمآنا بعيد الشرائع |
وله:
بأبي والله من طرقا | كابتسام الصبح إذ خفقا |
زادني شوقا برؤيته | وحشا قلبي به حرقا |
من لقلب هائم كلف | كلما سكنته قلقا |
زارني طيف الحبيب فما | زاد أن أغرى بي الأرقا |
ولما مات علي بن يحيى قال علي بن سليمان أحد شعراء العسكر يرثيه:
قد زرت قبرك يا علي مسلما | ولك الزيارة من أقل الواجب |
ولو استطعت حملت عنك ترابه | فلطالما عني حملت نوائبي |
ودمي فلو أني علمت بأنه | يروي ثراك سقاه صوب الصائب |
لسفكته أسفا عليك وحسرة | وجعلت ذاك مكان دمع ساكب |
فلئن ذهبت بملء قبرك سؤددا | لجميل ما أبقيت ليس بذاهب |
وحدث أبو علي التنوخي في «نشواره»: حدثني أبو الحسن بن أبي بكر الأزرق قال حدثني أبي قال: كان بكركر من نواحي القفض ضيعة نفيسة لعلي بن يحيى بن المنجم وقصر جليل فيه خزانة كتب عظيمة يسميها خزانة الحكمة يقصدها الناس من كل بلد فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم، والكتب مبذولة في ذلك لهم، والصيانة مشتملة عليهم، والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى، فقدم أبو معشر المنجم من خراسان يريد الحج وهو إذ ذاك لا يحسن كبير شيء من النجوم، فوصفت له الخزانة فمضى ورآها فهاله أمرها، فأقام بها وأضرب عن الحج وتعلم فيها علم النجوم وأغرق فيه حتى الحد، وكان ذلك آخر عهده بالحج وبالدين والاسلام أيضا.
وذكر جحظة في «أماليه»: حدثنا ابن حميد قال، قال المتوكل لعلي بن يحيى
المنجم: اهج مروان بن أبي الجنوب، فقال يا أمير المؤمنين: ومن مروان حتى أهجوه؟! قال: مروان مولى بني أمية ومولى القوم منهم، وبعد فإنهم بنو عمي وأتت العداوة بيننا، فأنت من أنت؟ قال: أنا مولاك يا أمير المؤمنين، قال: دعنا من هذا البرد، اهج الرجل وإلا أمرته أن يهجوك، فوقف ساعة متفكرا فاندفع مروان يقول:
ألا إن يحيى لا يقاس الى أبي | وعرض علي لا يقاس إلى عرضي |
أناس من الأنباط أكثر فخرهم | إذا فخر الأشراف بعض على بعض |
تنحل أصلا في المجوس ودعوة | إليهم نفاها من بحكمهم يقضي |
أبى ذاك آذرباذ فيكم فأنتم | من السفل الأرذال والنبط المحض |
حديثكم غث وقربكم أذى | وآدابكم ممزوجة المقت بالبغض |
تسوقتم عند الامام بحبه | وسوقكم عند الروافض بالرفض |
متى ما تعاطى المجد والفخر أهله | فلستم من الإبرام فيه ولا النقض |
إخال عليا من تكامل مقته | يطا حر وجهي وهو يمشي على الأرض |
قال أحمد بن أبي طاهر: كنت يوما عند أبي الحسن علي بن يحيى المنجم في أيام المعتمد فدخل عليه ابنه هارون فقال له: يا أبت رأيت في النوم أمير المؤمنين المعتمد وهو في داره على سريره، إذ بصر بي فقال: أقبل علي يا هارون، يزعم أبوك أنك تقول الشعر، فأنشدني طريد هذا البيت:
أسالت على الخدين دمعا لو انه | من الدر عقد كان ذخرا من الذخر |
فلم أرد عليه شيئا وانتبهت؛ قال: فزحف إليه علي بن يحيى غضبا وقال ويحك فلم لم تقل:
فلما دنا وقت الفراق وفي الحشا | لفرقتها لذع أحر من الجمر |
أسالت على الخدين دمعا لو انه | من الدر عقد كان ذخرا من الذخر |
قال ابن أبي طاهر: فانصرفنا متعجبين من حفظ هارون لما هجس في خاطره في النوم، ولمبادرة علي بن يحيى وسرعته في القول:
قال جحظة في «أماليه»: حدثت عن يزيد بن محمد المهلبي قال: كنت أرى
علي بن يحيى بن علي المنجم فأرى صورته وصغر خلقته ودقة وجهه وصغر عينيه وأسمع بمحله من الواثق والمتوكل فأعجب من ذلك وأقول، بأي سبب يستظرفه الخليفة؟ وبماذا حظي عنده، والقرد أملح منه قباحة؟! فلما جالست المتوكل رأيت علي بن يحيى قد دخل على المتوكل في غداة من الغدوات التي قد سهر في ليلتها بالشرب وهو مخمور يفور حرارة مستثقل لكل أمر يخف دون ما يثقل، فوقف بين يديه وقال: يا مولاي أما ترى إقبال هذا اليوم وحسنه وإطباق الغيم على شمسه وخضرة هذا البستان ورونقه، وهو يوم تعظمه الفرس وتشرب فيه لأنه هرمز روز، وتعظمه غلمانك وأكرتك مثلي من الدهاقين، ووافق ذلك يا سيدي أن القمر مع الزهرة، فهو يوم شرب وسرور وتخل بالفرح، فهش اليه وقال: ويلك يا علي ما أقدر أن أفتح عيني خمارا، فقال: إن دعا سيدي بالسواك فاستعمله وغسل بماء الورد وجهه وشرب شربة من رب الحصرم أو من مبنة مطيبة مبردا ذلك بالثلج انحل كل ما يجد، فأمر باحضار كل ما أشار به، فقال علي: يا سيدي وإلى أن تفعل ذاك تحضر عجلانيتان بين يديك مما يلائم الخمار ويفتق الشهوة ويعين على تخفيفه فقال: أحضروا عليا كل ما يريد، فأحضرت العجلانيتان بين يديه وفراريج كسكر قد صففت على أطباق الخلاف وطبخ حماضية وحصرمية ومطجنة لها مريقة، فلما فاحت روائح القدور هش لها المتوكل، فقال له: يا علي أذقني فجعل يذيقه من كل قدر بحرف يشربه فيها، فهش إلى الطعام وأمر باحضاره، فالتفت علي الى صاحب الشراب فقال لهم: ينبغي أن يختار لأمير المؤمنين شراب ريحاني ويزاد في مزاجه إلى أن يدخل في الشرب فيهنئه الله إياه إن شاء الله. قال فلما أكل المتوكل وأكلنا نهضنا فغسلنا أيدينا وعدنا إلى مجالسنا وغنى المغنون فجعل علي يقول: هذا الصوت لفلان والشعر لفلان، وجعل يغني معهم وبعدهم غناء حسنا إلى أن قرب الزوال، فقال المتوكل: أين نحن من وقت الصلاة؟
فأخرج علي اصطرلابا من فضة في خفه فقاس الشمس وأخبر عن الارتفاع وعن الطالع وعن الوقت، فلم يزل يعظم في عيني حتى صار كالجبل، وصار مقابح وجهه محاسن، فقلت: لأمر ما قدمت، فيك ألفا خصلة: طيب مضحك، وأدب
جليس، وحذق طباخ، وتصرف مغن، وفكر منجم، وفطنة شاعر، ما تركت شيئا مما يحتاج إليه الملوك إلا ملكته.
قال جحظة: وحدثني رذاذ غلام المتوكل قال: شهدت علي بن يحيى المنجم وقد أمره المتوكل أن يغنيه، وكنت جالسا الى جانبه، فقال لي: قد وقعت وإن تمنعت جد بي حتى أغني ثم لا يكون له موقع، والمبادرة إلى أمره وسرعة الطاعة له أصوب، اضرب علي، فضربت عليه وغنى:
زار من سلمى خيال موهنا | حبذا ذاك الخيال الطارق |
جاد في النوم بما ضنت به | ربما يغنى بذاك العاشق |
فقال: زه أجدت والله يا علي، فقال له علي: قد فرحتك يا سيدي ففرحني، فدعاه وحياه بمشمة عنبر كانت بين يديه في صينية ذهب عليها مكبة منها وأمر له بألف دينار وتخوت ثياب، فقال لي: يا أبا شريك أناصفك؟ فقلت: لا والله لا قبلت من ذلك لا الكل ولا النصف فبارك الله لك فيه.
قال جحظة وحدثني علي بن يحيى المنجم قال: قلت مرة وقد أخذ مني النبيذ بين يدي الواثق لمن كان يسقيني: ويلك أجهزت والله علي، سقيتني الكأس حية فالا قتلتها؟ فسمع الواثق فقال لم يعد بك قول حسان:
إن التي ناولتني فرددتها | قتلت قتلت فهاتها لم تقتل |
ألا تراه أنكر عليه مزجها؟ قلت: حسان أعرابي لا يحسن يشرب الخمر، وكان أيضا يشربها تغنما لبعد عهده بها، ولكن أردت من ساقي أن يأخذ بقول أفتى الخلق وأملحهم أدبا وأعلمهم بأدب الشرب، قال: ومن هو؟ قلت: أبو نواس، قال: حين يقول ماذا؟ قلت: حين يقول:
لا تجعل الماء لها قاهرا | ولا تسلطها على مائها |
فقيل لي لما حضرت من الغد، إن الواثق قال: لله دره ما أسرع جوابه وأحسن انتزاعه، لكنه أخرج عربدته كلها على حسان بن ثابت، فلما حضرت بين يديه قال
لي: هيه يا علي سكرت أمس، فقلت: يا سيدي من شرب سكر، ومن كان أمره إلى نفسه في نبيذه رفق، ومن كان أمره الى غيره خرق. قال: فعربدت على حسان وثلبته وما يستحق ذلك وإنه لطب بشرب الكأس مداح لشاربيها، أليس هو الذي يصف ربيعة بن مكدم فبلغ من ذلك أحسن ما يكون الفتى عليه بقوله:
نفرت قلوصي من حجارة حرة | بنيت على طلق اليدين وهوب |
لا تنفري يا ناق منه فانه | شريب خمر مسعر بحروب |
وهو أيضا من المعدودين في وصاف الخمر وشربها، أليس هو القائل:
إذا ما الأشربات ذكرن يوما | فهن لطيب الراح الفداء |
نوليها الملامة إن ألمنا | إذا ما كان مغث أو لحاء |
ونشربها فتتركنا ملوكا | وأسدا ما ينهنهنا اللقاء |
ويلك أليس هو الذي يقول:
لا أخدش الخدش النديم ولا | يخشى جليسي إذا انتشيت يدي |
ومن يحسن ويلك يقول مثل قوله:
وممسك بصداع الرأس من سكر | ناديته وهو مغلوب ففداني |
لما صحا وتراخى العيش قلت له | ان الحياة وإن الموت سيان |
فاشرب من الخمر ما واتاك مشربه | واعلم بأن كل عيش صالح فان |
فقلت له: لو حضرك والله يا سيدي لأقر أنك أحفظ لعيون شعره منه، فالويل لجليسك بماذا يتنفق عندك وروايتك هذه الرواية، فقال: ويحك يا علي بل الويل لجليسي إذا جالس من لا يعرف قدر ما يحسن.
قال أحمد بن أبي طاهر: اجتمعنا عند أبي الحسن علي بن يحيى أنا وأبو هفان عبد الله بن أحمد العبدي وأبو يوسف يعقوب بن يزيد التمار على نبيذ فقال أبو هفان:
وقائل إذ رأى عزفي عن الطلب | أتهت أم نلت ما ترجو من النشب |
قلت ابن يحيى علي قد تكفل لي | وصان عرضي كصون الدين للحسب |
فقال التمار:
يذكي لزواره نارا منورة | على يفاع ولا يذكي على صبب |
من فارس الخير في أبيات مملكة | وفي الذوائب من جرثومة الحسب |
قال أحمد بن أبي طاهر فقلت:
له خلائق لم تطبع على طبع | ونائل وصلت أسبابه سببي |
كالغيث يعطيك بعد الري وابله | وليس يعطيك ما يعطيك عن طلب |
قال فوصلهم وخلع عليهم وحملهم.
قال عبيد الله حدثني أبو أحمد يحيى بن علي بن يحيى قال: اتصل أبي بأمير المؤمنين المتوكل على الله فغلب عليه وعلى الفتح بن خاقان بخدمته وأدبه وافتنانه وتصرفه في كل ما تشتهيه الملوك، وكان الفتح بن خاقان هو الذي وصفه للمتوكل، وكان بعد موت محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مصعب لأن أبي كان متصلا به وشديد الاختصاص بخدمته، حتى لقد مات محمد بن إسحاق ويده في يده، فلما مات دخل على الفتح بن خاقان فأنشده يمدحه قصيدة أولها:
سأختار من حر الكلام قصيدة | لفتح بن خاقان تفوق القصائدا |
يلذ بأفواه الرواة نشيدها | ويشنا بها من كان للفتح حاسدا |
لعمرك إن الفتح مذ كان يافعا | ليسمو إلى أعلا ذرى المجد صاعدا |
قريع الموالي ساد في خمس عشرة | موالي بني العباس لم يبق واحدا |
وبذهم طرا ندى وشجاعة | فألقوا إليه مذعنين المقالدا |
قال: فلم أر الفتح اهتز لشيء من الشعر اهتزازه لهذه القصيدة، ولا سر بأحد قدم عليه سروره بعلي بن يحيى، ثم قام الفتح من فوره فدخل على المتوكل فعرفه مكانه، فأذن له واستجلسه وأمر أن يخلع عليه، فخلع عليه خلع المجالسة، فكان آنس خلق الله به وأغلبهم عليه وعلى الفتح، وتقدم الجلساء جميعا عنده، ووثق به حتى عزم على إدخاله معه إلى الحرم اذا جلس معهن، وذاك أنه شكا إلى الفتح أنه إذا
قعد مع الحرم لم يكن له من يستريح إليه ويأنس به وقال: قد عزمت أن أدخل علي بن يحيى فأستريح إليه، فقال له الفتح: ما يصلح لذلك غيره، فبلغ ذلك علي بن يحيى فقال للفتح: أنا قدرت أن أتخلص من هذا بك فوكدت علي الأمر فيه؟ ليس أفعل.
فقال له الفتح: إن هذا الذي ندبك إليه أمير المؤمنين منزلة ليس فوقها منزلة في الخصوص، فقال: قد علمت ذلك، وشكرت تفضل أمير المؤمنين علي فيه، ولكن في الأمر شيء يسمعه أمير المؤمنين وتسمعه، ثم يتفضل بالاعفاء منه، قال: وما هو؟
قال: قد علمت أن أمير المؤمنين أشد الناس غيرة وأن النبيذ ربما أسرع إلي، ولست آمن بعض هذه الأحوال وأن ينسى عند غلبة النبيذ ما كان منه فيقول: ما يصنع هذا معي عند حرمي؟ فيعجل علي بشيء لا يستدرك، وليس بيني وبين هذا عمل؛ قال فقال المتوكل: تخلصت يا علي مني بألطف حيلة وأعفاه.
قال يحيى وحدثني أبي قال: قال أمير المؤمنين المتوكل يوما من الأيام: يا علي لك عندي ذنب- قال هذا ونحن بدمشق- قال: فأكبرت ذلك وقمت قائما بين يديه وقلت: أعوذ بالله من سخط أمير المؤمنين، ما الذنب يا أمير المؤمنين فلعله كذب كاشح أو بغي حاسد؟ فقال: لا، أخبرني من أثق به، قال فقلت: يتفضل علي أمير المؤمنين بتعريفي الذنب، فإن كان لي عذر اعتذرت وإلا اعترفت وعذت بعفو أمير المؤمنين، فقال: أتحتاج إلى شيء وتسأل غيري؟ فقلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟
قال: أخبرني بختيشوع أنك وجهت إليه واستقرضت منه عشرين ألف درهم فلم فعلت ذلك وما منعك أن تسألني فأصلك؟ أتأنف من مسألتي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين لا والله ما منعني ذلك، وإن صلات أمير المؤمنين متتابعة عندي من غير مسألة، ولكن بختيشوع ممن آنس به، فاستعرت منه هذه الدراهم على ثقة مني بأن تفضل أمير المؤمنين غير متأخر عني فأردها من ماله. قال فقال لي: قد عفوت لك عن هذا هذه المرة فلا تعد إلى مثلها، وإن احتجت فلا تسأل غيري أو تبذل وجهك إليه.
ثم خدم علي بن يحيى المنتصر بن المتوكل فغلب عليه أيضا، وقدمه المنتصر على جماعة جلسائه وقلده أعمال الحضرة كلها: العمارات والمستغلات والمرمات والحظائر وكل ما على شاطئ دجلة الى البطيحة من القرى، ثم خدم المستعين بالله فقدمه وأحبه وأحله محله من الخلفاء ممن كان قبله، وأقره المستعين على ما تقلده من
أعمال الحضرة، ثم حدثت الفتنة وانحدر مع المستعين الى مدينة السلام فلم يزل معه إلى أن خلع المستعين، فأقام علي بن يحيى يغدو ويروح إليه بعد الخلع إلى أن أحله من البيعة التي كانت في عنقه، ولم يكن المستعين قبل الخلع بسنة يأكل إلا ما يحمل إليه من منزل علي بن يحيى في الجون إلى دار أبي العباس محمد بن عبد الله بن طاهر فيفطر عليه وكان يصوم في تلك الأيام.
قال يحيى بن علي، قال لي أبي: صرت إلى المستعين لما صير به إلى قصر الرصافة فوجدت عنده قرب داية المعتز وعيسى بن فرخانشاه وهم يسألونه عن جوهر الخلافة، فقالت لي قرب: يا أبا الحسن بس ما كان لنا منك نصيب يا هذا كاتبنا الناس كلهم غيرك، قال قلت: أما إن ذاك ليس لتقصير فيما يجب علي من حق أمير المؤمنين المتوكل رحمه الله ومن حق ولديه، ولكن كان في عنقي طوق يحظر علي ذلك، قال فقالت: بارك الله فيك. قال: ثم خلص الأمر للمعتز فكان أول من طلبه للمنادمة علي بن يحيى فشخص إلى سر من رأى فتلقاه أمير المؤمنين المعتز حين قدم عليه أجمل لقاء وخلع عليه ووصله وقلده الأسواق والعمارات وما كان يتقلده قبل خلافته، وخص به وغلب عليه حتى تقدم عنده على الناس كلهم. قال: فأخبرني أبي أنه حسب ما وصل إليه من المعتز من صلته ورزقه منذ خدمه إلى أن تصرمت أيامه فكان مبلغه ثلاثة وثلاثين ألف دينار وقلده المعتز القصر الكامل فبناه، ووصله عند فراغه منه بخمسة آلاف دينار وأقطعه ضيعة، وفي المعتز يقول علي بن يحيى:
بدا لابسا برد النبي محمد | بأحسن مما أقبل البدر طالعا |
سمي النبي وابن وارثه الذي | به استشفعوا أكرم بذلك شافعا |
فلما علا الأعواد قام بخطبة | تزيد هدى من كان للحق تابعا |
وكل عزيز خشية منه خاشع | وانت تراه خشية الله خاشعا |
فأما المهتدي فإنه حقد عليه أشياء كانت تجري بينه وبينه في مجالس الخلفاء، فانحرف عنه المهتدي لميله إلى المتوكل، فكان المهتدي يقول: لست أدري كيف يسلم مني علي بن يحيى، إني لأهم به فكأني أصرف عنه، ووهب الله له السلامة من المهتدي إلى أن مضى لسبيله، وكانت أيامه قصيرة.
ثم أفضى الأمر إلى المعتمد على الله فحل منه محله ممن كان قبله من الخلفاء، وقدمه على الناس جميعا ووصله، وقلده ما كان يتقلده من أعمال الحضرة، وقلده بناء المعشوق فبنى له أكثره، وكان الموفق من محبته وتقديمه وجميل الذكر له في مجلسه إذا ذكر على أفضل ما يكون ولي نعمة، وكان يذكره كثيرا في مجالسه ويصف أيامه مع أمير المؤمنين المتوكل وأحاديثه، ويحكيها لجلسائه ويعجبهم من ذكائه ومعرفته وفضله. وتوفي في آخر أيام المعتمد سنة خمس وسبعين ومائتين ودفن بسامرا. وشعره كثير مشهور، رأيت العلماء القدماء يكثرون العجب به وليس عندي كذلك، فلذلك أقللت من الاتيان به إلا ما كان في ضمن خبر. وله من الولد الذكور أحمد بن علي وكنيته أبو عيسى، وأبو القاسم عبد الله، وأبو أحمد يحيى، وأبو عبد الله هارون.