صهيب أبو يحيى الرومي صهيب بن سنان بن مالك، أبو يحيى، ويقال أبو عسال، النمري الرومي؛ كان من أهل الموصل من بني النمر بن قاسط، سبته الروم صغيرا، ونشأ فيهم، فصار ألكن، ثم ابتاعته كلب وباعته بمكة، فاشتراه وأعتقه عبد الله بن جدعان، وقيل هرب من الروم فأتى مكة فحالف ابن جدعان؛ وكان من متقدمي الإسلام المعذبين في الله، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وفيه نزلت {ومن الناس من يشري نفسه}. واستخلفه عمر بن الخطاب على الصلاة بالمسلمين مدة المشاورة ثلاثة أيام حتى استخلف عثمان، وهو الذي صلى على عمر، وقدم الجابية مع عمر، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث. روى عنه ابن عمرو وجابر وبنوه عثمان وصيفي وحمزة وسعد وعباد وحبيب وصالح ومحمد بنو صهيب، وابن المسيب وابن أبي ليلى وكعب وغيرهم؛ وروى له الجماعة، وتوفي في قول المدائني سنة ثمان وثلاثين للهجرة. قال صهيب: كناني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا يحيى، وصحبته قبل أن يوحى إليه؛ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أنا سابق العرب إلى الجنة، وصهيب سابق الروم إلى الجنة، وبلال سابق الحبشة إلى الجنة، وسلمان سابق الفرس إلى الجنة. وقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها. ولما أطاف المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبلوا على الغار وأدبروا قال: واصهيباه ولا صهيب لي! وكان صهيب أرمى العرب رجلا. ولما أراد الهجرة قال له أهل مكة: أتيتنا ها هنا صعلوكا حقيرا فتغير حالك عندنا وبلغت ما بلغت، تنطلق بنفسك ومالك؟! والله لا يكون ذلك، قال: أرأيتم إن تركت مالي أتخلون أنتم سبيلي؟ قالوا: نعم، فخلع لهم ماله أجمع؛ قال صهيب: فخرجت حتى قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قباء قبل أن يتحول عنها، فلما رآني قال: يا أبا يحيى ربح البيع، ثلاثا، فقلت: يا رسول الله ما سبقني إليك أحد، وما أخبرك إلا جبريل. وقال ابن مسعود: مر الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده خباب وصهيب وبلال وعمار فقالوا: يا محمد أرضيت بهؤلاء؟ أتريد أن نكون تبعا لهؤلاء؟ فنزلت {وأنذر به الذين يخافون} إلى قوله {فتكون من الظالمين} وقال خباب: ثم نزلت {واصبر نفسك مع الذين}، فكنا بعد ذلك نقعد مع النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا بلغنا الساعة التي كنا نقوم فيها قمنا وتركناه حتى يقوم، وإلا صبر أبدا حتى نقوم. وفضائل صهيب وسلمان وبلال وعمار وخباب والمقداد وأبي ذر لا يحيط بها كتاب. وللحديث المتعلق بصهيب رضي الله عنه، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ’’نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه’’ عند علماء المعاني والبيان شأن، لأنه إذا تركنا ظاهر الحديث اقتضى أنه خاف وعصى مع الخوف، وهو أقبح، فيكون ذلك ذنبا؛ لكن الحديث سيق المدح، وللناس في ذلك كلام طويل، وليس هذا موطن الاستقصاء. ومن أحسن ما يقال في هذا أن الشيء الواحد قد يكون له سبب واحد فينتفي عند انتفائه، وقد يكون له سببان فلا يلزم من عدم أحدهما أن ينتفي بخلاف الأول، كما تقول في زوج هو ابن عم: لو لم يكن زوجا لورث، أي بالتعصيب، فإنهما سببان لا يلزم من عدم أحدهما عدم التوريث. وكذلك هاهنا الناس في الغالب إنما لم يعصوا لأجل الخوف، فإذا فقد الخوف عصوا، لاتحاد السبب في حقهم، فأخبر عليه السلام أن صهيبا رضي الله عنه اجتمع له سببان يمنعانه المعصية وهما: الخوف والإجلال، وهذا مدح جميل، يعني لو عدم الخوف لم يعدم الإجلال الذي يمنعه المعصية. وقال ابن عصفور رحمه الله: لو في الحديث بمعنى أن لمطلق الربط، وأن لا يكون نفيها ثبوتا، ولا ثبوتها نفيا كما القاعدة في لو. وقال الخسروشاهي: إن لو في أصل اللغة لمطلق الربط، وإنما اشتهرت في العرف بانقلاب نفيها ثبوتا وبالعكس، وهذا الحديث إنما ورد بمعنى اللفظ في اللغة، ومن هذه المادة قوله تعالى {ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام} الآية.