التصنيفات

علي بن إسماعيل الشيخ أبو الحسن الأشعري علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق بن سالم بن إسماعيل بن عبد الله بن موسى بن بلال بن أبي بردة بن أبي موسى بن عبد الله بن قيس الأشعري، البصري، الشيخ أبو الحسن المتكلم رئيس الأشاعرة، وإليه ينسبون، صاحب التصانيف الكلامية في الأصول، والملل والنحل.
ولد سنة ست وستين ومائتين، وقيل: سنة سبعين، وتوفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة.
سمع زكريا الساجي، وابن خليفة الجمحي، وسهل بن نوح، ومحمد بن يعقوب المقرئ، وعبد الرحمن بن خلف الضبي البصري، وروى عنهم في تفسيره كثيرا.
وكان من المعتزلة أولا، ثم تاب من ذلك، وصعد يوم الجمعة بجامع البصرة كرسيا ونادى بأعلى صوته: ’’من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا فلان، كنت أقول بخلق القرآن، وأن الله لا يرى بالأبصار، وأن أفعال الشر أنا أفعلها، وأنا تائب معتقد الرد على المعتزلة، مبين لفضائحهم ومعايبهم، وكانت فيه دعابة، ومزح كثير.
قال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤوسهم حتى أظهر الله الأشعري، فحجزهم في أقماع السمسم.
وقال أبو محمد بن حزم: إن الأشعري له من التصانيف خمسة وخمسون تصنيفا، ومن تصانيفه: كتاب ’’اللمع’’، وكتاب ’’الموجز’’، وكتاب ’’إيضاح البرهان’’، وكتاب ’’التبيين عن أصول الدين’’، وكتاب ’’الشرح والتفصيل في الرد على أهل الإفك والتضليل’’، وله تفسير يقال: إنه في سبعين مجلدا.
ومن أراد كشف قدره، فليطالع كتاب ’’بيان كذب المفتري على الشيخ أبي الحسن الأشعري’’ لابن عساكر.
وقال بندار غلامه: كانت غلة أبي الحسن من صنيعة وقفها جدهم بلال بن أبي بردة على عقبه، وكانت نفقته في السنة سبعة عشر درهما، قال الحسين بن علي بن يزداد كان الأشعري يوما جالسا في سطح داره، فبال، فسال بوله في الميزاب، فاجتاز والي البصرة فقطر ذلك البول على ثيابه، فوقف، وقال اهدموا هذه الدار، فسمع أبو الحسن كلامه، فنزل وفتح الباب، وقال: أيها الأمير، أنا من ولد رجل بال على الإسلام بسوء رأيه، فأنا أولى الناس بالغدر، فضحك الوالي ومضى.
وكان في حداثته تلميذا لأبي علي الجبائي، قرأ عليه وتمذهب بمذهبه، فإن أبا علي كان زوج أمه، فاتفق أنه جرى بينهما مناظرة في وجوب الأصلح أو الصلاح على الله تعالى، فقال له الشيخ أبو الحسن: أتوجب على الله رعاية الصلاح أو الأصلح في حق عباده؟ فقال: نعم، فقال: ما تقول في ثلاثة صبية إخوة، اخترم الله أحدهم قبل البلوغ، وبقي اثنان فأسلم أحدهما، وكفر الآخر، ما العلة في اخترام الصغير؟ فقال له: لو أنه سأله، فقال: يا رب لم اخترمتني دون أخوتي؟ فقال أبو علي: إنما اخترمه، لأنه علم أنه لو بلغ، لكفر، فكان الأصلح له اخترامه فقال له الشيخ أبو الحسن: فقد أحيا الله أحدهما، وكفر، فهلا اخترمه عملا بالأصلح له؟ فقال له أبو علي: إنما أحياه ليعرضه لأعلى المراتب، فهو أصلح له، فقال له الشيخ: فهلا أحيا الذي اخترمه، ليعرضه لأعلى المراتب، كما فعل بأخيه إذ قلت: إنه الأصلح له؟! فانقطع أبو علي، ولم يحر جوابا، ثم قال للشيخ أبي الحسين: أوسوست؟ فقال الشيخ أبو الحسن: ما وسوست، ولكن وقف حمار الشيخ على القنطرة، ثم فارقه وخالفه، وخالف سائر فرق المعتزلة.
وسأله الشيخ أبو الحسن، فقال له: ما حقيقة الطاعة؟ قال: هي موافقة الإدارة، فقال له: هذا يوجب أن يكون الله تعالى مطيعا لعبده إذا أعطاه الإرادة فقال: نعم يكون مطيعا فخالف الإجماع بإطلاق هذه اللفظة على الله تعالى، ولو جاز أن يطلق عليه كونه مطيعا لعبده، لجاز أن يطلق عليه كونه خاضعا وخاشعا له، وهذا كفر.
والذي يعتقده الشيخ أبو الحسن الأشعري هو أن البارئ تعالى: عالم بعلم، قادر بقدرة، حي بحياة، مريد بإرادة، متكلم بكلام، سميع بسمع، بصير ببصر، وهل هو باق ببقاء؟ فيه خلاف عنه، وأن صفاته أزلية قديمة بذاته تعالى، لا يقال: هي هو، ولا هي غيره، ولا لا هي هو ولا غيره، وعلمه واحد يتعلق بجميع المعلومات، وقدرته واحدة تتعلق بجميع ما يصح وجوده، وإرادته واحدة تتعلق بجميع ما يقبل الاختصاص، وكلامه واحد هو أمر ونهي، وخبر واستخبار، ووعد ووعيد، وهذه الوجوه راجعة إلى اعتبارات في كلامه، لا إلى نفس الكلام، والألفاظ المنزلة على لسان الملائكة إلى الأنبياء دلالات على الكلام الأزلي، فالمدلول وهو القرآن المقروء قديم أزلي، والدلالة - وهي العبارات والقراءة - مخلوقة محدثة.
قال: وفرق بين القراءة والمقروء، والتلاوة والمتلو، كما أنه فرق بين الذكر والمذكور، قال: والكلام معنى قائم بالنفس، والعبارة دالة على ما في النفس، وإنما تسمى العبارة كلاما مجازا.
قال: أراد الله تعالى جميع الكائنات خيرها وشرها، ونفعها وضرها، وما في كلامه إلى جواز تكليف ما لا يطاق، لقوله: إن الاستطاعة مع الفعل، وهو مكلف بالفعل قبله، وهو غير مستطيع قبله على مذهبه.
قال: وجميع أفعال العباد مخلوقة مبدعة من الله تعالى مكتسبة للعبد، والكسب عبارة عن الفعل القائم بمحل قدرة العبد.
قال: والخالق هو الله تعالى حقيقة لا يشاركه في الخلق غيره، فأخص وصفه هو القدرة والاختراع، وهذا تفسير اسمه تعالى.
قال: وكل موجود يصح أن يرى، والباري تعالى موجود، فيصح أن يرى، وقد صح السمع بأن المؤمنين يرونه في الدار الأخرى في الكتاب والسنة، قال الله تعالى: {وجوه يومئذ ناضرة، إلى ربها ناظرة} وقال - عليه السلام: ’’إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة بدره، لا تضامون من رؤيته’’.
وقال: لا يجوز أن يرى في مكان ولا صورة مقابلة، واتصال شعاع، فإن ذلك كله محال.
وماهية الرؤية له فيها رأيان:
أحدهما: أنه علم مخصوص يتعلق بالوجود دون العدم.
والثاني: أنه إدراك وراء العلم.
وأثبت السمع والبصر صفتين أزليتين، هما إدراكان وراء العلم، وأثبت اليدين والوجه صفات خبرية، ورد السمع بها فيجب الاعتراف به.
وخالف المعتزلة في الوعد والوعيد، والسمع والعقل من كل وجه.
وقال: الإيمان هو: التصديق بالقلب. والقول باللسان، والعمل بالأركان فروع الإيمان، ومن صدق بالقلب، أي: أقر بوحدانية الله تعالى، واعترف بالمرسل تصديقا لهم فيما جاؤوا به - فهو مؤمن.
قال: وصاحب الكبيرة إذا خرج من الدنيا من غير توبة حكمه إلى الله عز وجل إما أن يغفر له برحمته، أو يشفع له رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما أن يعذبه بعدله، ثم يدخله الجنة برحمته ولا يخلد في النار مؤمن.
قال: ولا أقول: إنه يجب على الله قبول توبته بحكم العقل، لأنه هو الموجب لا يجب عليه شيء أصلا، بل قد ورد السمع بقبول توبة التائبين، وإجابة دعوة المضطرين.
وهو المالك لخلقه يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فلو أدخل الخلائق بأجمعهم النار، لم يكن جورا، ولو أدخلهم الجنة، لم يكن حيفا، ولا يتصور منه ظلم، ولا ينسب إليه جور، لأنه المالك المطلق.
قال: والواجبات كلها سمعية، فلا يوجب العقل شيئا البتة، ولا يقضي تحسينا ولا تقبيحا، فمعرفة الله تعالى وشكر المنعم وإثابة الطائع، وعقاب العاصي، كل ذلك بحسب السمع دون العقل، قال الله تعالى: {وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا}.
قال: ولا يجب على الله شيء لا صلاح ولا أصلح، ولا ألطف، بل الثواب والصلاح واللطف والنعم كلها تفضل من الله تعالى.
قال: ولا يرجع إليه نفع ولا ضر، ولا ينتفع بشكر شاكر، ولا يتضرر بكفر كافر، بل يتعالى ويتقدس عن ذلك.
قال: وبعث الرسل جائز لا واجب، ولا مستحيل، فإذا بعث الرسول، وأيد بالمعجزة الخارقة للعادة، وتحدى ودعا - وجب الإصغاء إليه، والاستماع منه، وامتثال أوامره، والانتهاء عند نواهيه.
قال: وكرامات الأولياء حق، ووافقه على ذلك من بعده من الأشاعرة، خلا الأستاذ أبا إسحاق الإسفراييني، فإنه وافق المعتزلة في إنكارهم، وهو عجيب منه.
قال الشيخ أبو الحسن: الإيمان بما جاء في القرآن والسنة من الإخبار عن الأمور الغائبة عنا، مثل القلم واللوح، والعرش والكرسي، والجنة والنار - حق وصدقة، وكذلك الإخبار عن الأمور التي ستقع في الآخرة، مثل سؤال القبر، والثواب والعقاب فيه، والحشر والمعاد والميزان والصراط، وانقسام فريق في الجنة وفريق في السعير: كل ذلك حق وصدقة، ويجب الإيمان والاعتراف به.
قال: والإمامة تثبت بالاتفاق والاختيار دون النص والتعيين على واحد معين، إذ لو كان نص، لظهر عادة، ولتوفرت الدواعي على نقله.
قال: والأئمة مترتبون في الفضل ترتبهم في الإمامة، ولا أقول في عائشة وطلحة والزبير - رضي الله عنهم - إلا أنهم رجعوا عن الخطأ، وأقول: إن طلحة والزبير من العشرة المبشرين بالجنة.
وأقول في معاوية وعمرو بن العاص: إنهما بغيا على الإمام الحق علي بن أبي طالب، فقاتلهما مقاتلة أهل البغي.
قال: وأقول: إن أهل النهر هم الشراة المارقون عن الدين، لخبر النبي عليه السلام.
وأقول: إن عليا كان على الحق في جميع أحواله، والحق معه حيث دار.
فهذه جملة مختصرة من اعتقاد الشيخ أبي الحسن الأشعري.
والأشاعرة يسمون الصفائية، لإثباتهم صفات الله تعالى القديمة.
وافترقت الصفاتية في الألفاظ التي وردت في القرآن والسنة، كالاستواء، والنزول والإصبع، واليد، والقدم، والصورة، والجنب، والمجئ على فرقتين.
فرقة: تأولت جميع الألفاظ التي وردت في القرآن على وجوه محتملة اللفظ.
وفرقة: لم يتعرضوا للتأويل، ولا صاروا إلى التشبيه، وهؤلاء هم الأشعرية الأثرية.
فالفرقة الأولى قالوا: هذه الألفاظ لا يمكن إجراؤها على ظاهرها، فإنه كفر، ولا يمكن التوقف فيها؛ فلا بد من تأويلها بما يحتمله اللفظ، وهذا الصحيح من مذهب الأشعري في أحد قوليه، وهو مذهب أصحابه عبد الله بن سعيد الكلابي، وأبي العباس القلانسي، وغيرهما، وهؤلاء هم ضد الحشوية، مثل هضر، وكهمس، وأحمد الهجيمي، وغيرهم، فإن أبا الحسن الأشعري حكى عن محمد بن عيسى بن غوث عنهم، أنهم أجازوا على ربهم المصافحة والملامسة، وأن المخلصين من المسلمين إذا بلغوا في الرياضة: إلى حد الإخلاص يعانقونه في الدنيا والآخرة، وحكى الكعبي عن بعضهم أنه قال: يزورونه ويزورهم تعالى الله عن ذلك!!
والفرقة الثانية قالوا: قد عرفنا بمقتضى العقل أن الله - تعالى - ليس كمثله شيء، فلا يشبهه شيء ولايشبه شيئا، ونحن غير مكلفين بمعرفة هذه الألفاظ التي وردت، وبتأويلها، بل نحن مكلفون باعتقاد أنه ليس كمثله شيء، ونكل علم ذلك إلى الله، وهؤلاء هم السلف الصالح، كالإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وسفيان الثوري، وداود، وغيرهم، وهذا أحد قولي الأشعري.
ومما اتفق لي نظمه تضمينا:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 20- ص: 0

علي بن إسماعيل الأشعري أبو الحسن.
أحد الأئمة المتكلمين صاحب التصانيف الكبيرة، كان أولاً معتزلياً فقال: إنه أقام على ذلك أربعين سنة ثم غاب عن الناس خمسة عشر يوما ثم انخلع من ذلك الاعتقاد على المنبر لرؤيا النبي -صلى اللَّه عليه وسلم- مراراً في ذلك، وكان تلميذاً للجُبَّائى، ولم يكن الجبائى قويا في المناظرة بل صاحب نصنيف وقلم، فكان إذا عرضت مناظرة قال للأشعري: نب عنى. قال الأستاذ: كنت في جنبيه كالقطرة في البحر. وقال أبو بكر الصيرفي: كانت المعتزلة قد رفعوا رؤسهم حتى أظهر اللَّه الأشعري فحجرهم في أقماع السمسم.
وقال القاضي أبو بكر: أفضل أحوالى أن أفهم كلامه، وكان لا يتكلم في علم الكلام إلا حيث يجب عليه نصرة الحق. قال ابن حزم: مصنفاته خمسة وخمسون مصنفاً. ولد سنة ستين ومائتين، ومات سنة أربع وعشرين وثلثمائة، وقيل سنة نيّف وثلاثين. جالس الجويني والد الإمام، وتفقه أبي إسحاق المروزي، والمروزي أخذ عنه علم الكلام، ووهم من جعله مالكياً. مكث عشرين سنة يصلى صلاة الصبح بصلاة العتمة، وكانت نفقته في كلِّ سنة سبعة عشر درهماً من ضيعة وقفها جده بلال بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري على نسله، وما أحسن كتاب الحافظ المسمَّى ’’بكذب المفترى في الرد على الأشعري’’.

  • دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1997) , ج: 1- ص: 1