عز الدين ابن أبي الحديد عبد الحميد بن هبة الله بن محمد بن محمد ابن أبي الحديد، عز الدين أبو حامد المدائني المعتزلي الفقيه الشاعر أخو موفق الدين. ولد سنة ست وثمانين وخمس مائة وتوفي سنة خمس وخمسين وست مائة. وهو معدود في أعيان الشعراء وله ديوان مشهور روى عنه الدمياطي. ومن تصانيفه القلك الدائر على المثل السائر صنفه في ثلاثة عشر يوما. وكتب إليه أخوه موفق الدين:
المثل السائر يا سيدي | صنفت فيه الفلك الدائرا |
لكن هذا فلك دائر | أصبحت فيه المثل السائرا |
وحقك لو أدخلتني النار قلت للـ | ـذين بها قد كنت ممن يحبه |
وأفنيت عمري في دقيق علومه | وما بغيتي إلا رضاه وقربه |
هبوني مسيئا أوتغ الحلم جهله | وأبقه دون البرية ذنبه |
أما يقتضي شرع التكرم عفوه | أيحسن أن ينسى هواه وحبه |
أما رد زيغ ابن الخطيب وشكه | وتمويهه في الدين إذ جل خطبه |
أما كان ينوي الحق فيما يقوله | ألم تنصر التوحيد والعدل كتبه |
علمنا بهذا القول أنك آخذ | بقول اعتزال جل في الدين خطبه |
فتزعم أن الله في الحشر ما يرى | وذاك اعتقاد سوف يرديك غبه |
وتنفي صفات الله وهي قديمة | وقد أثبتتها عن إلهك كتبه |
وتعتقد القرآن خلقا ومحدثا | وذلك داء عز في الناس طبه |
وتثبت للعبد الضعيف مشيئة | يكون بها ما لم يقدره ربه |
وأشياء من هذي الفضائح جمة | فأيكما داعي الضلال وحزبه |
ومن ذا الذي أضحى قريبا إلى الهدى | وحامى عن الدين الحنيفي ذبه |
وما ضر فخر الدين قول نظمته | وفيه شناع مفرط إذ تسبه |
وقد كان ذا نور يقود إلى الهدى | إذا طلعت في حندس الشك شهبه |
ولو كنت تعطي قدر نفسك حقه | لأخمدت جمرا بالمحال تشبه |
وما أنت من أقرانه يوم معرك | ولا لك يوما بالإمام تشبه |
لولا ثلاث لم أخف صرعتي | ليست كما قال فتى العبد |
أن أنصر التوحيد والعدل في | كل مكان باذلا جهدي |
وأن أناجي الله مستمتعا | بخلوة أحلى من الشهد |
وأن أتيه الدهر كبرا على | كل لئيم أصعر الخد |
لذاك لا أهوى فتاة ولا | خمرا ولا ذا ميعة نهد |
لولا ثلاث هن أقصى المنى | لم أهب الموت الذي يردي |
تكميل ذاتي بالعلوم التي | تنفعني إن صرت في لحدي |
والسعي في رد الحقوق التي | لصاحب نلت به قصدي |
وأن أرى الأعداء في صرعة | لقيتها من جمعهم وحدي |
فبعدها اليوم الذي حم لي | قد استوى في القرب والبعد |
ألا إن نهج المجد أبيض محلوب | على أنه جم المسالك مرهوب |
هو العسل الماذي يشتاره امرؤ | بغاه وأطراف الرماح اليعاسيب |
ذق الموت إن شئت العلى واطعم الردى | فنيل الأماني بالمنية مكسوب |
خض الحتف تأمن خطة الخسف إنما | يباح ضرام الخطب والخطب منسوب |
ألم تخبر الأخبار عن فتح خيبر | ففيها لذي اللب الملب أعاجيب |
وفوز علي بالعلى فوزها به | فكل إلى كل مضاف ومنسوب |
حصون حصان الفرج حيث تبرجت | وما كل ممتط الجرارة مركوب |
تناط عليها للنجوم قلائد | وتسفل عنها للغمام أهاضيب |
وأرعن موار العنان يمورها | فلم يغن عنها جر مجر وتلبيب |
فللخطب عنها والصروف صوارف | كما كان عنها للنوائب تنكيب |
نهار سيوف في دجى ليل عثير | فأبيض وضاح وأسود غربيب |
ينوح عليها نوح قارون يوشع | ويذري عليها دمع يوسف يعقوب |
بها من زماجير الرجال صواعق | ومن صوب أذي الدماء شآبيب |
يمج منونا سيفه وسنانه | ويلهب نارا غمده والأنابيب |
عن ريقها يتحدث المسواك | أرجا فهل شجر الأراك أراك |
ولطرفها خنث الجبان فإن رنت | باللحظ فهي الضيغم الفتاك |
شرك القلوب ولم أخل من قلبها | أن القلوب تصيدها الأشراك |
يا وجهها المصقول ماء شبابه | ما الحتف لولا طرفك الفتاك |
أم هل أتاك حديث وقفتها ضحى | وقلوبنا بشبا الفراق تشاك |
لا شيء أفظع من نوى الأحباب أو | سيف الوصي كلاهما سفاك |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 18- ص: 0