أبو القاسم التنوخي الحنفي علي بن محمد بن داود أبي الفهم بن إبراهيم أبو القاسم التنوخي القاضي. قدم بغداد وتفقه على مذهب أبي حنيفة، وكان حافظا للشعر ذكيا، وله عروض بديع. ولي القضاء بعدة بلدان، وتوفي سنة اثنتين وأربعين وثلاث مائة. وهو جد القاضي التنوهي علي بن المحسن، وقد تقدم ذكره. وهو والد أبي علي المحسن التنوخي صاحب نشوار المحاضرة وغيره، وسيأتي ذكره. وكان أبو القاسم هذا بصيرا بعلم النجوم. قرأ على الكسائي المنجم، ويقال إنه كان يقوم بعشرة علوم. وكان يحفظ للطائيين سبع مائة قصيدة ومقطوعة سوى ما يحفظ لغيرهم من المحدثين وغيرهم.
وكان يحفظ من النحو واللغة شيئا كثيرا، وكان في الفقه والفرائض والشروط غاية. واشتهر بالكلام والمنطق والهندسة، وكان في الهيئة قدوة، وكان له غلام يؤثره على غيره من غلمانه يسمى نسيما، فكتب إلى القاضي بعض أصحابه:
هل علي لامه مدغمة | لاضطرار الوزن في ميم نسيم؟ |
وليلة مشتاق كأن نجومها | قد اغتصبت عيني الكرى فهي نوم |
كأن عيون الساهرين لطولها | إذا شخصت للأنجم الزهر أنجم |
كأن سواد الليل والفجر ضاحك | يلوح ويخفى أسود يتبسم |
عهدي بها وضياء الصبح يطفئها | كالسرج تطفأ أو كالأعين العور |
أعجب به حين وافى وهي نيرة | فظل يطمس منها النور بالنور |
لم أنس دجلة والدجى متصوب | والبدر في أفق السماء مغرب |
فكأنه فيها بساط أزرق | وكأنه فيها طراز مذهب |
فحم كيوم الفراق نشعله | نار كنار الفراق في الكبد |
أسود قد صار تحت حمرتها | مثل العيون اكتحلن بالرمد |
من أين أستر وجدي وهو منهتك | ما للمتيم في فتك الهوى درك؟ |
قالوا: عشقت عظيم الجسم قلت لهم: | الشمس أعظم جرم حازه الفلك |
لم أنس شمس الضحى تطالعني | ونحن من رقبة على فرق |
وجفن عيني بدمعه شرق | لما بدت في معصفر شرق |
كأنما أدمعي ووجنتها | لما رمتنا الوشاة بالحدق |
ثم تغطت بكمها خجلا | كالشمس غابت في حمرة الشفق |
فديت عينيك وإن كانتا | لم تبقيا من جسدي شيئا |
إلا خيالا لو تأملته | في الشمس لم تبصر له فيئا |
باتت تئن وما بها وجدي | وحننت من وجد إلى نجد |
فدموعها تحيا الرياض بها | ودموع عيني قرحت خدي |
تخير إذا ما كنت في الأمر مرسلا | فمبلغ آراء الرجال رسولها |
ورد وفكر في الكتاب فإنما | بأطراف أقلام الرجال عقولها |
وبدت نجوم الليل من خلل الدجى | تدنو كما يتفتح النوار |
أقبلن والمريخ في أوساطها | مثل الدراهم وسطها دينار |
والجو تجلوه النجوم على الدجا | في قمص وشي ما لها أزرار |
وكأنما الجوزا وشاح خريدة | والنجم تاج والوشاح خمار |
إذا نامت العينان من متيقظ | تراخت بلا شك تساريج فقحته |
فمن كان ذا عقل فيعذر نائما | ومن كان ذا جهل ففي جوف لحيته |
أبى الله إلا ما ترون، فما لكم | غضابى على الأقدار يا آل طالب |
من ابن رسول الله وابن وصيه | إلى مدغل في عقدة الدين ناصب |
نشا بين طنبور وزق ومزهر | وفي حجر شاد أو على ظهر ضارب |
ومن ظهر سكران إلى بطن قينة | على شبه في ملكها وشوائب |
وقلت: بنو حرب كسوكم عمائما | من الضرب في الهامات حمر الذوائب |
صدقت، منايانا السيوف وإنما | تموتون فوق الفرش موت الكواعب |
ونحن الأولى لا يسرح الذم بيننا | ولا تدري أعراضنا بالمعايب |
إذا ما انتدوا كانوا شموس نديهم | وإن ركبوا كانوا بدور الركائب |
وإن عبسوا يوم الوغى ضحك الردى | وإن ضحكوا بكوا عيون النوائب |
وما للغواني والوغى؟ إن شغلها | بقرع المثاني عن قراع الكتائب |
ويوم حنين قلت حزنا فخاره | ولو كان يدري عدها في المثالب |
أبوه مناد والوصي مضارب | فقل في مناد صيت ومضارب |
وجئتم مع الأولاد تبغون إرثه | فأبعد محجوب بحاجب حاجب |
وقلتم: نهضنا ثائرين شعارنا | بثارات زيد الخير عند التجارب |
فهلا بإبراهيم كان شعاركم | فترجع دعواكم تحلة خائب |
بنفسي من لم يبد قط لعاذل | فيرجع إلا وهو لي فيه عاذر |
ولا لحظت عيناه ناه عن الهوى | فأصبح إلا وهو بالحب آمر |
يؤثر فيه ناظر الفكر بالمنى | وتجرحه باللمس منها الضمائر |
وراح من الشمس مخلوقة | بدت لك في قدح من نهار |
هواء ولكنه ساكن | وماء ولكنه غير جاري |
إذا ما تأملته وهو فيه | تأملت ماء محيطا بنار |
فهذي النهاية في الابيضاض | وهذا النهاية في الاحمرار |
وما كان في الحكم أن يوجدا | لفرط التنافي وفرط النفار |
ولكن تجاوز سطحاهما | البسيطان فاتفقا في الحوار |
كأن المدير لها باليمين | إذا قام للسقي أو باليسار |
تدرع ثوبا من الياسمين | له فرد كم من الجلنار |
مجالس ترقص القضاة بها | إذا انتشوا في مخانق البرم |
وصاحب يخلط المجون لنا | بشيمة حلوة من الشيم |
يخضب بالراح شيبه عبثا | أنامل مثل حمرة العنم |
حتى تخال العيون شيبته | شيبة تيس قد خضبت بدم |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 21- ص: 0