التصنيفات

القاضي علاء الدين ابن الأثير علي بن أحمد بن سعيد القاضي الرئيس، علاء الدين ابن الأثير، كاتب السر السلطاني، صاحب ديوان الإنشاء أيام السلطان الملك الناصر محمد بن المنصور، تقدم ذكر والده وعمه عماد الدين إسماعيل لما توجه السلطان إلى الكرك في المرة الأخيرة توجه علاء الدين في خدمته، فأقام عنده مدة، ووعده بالمنصب، وأعاده إلى القاهرة، ولما قدم السلطان، كان عند علاء الدين أكديش، أباعه بمائة وعشرين درهما، وتوجه إلى لقاء السلطان واشترى بثمن الأكديش حلاوة، فلما استقر الأمر، أقام مدة يسيرة، ثم إنه جهز القاضي شرف الدين ابن فضل الله إلى الشام، وولى علاء الدين صحابة الديوان، وعظم جاهه وتقدمه وأمواله، ودرت عليه نعم السلطان، وزاد في الإقبال عليه، ولم يحصل لأحد ما حصل له في الوظيفة، كان السلطان يأمره بأشياء يدعه يكتب فيها عن نفسه إلى نواب الشام ويجيبونه عن ذلك، وكان يركب في ستة عشر مملوكا، أو أكثر من ذلك، كلهم أتراك فيهم ما هو بعشرة آلاف وأكثر، وكان أخرا لا يتكلم إلا بالتركي، لكنه أصابه فالج تعلل به أكثر من سنة.
وتوفي سنة ثلاثين وسبعمائة، وقد عزل بالقاضي محيي الدين بن فضل الله، وولده القاضي شهاب الدين، وآخر ما آل أمرة إليه من الفالج أنه لم يبق فيه شيء يتحرك غير جفونه، فكان إذا أراد شيئا علا بصوته صارخا، فيحضرون إليه، ويدقون على الأرض دقات متوالية، وهو يعد لها الحروف من المعجم، فإذا وصل إلى أول حرف من مقصوده، أطرق بخفض طرفه، فيحفظ ذلك الحرف، ثم إذا فعلوا ثانيا، أمهلهم حتى يصلوا إلى الحرف الثاني مما أراد، فيطرق بجفنه، فيحفظ ذلك، ولا يزالون يفعلون ذلك ثانيا وثالثا، وهلم جرا حتى يفرغ مما أراده، وكان يطول الزمان عليه وعليهم حتى يفهموا عنه لفظة أو لفظتين، نسأل الله العافية من آفات هذه الدار.
وكان يكتب خطا قويا منسوبا، وله قدرة على إصلاح اللفظة، وإبرازها من صيغة إلى صيغة، ولا يخرج كتاب عن الديوان حتى يتأمله، ولا بد له أن يزيد فيه شيئا بقلمه، وله إنشاء وهو الذي كتب توقيع مجد الدين الأقصرائي بمشيخة الشيوخ بسريا قوس، ومدحه الناس، ومما كتب إليه شهاب الدين محمود:

وامتدحه جمال الدين محمد بن نباتة بقصيدة أولها:
منها:

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 20- ص: 0

علي بن أحمد بن سعيد ابن محمد ابن الأثير، القاضي الكبير الصدر علاء الدين أبو الحسن بن القاضي تاج الدين الحلبي الأصل ثم المصري، صاحب ديوان الإنشاء بالديار المصرية أيام السلطان الملك الناصر محمد.
وكان السلطان لما توجه في المرة الأخيرة إلى الكرك توجه القاضي علاء الدين معه فأقام عنه مدة، ووعده بالمنصب، وأعاده إلى القاهرة. ولما قدم السلطان من الكرك أباع القاضي علاء الدين إكديشا كان عنده بمئة وعشرين درهما، واشترى بذلك حلوى، وتوجه للقاء السلطان، فلما استقر له الأمر، قال السلطان للأمير الدوادار: اكتب إلى محيي الدين بن فضل الله، وقل له يكتب إلى أخيه القاضي شرف الدين ليطلب مني دستورا في التوجه إلى الشام، وأنا أستحيي أن أبدأه بالخورج من مصر. فكتب محيي الدين إلى أخيه بذلك فلم يلتفت إليه، وقال: أنا ما أعيش بعقل يحيى. ولما علم السلطان بذلك رسم للقاضي شرف الدين بن فضل الله في أوائل المحرم سنة اثنتي عشرة وسبع مئة بأن يكون صاحب ديوان الإنشاء بدمشق عوضا عن أخيه القاضي محيي الدين، وتولى القاضي علاء الدين بن الأثير مكانه في كتابة السر بالديار المصرية في سابع عشر ذي الحجة يوم الثلاثاء سنة إحدى عشرة وسبع مئة.
وكان القاضي شرف الدين له على السلطان خدم كثيرة، وإنما لما خرج إلى الكرك جهز معه القاضي علاء الدين بن الأثر، وكان في تلك الأيام صغيرا بين الجماعة، فنقم السلطان ذلك، ونسبه إلى شرف الدين، ووعد القاضي علاء الدين بالمنصب.
ولما ولاه عظمه وقربه وكرمه وأنعم عليه ونوه بقدره، وبلغ منه في المكانة العالية ما لم يبلغه أحد. وكان يأمره السلطان بأشياء إلى نواب الشام، ويقول له: اكتب إليهم بكذا وكذا عنك، فيكتب إليهم بما أمره، حتى إلى الأمير سيف الدين تنكز، فزادت عظمته في القلوب ووجاهته، وكان يركب بستة عشر مملوكا من الأتراك، فيهم ما هو بعشرة آلاف درهم وأكثر. وكان أخيرا يقف هؤلاء المماليك في خدمته بالديوان سماطين ولا يتكلم إلا بالتركي، ومماليكه يقربون كلامه للناس.
وكان فيه ذكاء وعنده نباهة، وحسن كتابة، فيها للنواظر نزاهة، وتدبير يعينه على التقدم والوجاهة، وإحسان إلي من يعرفه، وجود على من يحضر إليه من الشام ويصرفه. أنشأ جماعة وقدمهم في الدولة، وجعل لهم بنظره إليهم أبهة في النفوس وصوله. واقتنى المماليك والأملاك، وخضع له الأمراء والنواب والأملاك، وحصل نعما أثيرة، وأصل في الديوان كلمات كثيرة، ودانت له الأقدار، وصفت له أيامه من الأكدار.
وعلا علاء الدين بن الأثير، إلى أن صار من دونه الفلك الأثير، ورقد في سعوده على الفرش الوثير، ورأى كل من دونه قليلا وهو كثير، وتقدم به أولاد أخيه، وكتبوا معه في الدست، فشدت بهم قواعد الملك وثبتت أواخيه.

ولم تزل كواكبه في سعود
، ومراتبه في صعود، إلى أن قلب الدهر له مجنه، وأظهر له ما كان أكنه، وتيقظ له وكأنما كان في أكنه، ورمي بفالج عدم معه الانتفاع بحواسه، وبطلت حركة يده وطالما كان القلم فيها كأنما شد بأمراسه على أم رأسه، وعز أمره وما نزل به على السلطان، وطلب علاجه من النازحين والقطان، فما نجع فيه دواء من يعالج، ولا ظهر طريق مستقيم لطب ما به من الفالج، فنزل من ديوانه إلى البيت، ورآه الناس وهو حي كأنه الميت، و:
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم الأربعاء منتصف شهر الله المحرم سنة ثلاثين وسبع مئة، ودفن يوم الخميس بمقبرتهم بالقرافة، ومات وهو في حدود الخمسين.
أصابه مبادي فالج، فكابر هو نفسه، وصار يدخل ويخرج إلى السلطان ويفهم السلطان عنه ذلك، وما يقول له شيئا، فلما كان في بعض الأيام أراد أن يقوم من بين يدي السلطان ويحمل الدواة بيمينه، فسقطت من يده فتألم له السلطان، وقال للأمير سيف الدين ألجاي الدوادار: اكتب إلى نائب الشام ليجهز لنا القاضي محيي الدين بن فضل الله، وسر السلطان يقول له: يا علاء الدين، أنزل واضرب لك خاما في جزيرة الروضة، وعالج هذا الحادث، وأنا أجهز لك الأطباء، فلم يفعل، وبقي في الديوان مريضا إلى أن جاء الخبر بوصول القاضي محيي الدين بن فضل الله إلى قطيا، فقال لألجاي: مخر ابن الأثير بالنزول إلى بيته. فجهز يقول له: قد جاء صاحب الديوان ووصل، وغدا يكون هنا، فباسم الله أنزل استريح في بيتك.
سبحان الله العظيم، هم أولا به عزلوا، وهو ثانيا بهم عزل.
وكان نزول ابن الأثير إلى بيته في أوائل المحرم سنة تسع وعشرين وسبع مئة، وأقام في بيته، وتزايد به المرض، وجهز السلطان أحضر أمين الدين سليمان رئيس الأطباء بدمشق، وقال له لما وصل: أنزل إلى القاضي علاء الدين بن الأثير، وعالجه ووعده، فنزل إليه وعالجه فما أفاد وآل أمره إلا أنه لم يبق فيه شيء يتحرك غير جفونه فكان إذا أراد شيئا علا صارخا بصوته، فيحضرون إليه، ويدقون على الأرض دقات متوالية، وهو يعد الحروف من أول المعجم، فإذا وصلوا إلى أول حرف من مقصوده أطرق وأغمض جفنه، فيحفظون ذلك الحرف، ثم يفعلون ذلك، فإذا وصلوا إلى الحرف الثاني من مقصوده أغمض جفنه. ولا يزالون كذلك حتى يفهموا عنه قصده. وكان الزمان يطول عليهم وعليه حتى يفهموا عنه لفظة أو لفظتين. نسأل الله تعالى العفو والعافية من آفات هذه الدار.
وكان يكتب خطا قويا منسوبا، وله قدرة على إصلاح اللفظة وإبرازها من صورة إلى صورة، وما كن يخرج كتاب عن الديوان حتى يتأمله، ولا بد له أن يزيد فيه بقلمه شيئا. وله إنشاء، وهو الذي أنشأ توقيع الشيخ مجد الدين الأقصرائي بمشيخة شيوخ الخانقاه بسرياقوس لما فرغت عمارتها.
وعلى الجملة، فإنه عمل كتابة السر جيدا، ونفذ المهمات على أحسن ما تكون.
ومدحه شعراء عصره. ومما كتب إليه به ما أنشدناه لنفسه إجازة شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه الله تعالى:
وله فيه أمداح كثيرة.
وأنشدني من لفظه الشيخ جمال الدين محمد بن نباتة قصيدة، مدحه بها، أولها:
منها:
ولما دخلت أنا إلى القاهرة في سنة سبع وعشرين وسبع مئة وجدت بعض الناس قد لهج بالمقامة للقاضي علاء الدين بن عبد الظاهر التي وسمها ب‍ مراتع الغزلان، وكلفت أنا في ذلك بإنشاء رسالة في تلك المادة، فأنشأت رسالتي التي وسمتها ب‍ عبرة اللبيب بعبرة الكئيب، وكتبت في أولها أبياتا تتعلق بمديحه، وقد شذت الآن عني، وحملتها إليه، فوقف عليها. ولما جئته بذلك قال لي: الله يزيدك من فضله. وطوق علي، فقلت له: والله يزيدك سعادة.

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 3- ص: 264