التصنيفات

شمس الدين العجمي عبد اللطيف بن خليفة الصدر المعظم شمس الدين أخو النجيب كحال قازان وغيره. كان النجيب المذكور له صورة كبيرة، ومحل زائد عند ملوك المغل؛ وكان شمس الدين عبد اللطيف قد تسمى في تلك البلاد بالملك الصالح. وورد إلى الديار المصرية؛ فأكرم كثيرا. كان فاضلا متأدبا مترسلا بغير سجع؛ لكن بعبارة فاضل؛ يستشهد بالآيات والأحاديث، والشعر، وكلام الحكماء. وعلى ذهنه مسائل من الفروع الغريبة، وله مداخلات مع السلطان والأمراء الكبار، وأرباب الدولة. يتحدث بالتركي والعجمي، وله إقدام على الكبار؛ كان الأمير سيف الدين أرغون الدوادار إذا رآه في القلعة يقول: ما أحسد إلا هذا الشيخ الذي له في كل شهر ألفا درهم، وهو داير بطال بلا شغل!
وكان يحضر عند السلطان الملك الناصر محمد في خانقاه سرياقوس، ويتكلم بين يديه، وينفع ويضر! قال لي: أنا أتعيش بين الناس وأتجوه عندهم بكل جلسة أجلسها عند السلطان بسرياقوس عدة شهور. اجتمعت به غير مرة، فرأيت منه رجلا داهية خبيرا بما يتكلم به، يغلب عليه العقليات. ويستحضر من كلام الحكماء جملة وافرة، وينقل كثيرا مما يذاكر به من فنون الأدب ووقائع الناس خصوصا ملوك المغل، وكتابته حسنة، قوية، له ذوق جيد، يفهم به معاني الشعر. وكانت له خصوصية بالقاضي فخر الدين ناظر الجيش، وبالقاضي علاء الدين ابن الأثير، ونفع عندهما من أراد. وهو كان ممن ساعد قاضي القضاة جلال الدين على مقاصده فيما تولاه. دخل يوما على القاضي مجد الدين ابن لفيتة ناظر الدولة، يطالبه بمرتبه وألح عليه وزاد في الإبرام. فقال له: يا مولانا كل شهر ألفا درهم؟! ما تمهل علينا بشهر واحد؟! فقال له: يا مولانا! هذه الألفان التي لي ما تكفي هذا عبدك الذي يحمل دواتك أن يشرب بها نبيذا! فلم يجبه بكلمة، وصرف له ما أراد! وكان إذا حضر عند فخر الدين ناظر الجيش أخذ ورقة من يده ونتشها بعنف ورماها، وقال له: خلنا من هذه وتحدث بنا في شأننا! وكان شيخا تام القامة، أعشى البصر قليلا، ذا عمة صغيرة كأنها تخفيفة. وكان لا يخاطب إلا بمولانا. وكان يدعي أنه قرأ على الأثير الأبهري. وكانت له دار مليحة على بركة الفيل، وله أموال وجواهر. رأيته يوما وقد دخل إلى أمير حسين وقد انقطع أمير حسين من وجع المفاصل الذي كان يعتريه في رجليه؛ وكان قد غاب عنه مدة؛ فلما رآه قد أقبل، وقال: يا مولانا أين كنت في هذه الغيبة؟ واويلاه من يدك! فقال له شمس الدين عاجلا: واويلاه من رجلك!
وتوفي قبل الثلاثين وسبع ماية بقليل أو فيما بعدها بقليل. وكان قد حصل له الفالج قبل ذلك بتقدير سنتين ثلاثة، وانقطع.
وكان من دهائه أنه عمل المرتب الذي له في جملة المماليك السلطانية، فقلت له في ذلك، فقال: حتى لا يتعرض أحد من المستوفين ولا ممن يتكلم في عمل استيمار إليه! وكان في الأصل يهوديا ثم أسلم في البلاد فلما انفلج جاءني الحكيم شمس الدين بن الأكفاني وقال لي: الآن لما أسلم شمس الدين! فقلت له: كيف ذلك وهو قديم الإسلام؟! فقال: لأن المسلمين سلموا من يده ولسانه! يعني بالفالج الذي حصل له. وأخبرني من لفظه العلامة قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي، قال: اجتمع شمس الدين يوما والأمير ناصر الدين ابن البابا، وشجاع الدين الترجمان، ونجم الدين قاسم بن مرداد، فقال ناصر الدين: أخبرني هذا -وأشار إلى أحد الإثنين- فقال له شمس الدين: من هو هذا؟ {إن البقر تشابه علينا}! فقال شجاع الدين: مولانا! من قال هذا الكلام؟ فقال شمس الدين: الذين قال الله في حقهم: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين}! فقال شجاع الدين: مولانا شمس الدين! حاشاك تقول هذا! وإنما قال الله في حقهم: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة}... الآية؛ أو كما قال. وشكوت إليه يوما من بعض الكبار، فقال لي: مولانا! القواهر العلوية دائمة الفيض، ممنوعة الحجب، تقتص من الظالم للمظلوم، ومن الحاكم للمحكوم.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 19- ص: 0

شمس الدين العجمي عبد اللطيف بن خليفة.

  • دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 3- ص: 239