العمى الشاعر عكاشة بن عبد الصمد العمى، هو من بني العم، ونسبهم كالمدفوع، لأنهم نزلوا في بني تميم بالبصرة أيام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - فأسلموا، وغزوا مع المسلمين، فقالت لهم العرب: إنكم وإن لم تكونوا من العرب، فإخوتنا وبنو عمنا، فلقبوا بني العم، وفيهم قال الشاعر:
وجدنا آل سامة في لؤي | كمثل العم بين بني تميم |
ألا ليت شعري هل يعودن ما مضى | وهل راجع ما فات من صلة الحبل |
وهل أجلسن في مثل مجلسنا الذي | نعمنا به يوم السعادة بالوصل |
عشية صبت لذة الوصل طيبها | علينا وأفنان الحياة جنى النحل |
وقد دار ساقينا بكأس روية | ترحل أحزان الكئيب مع الغفل |
وشجت شمول بالمزاج فطيرت | كألسنة الحيات خافت من القتل |
فبتنا وعين الكأس سح دموعها | بكل فتى يهتز للمجد كالنصل |
وقينتنا كالظبي تحتج بالهوى | وبث تباريح الفؤاد على رسل |
إذا ما حلت بالعود رجع لسانها | رأيت لسان العود من كفها يملي |
فلم أر كاللذات أمطرت الهوى | ولا مثل يومي ذاك صادفه مثلي |
وجاءوا إليه بالتمائم والرقى | وصبوا عليه الماء من شدة المس |
وقالوا به من أعين الجن نظرة | ولو صدقوا قالوا به نظرة الإنس |
هذا وكم من مجلس لي مونق | بين النعيم وبين عيش دان |
نازعته إرادته فلبستها | مع طيبة من عيشنا الفينان |
تنسى الحليم من الرجال معاده | بين الغناء وعودها الحنان |
حتى يعود كأن حبة قلبه | مشدودة بمثالث ومثاني |
ظلت تغنيني وتعطف كفها | بالعود بين الراح والريحان |
فسمعت ما أبكى وأضحك | فسكرت من طرب ومن أشجان |
ومشيت في لحج الهوى متبخترا | ومشى إلي اللهو في ألوان |
فعلمت أن قد عاد قلبي عائد | من بين عود مطرب وبنان |
إذ نحن نسقاها شمولا قرقفا | تدع الصحيح بعقله مرتابا |
حمراء مثل دم الغزال وتارة | بعد المزاج ثغالها زريابا |
من كف جارية كأن بنانها | من فضة قد قمعت عنابا |
تزداد حسنا تأسها في كفها | ويطيب منها نشرها أحقابا |
وإذا المزاج علا فشج جبينها | بقيت بألسنة المزاج حبابا |
وتخال ما جمعت فأحدق سمطه | بالطوق ربق جنادب ورضابا |
والعود متبع غناء خريدة | غردا يقول كما تقول صوابا |
وكأن يمناها إذا نطقت به | تلقى على يدها الشمال جوابا |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 20- ص: 0