النحوي أبو علقمة النميري النحوي، قال ياقوت: وأراه من أهل واسط، أتي أبو علقمة إلى أبي زلازل، الحذاء، فقال: يا حذاء، احذ لي هذا النعل، فقال: وكيف تريد أن أحذوها؟ قال: خصر نطاقها، وغضف معقبها، وأقب مقدمها، وعرج ونية الذؤبة بحزم دون بلوغ الرصاف، وأنحل مخازم خزامها، وأوشك في العمل، فقام أبو زلازل فتأبط متاعه، فقال أبو علقمة: إلى أين؟ قال: إلى ابن القرية ليفسر ما خفي علي من كلامك.
وقال لغلامه يوما: خذ من غريمنا هذا كفيلا ومن الكفيل أمينا، ومن الأمين زعيما، ومن الزعيم عزيما، فقال الغلام للغريم: مولاي كثير الكلام، معك شيء، فأرضاه وخلاه، فلما انصرف، قال: يا غلام، ما فعل غريمنا؟ قال: سقع، قال: ويلك ما سقع؟ قال: بقع قال: ويلك ما بقع؟ قال: استقلع، قال: ويلك! ما استقلع؟ قال: انقلع، قال: ويلك! لم طولت؟ قال: منك تعلمت.
وركب يوما بغلا، فوقف به على أبي عبد الرحمن القرشي، فقال: يا أبا علقمة، إن لبغلك هذا منظرا، فهل له مع هذا المنظر من خبر فقال: أوما بلغك خبره؟ قال: لا، قال: خرجت عليه مرة من مصر، فقفز بي قفزة إلى فلسطين، والثانية إلى الأردن، والثالثة إلى دمشق، فقال له أبو عبد الرحمن: تقدم إلى أهلك بأن يدفنوه معك، فلعله يقفز بك الصراط.
وجمش امرأة كان يهواها، فقال: يا خريدة، قد كنت إخالك عروبا، فإذا أنت نور ما لي أمقك فتسبيني، فقالت: يا رقيع، ما رأيت يحب أحدا، ويشتمه سواك.
وقال لأعين الطبيب: أمتع الله بك، إني أكلت من لحوم هذه الجوازل، فطبئت طبأة، فأصابني وجع بين الوابلة إلى دألة العنق، فلم يزل ينمي حتى خالط الخلب، وألمت له الشراسيف، فهل عندك دواء؟ فقال له أعين نعم خذ خرقفا وسلقفا وشرقفا، فزهزقه ورقرقه، واغسله بماء روث واشربه، فقال أبو علقمة: أعد علي، فإني لم أفهم عنك، فقال له أعين: لعن الله أقلنا إفهاما لصاحبه، ويحك وهل فهمت عنك شيئا مما قلت.
واستدعى يوما بحجام، فقال له: لا تعجل حتى أصف لك، ولا تكن كامرئ خالف ما أمر به ومال إلى غيره: اشدد قصب المحاجم، وأرهف ظبة المشارط، وأسرع الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصك لهزا ولا تزدن آتيا ولا تكرهن آبيا فوضع الحجام محاجمه في قفته، وقال: يا قوم، هذا رجل قد ثار به مرار ولا ينبغي أن يخرج دمه في هذا الوقت، وانصرف.
وقال يوما لغلامه: أصقعت العتاريق؟ فقال له الغلام: زقفيلم، فقال أبو علقمة، وما زقفيلم؟ فقال الغلام: وما صقعت العتاريق، قال: قلت لك: أصاحت الديوك؟ فقال الغلام: وأنا قلت لك: لم يصح منها شيء.
وكان يوما يسير على بغلة، فنظر إلى عبدين حبشي وصقلبي، فإذا الحبشي قد ضرب بالصقلبي الأرض، وأدخل ركبتيه في بطنه، أصابعه في عينيه، وعض أذنيه، وضربه بعصا فشجه، وأسال دمه، فاستشهد الصقلبي بأبي علقمة، فقال: احمله إلى الأمير، فحمله، وقال لأبي علقمة اشهد لي، فنزل عن بغلته، وجلس بين يدي الأمير، فقال له: بم تشهد يا أبا علقمة؟ فقال أبو علقمة: أصلح الله الأمير، بينا أنا أسير على كوذني هذا، إذ مررت بهذين العبدين، فرأيت هذا الأسحم قد مال على هذا الأبقع فمطأه على فدفد، ثم ضغطه برضفتيه في أحشائه، حتى ظننت أنه يدمج جوفه، وجعل يلج بشناتوه في جحمتيه يكاد يفقؤهما وقبض على صنارتيه بمبرمه، فكاد يجذهما جذا، ثم علاه بمنسأة كانت معه فعجفه بها، وهذا أثر الجريال بينا، وأنت أمير عادل، فقال الأمير، والله ما فهمت شيئا مما قلته فقال أبو علقمة: قد فهمناك إن فهمت، وأعلمناك إن علمت، وأديت إليك ما علمت، وما أقدر أن أتكلم بالفارسية، فجعل الأمير يجهد أن يكشف الكلام، ولا يفعل حتى ضاق صدر الوالي، فقال للصقلبي: أعطني خنجرا، فأعطاه فكشف رأسه، فقال له: شجني خمسا، وأعفني من شهادة هذا.
علقمة الشاعر كان موجودا في سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وهو من شعراء بدر الجمالي أمير الجيوش، قيل: إن الشعراء وقفوا بباب بدر المذكور، فلم يأذن لأحد منهم، وخرج بدر إلى الصيد، فخرج علقمة الشاعر في أثره، وعمل في عمامته ريش النعمام، كأنه مظلوم، فلما قرب منه، أنشده:
نحن التجار وهذه أعلاقنا | ذر، وجود يمينك المتباع |
قلب وفتشها بسمعك إنما | هي جوهر تختاره الأسماع |
كسدت علينا بالشام وكلما | قل النفاق تعطل الصناع |
فأتاك بحملها إليك تجارها | ومطيها الآمال والأطماع |
حتى أناضوها ببابك والرجا | من دونك السمسار والبياع |
فوهيت ما لم يطعه في دهره | هرم ولا كعب ولا القعقاع |
يا بدر أقسم لو بك اعتصم الورى | ولجوا إليك جميعهم ما ضاعوا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 20- ص: 0