الموفق الشيخ الإمام العلامة الفقيه النحوي اللغوي الطبيب ذو الفنون موفق الدين أبو محمد عبد اللطيف ابن الفقيه يوسف بن محمد بن علي بن أبي سعد الموصلي، ثم البغدادي، الشافعي، نزيل حلب، ويعرف قديما بابن اللباد.
ولد ببغداد، في أحد الربيعين، سنة سبع وخمسين وخمس مائة.
وسمعه أبوه من: أبي الفتح بن البطي، وأبي زرعة المقدسي، والحسن ابن علي البطليوسي، ويحيى بن ثابت، وشهدة الكاتبة، وأبي الحسين عبد الحق، وأبي بكر بن النقور، وجماعة.
حدث عنه الزكيان: البرزالي، والمنذري، والشهاب القوصي، والتاج عبد الوهاب ابن عساكر، والكمال العديمي وابنه القاضي أبو المجد، والأمين أحمد بن الأشتري، والكمال أحمد ابن النصيبي، والجمال ابن الصابوني، والعز عمر بن الأستاذ، وخطلبا وسنقر موليا ابن الأستاذ، وعلي بن السيف التيمي، ويعقوب بن فضائل، وست الدار بنت مجد الدين ابن تيمية، وآخرون.
وحدث: بدمشق، ومصر، والقدس، وحلب، وحران، وبغداد. وصنف: في اللغة، وفي الطب، والتواريخ، وكان يوصف بالذكاء وسعة العلم.
ذكره الجمال القفطي في ’’تاريخ النحاة’’ فما أنصفه، فقال:
الموفق النحوي الطبيب الملقب بالمطحن، كان يدعي النحو، واللغة، وعلم الكلام، والعلوم القديمة، والطب، ودخل مصر وادعى ما ادعاه، فمشى إليه الطلبة، فقصر، فجفوه، ثم نفق على ولدي إسماعيل بن أبي الحجاج الكاتب، فنقلاه إليهما، وكان ذميم الخلقة نحيلها.
ويظهر الهوى من كلام القفطي، حتى نسبه إلى قلة الغيرة.
وقال الدبيثي: غلب عليه علم الطب والأدب، وبرع فيهما.
وقال ابن نقطة: كان حسن الخلق، جميل الأمر، عالما بالنحو والغريبين، له يد في الطب، سمع ’’سنن ابن ماجه’’، و’’مسند الشافعي’’ من أبي زرعة، وسمع ’’صحيح الإسماعيلي’’ جميعه من يحيى بن ثابت، إلى أن قال: وكان ينتقل من دمشق إلى حلب، ومرة سكن بأرزنكان وغيرها.
قال الموفق عن نفسه: سمعت الكثير، وكنت أتلقن وأتعلم الخط، وأحفظ المقامات، والفصيح، و’’ديوان المتنبي’’، ومختصرا في الفقه، ومختصرا في النحو، فلما ترعرعت حملني أبي إلى كمال الدين الأنباري، وذكر فصلا، إلى أن قال: وصرت أتكلم على كل بيت كراريس، ثم حفظت ’’أدب الكاتب’’ لابن قتيبة، و’’مشكل القرآن’’ له، و’’اللمع’’، ثم انتقلت إلى كتاب ’’الإيضاح’’ فحفظته، وطالعت شروحه. قال: وحفظت ’’التكملة’’ في أيام يسيرة، كل يوم كراسا، وفي أثناء ذلك لا أغفل سماع الحديث، والتفقه على ابن فضلان.
ومن وصاياه، قال: ينبغي أن تكون سيرتك سيرة الصدر الأول، فاقرأ السيرة النبوية، وتتبع أفعاله، واقتف آثاره، وتشبه به ما أمكنك. من لم يحتمل ألم التعلم لم يذق لذة العلم، ومن لم يكدح لم يفلح. إذا خلوت من التعلم والتفكر فحرك لسانك بالذكر، وخاصة عند النوم، وإذا حدث لك فرح بالدنيا فاذكر الموت، وسرعة الزوال، وكثرة المنغصات. إذا حزبك أمر فاسترجع، وإذا اعترتك غفلة فاستغفر. واعلم أن للدين عبقة وعرفا ينادي على صاحبه، ونورا وضيئا يشرف عليه ويدل عليه، يا محيي القلوب الميتة بالإيمان خذ بأيدينا من مهواة الهلكة، وطهرنا من درن الدنيا بالإخلاص لك.
وله مصنفات كثيرة منها: ’’غريب الحديث’’، و’’الواضحة في إعراب الفاتحة’’، ’’شرح خطب ابن نباتة’’، ’’الرد على الفخر الرازي في تفسير سورة الإخلاص’’، ’’مسألة أنت طالق في شهر قبل ما بعد قبله رمضان’’، ’’شرح فصول بقراط’’، كتاب ’’أخبار مصر الكبير’’، كتاب
’’الإفادة في أخبار مصر’’، ’’مقالة في النفس’’، ’’مقالة في العطش’’، ’’مقالة في الرد على اليهود والنصارى’’، وأشياء كثيرة ذكرتها في ’’تاريخ الإسلام’’.
وقد سافر من حلب ليحج من العراق، فدخل حران، وحدث بها، وسار فدخل بغداد مريضا، ثم حضرت المنية ببغداد، في ثاني عشر المحرم سنة تسع وعشرين وست مائة، وصلى عليه السهروردي.
قال الموفق أحمد بن أبي أصيبعة: كان أبي وعمي يشتغلان عليه، وقلمه أجود من لفظه، وكان ينتقص بالفضلاء الذين في زمانه، ويحط على ابن سينا.
قال الموفق عبد اللطيف: أقمت بالموصل سنة أشتغل، وسمعت الناس يهرجون في حديث السهروردي الفيلسوف، ويعتقدون أنه قد فاق الكل، فطلبت من الكمال ابن يونس شيئا من تصانيفه، فوقفت على ’’التلويحات’’، و’’المعارج’’، وفي أثناء كلامه يثبت حروفا مقطعة يوهم بها أنها أسرار إلهية، وقال: أعربت الفاتحة في نحو عشرين كراسا.
دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 16- ص: 237