الأمير العباسي عبد الملك بن صالح بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. أبو عبد الرحمن. الأمير. ولي المدينة والصوائف للرشيد، ثم ولي الشام والجزيرة للأمين. وتوفي سنة ست وتسعين وماية. وحدث عن أبيه ومالك بن أنس. ووفاته بالرقة. وكان أفصح الناس وأخطبهم؛ ولم يكن في عصره مثله في فصاحته وصيانته وجلالته. قيل ليحيى بن خالد البرمكي وقد ولى الرشيد عبد الملك المدينة: كيف ولاه المدينة من بين أعماله؟ قال: أحب أن يباهي به قريشا، ويعلمهم أن في بني العباس مثله! ودخل على الرشيد وقد توفي له ولد وجاءه ولد؛ فقال: يا أمير المؤمنين! سرك الله فيما ساءك ولا ساءك فيما سرك وجعل هذه بهذه جزاء للشاكر، وثوابا للصابر. وقيل له: إن أخاك عبد الله يزعم أنك حقود، فقال:
أذا ما امرؤ لم يحقد لم تجد | لديه لدى النعمى جزاء ولا شكرا |
ووجه إلى الرشيد فاكهة في أطباق الخيزران، وكتب إليه: أسعد الله أمير المؤمنين وأسعد به، دخلت بستانا لي أفادنيه كرمك، وعمرته لي نعمك، وقد ينعت أشجاره، وآنت ثماره، فوجهت إلى أمير المؤمنين من كل شيء شيئا على الثقة والإمكان في أطباق القضبان ليصل إلي من بركة دعائه مثل ما وصل إلي من كثرة عطائه. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين! لم أسمع بأطباق القضبان! فقال الرشيد: يا أبله! إنه كنى عن الخيزران إذ كان اسما لأمنا! ولما ودعه الرشيد وقد وجهه إلى الشام، قال له الرشيد: ألك حاجة؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! بيني وبينك وبين يزيد بن الدثنة حيث يقول:
فكوني على الواشين لداء شغبة | كما أنا للواشي ألد شغوب |
ثم إن الرشيد جعل ابنه القاسم في حجر عبد الملك بن صالح، فقال عبد الملك يحضه على أن يوليه العهد بعد أخويه الأمين والمأمون، وأن يجعله ثالثا لهما:
يا أيها الملك الذي | لو كان نجما كان سعدا |
للقاسم اعقد بيعة | واقدح له في الملك زندا |
الله فرد واحد | فاجعل ولاة العهد فردا |
فجعله الرشيد ثالثا لهما. ثم وشى به بعد ذلك الناس، وتتابعت الأخبار عنه بفساد نيته للرشيد، فدخل عليه في بعض الأيام، وقد امتلأ قلب الرشيد فقال: أكفرا بالنعمة وغدرا بالإمام؟! فقال عبد الملك: قد بؤت إذا بأعباء الندم، واستحلال النقم، وما ذاك يا أمير المؤمنين إلا بفي حاسد نافس فيك وفي تقديم الولاية مودة القرابة، يا أمير المؤمنين! إنك خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، وأمينه على عترته، لك عليها فرض الطاعة، وأداء النصيحة، ولها عليك العدل في حكمها، والتثبت في حادثها. فقال له الرشيد: هذا قمامة كاتبك يخبرني بفساد نيتك، وسوء سيرتك! قال: فأسمع كلام قمامة فلعله أعطاك ما ليس في عقده، ولعله لا يقدر أن يعضهني ولا يبهتني بما لم يعرفه مني، ولم يصح له عني؟ فأمر بإحضاره، فقال له الرشيد: تكلم غير خائف ولا هائب! فقال: أقول إنه عازم على الغدر بك يا أمير المؤمنين والخلاف عليك! فقال عبد الملك: وكيف لا يكذب علي بن خلفي من يبهتني في وجهي؟! فقال الرشيد: فهذا عبد الرحمن ابنك، يقول بقول كاتبك ويخبر عن سوء ضميرك، وفساد نيتك، وأنت لو أردت أن تحتج بحجة لم نجد أعدل من هذين فبم تدفعهما عنك؟ فقال: يا أمير المؤمنين! عبد الرحمن بين مأمور أو عاق؛ فإن كان مأمورا فمعذور، وإن كان عاقا فهو عدو أخبر الله بعداوته، وحذر منها؛ فقال جل ثناؤه في محكم كتابه:
{إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم} فنهض الرشيد وقال: أما أمرك فقد وضح ولكن لا أعجل حتى أعلم ما الذي يرضي الله فيك، فإنه الحكم بيني وبينك! فقال عبد الملك: رضيت بالله حكما وبأمير المؤمنين حاكما! فإني أعلم أنه يؤثر كتاب الله على هواه، وأمر الله على رضاه. ثم إنه دخل عليه في مجلس آخر، وسلم فلم يرد عليه الرشيد، فلم يزل يعتذر ويحتج لنفسه بالبراءة حتى أقبل عليه بوجهه، وقال: ما أظن الأمر إلا كما قلت يا أبا عبد الرحمن، وأنت محسد، وأمير المؤمنين يعلم أنك على سريرة صالحة غير مدخولة ولا خسيسة. ثم دعا عبد الملك بشربة ماء، فقال الرشيد: ما شرابك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: سحيق الطبرزد ذر بماء الرمان! فقال: بخ بخ عضوان لطيفان يذهبان الظما ويلذان المذاق، فقال عبد الملك: صفتك لهما يا أمير المؤمنين ألذ من فعلهما! ثم إن الرشيد تنكر له بعد ذلك، وحبسه عن الفضل بن الربيع، وقال: أما والله لولا الإبقاء على بني هاشم لضربت عنقك! ولم يزل محبوسا حتى توفي الرشيد، فأطلقه الأمين، وعقد له على الشام، وكان مقيما بالرقة، وجعل للأمين عهد الله وميثاقه، لئن قتل وهو حي، لا يعطي المأمون طاعته أبدا؛ فمات قبل قتل الأمين، ودفن في دار من دور الإمارة. فلما خرج المأمون يريد الروم، أرسل إلى ابن له: حول أباك عن داري، فنبشت عظامه، وحولت.
وكتب إلى الرشيد قبل إشخاصه إلى العراق، وقد تغير عليه:
أخلاي لي شجو وليس لكم شجو | وكل امرئ من شجو صاحبه خلو |
من أبي نواحي الأرض أبغي رضاكم | وأنتم أناس ما لمرضاتكم نحو |
فلا حسن نأتي به تقبلونه | ولا إن أسأنا كان عندكم عفو |
فلما وقف عليها قال: والله إن كان قالها لقد أحسن، وإن كان رواها لقد أحسن. وكتب إليه من السجن:
قل لأمير المؤمنين الذي | يشكره الصادر والوارد |
يا واحد الأملاك في فضله | ما لك مثلي في الوري واحد |
إن كان لي ذنب ولا ذنب لي | حقا كما زعم الحاسد |
فلا يضق عفوك عني فقد | فاز به المسلم والجاحد |
ومن شعره وهو في الحبس:
لئن ساءني حبسي لفقد أحبتي | وأني فيهم لا أمر ولا أحلي |
لقد سرني عزي بترك لقائهم | وما أتشكى من حجاب ومن ذل |
ولما أخرجه الأمين من السجن، دفع إليه كاتبه قمامة وابنه عبد الرحمن فقتل قمامة في حمام، وهشم وجه ابنه بعمود.