الوزير صاعد بن مخلد، أبو العلاء الكاتب النصراني؛ أسلم وكتب للموفق محمد بن جعفر المتوكل، وولي الوزارة لأخيه محمد المعتمد، وما زال كثير الصدقة، وله حظ من النبل. وكان صفرا من الأدب، وسمي ذا الوزارتين، وكانوا عزموا على تسميته ذا التدبيرين فقال لهم أبو عبد الله: لا تسموه بشيء ينفرد به عنكم، ولكن سموه ذا الوزارتين، ذا الكفايتين، ليكون مضافا إليكم. وكان من أحسن من أسلم دينا، وهو الذي جاء إلى بابه أبو العيناء فقالوا له: الوزير يصلي، فقال: لكل جديد لذة وليس كذا بمرة. قيل: إن الكتاب بسر من رأى اجتمعوا مرة وكتبوا كتابا إلى من يوصله إلى الموفق ببغداد ويضمنون له فيه صاعدا بمال عظيم خطير، وأنفذوا الكتاب إلى صاحبهم على طائر، وكان صاعد قد أحس من الناصر بتغيير واستطالة لإضاقته، وما كان يملك إلا مائتي ألف درهم، فعزم على حملها إلى الموفق، ثم قال: أين تقع هذه منه؟ والله لأتصدقن منها بمائة ألف درهم ولأستكفين الله بما أخاف، ففعل، وركب من داره يريد الموفق في داره، فسقط الطائر في زورقه، فأخذ فوجدت الرقعة فيه، فقرأها صاعد ووقف على السعاية، وعلم أن الله عز وجل فعل به ذلك لأجل صدقته، وأدخل الطائر والرقعة إلى الموفق وعرفه خبر المائتي ألف درهم وما كان عزم عليه، فعظم في عين الموفق أمره، وعلت حاله، وقال: والله ما فعل الله بك هذا إلا لخير خصك به وشكر لك. وقال الصولي: لا أعلم أحدا مدح رجلا بأنه لا يحضر الحرب وينفذ كيده فيها نفوذ الأقدار بأحسن مما قاله ابن الرومي لصاعد:
يظل عن الحرب العوان بمعزل | وآثاره فيها وإن غاب شهد |
كما احتجب المقدار والحكم حكمه | على الناس طرا ليس عنه معرد |
أرى الدهر يمنع من جانبه | ويهدي الحظوظ إلى عاتبه |
ومن عجب الهر أن الأميـ | ـر أصبح أكتب من كاتبه |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 16- ص: 0