راشد الدين الإسماعيلي سنان بن سلمان بن محمد أبو الحسن راشد الدين البصري. كبير الإسماعيلية وصاحب الدعوة النزارية. كان أديبا فاضلا عارفا بالفلسفة وشيئا من الكلام والشعر والأخبار، أحل لقومه وطء المحرمات من أمهاتهم وأخواتهم وبناتهم، وأسقط عنهم صوم رمضان، وهلك بحصن الكهف سنة تسع وثمانين وخمس مائة. وكان رجلا عظيما خفي الكيد، بعيد الهمة، عظيم المخاريق، ذا قدرة على الإغواء وخديعة القلوب والعقول، وكتمان السر، واستخدام الطغام والغفلة.
خدم رؤساء الإسماعيلية بألموت وراض نفسه، وقرأ كثيرا من كتب الفلاسفة والجدل والمغالط مثل رسائل إخوان الصفاء وما شاكلها من الفلسفة الإقناعية المشوقة غير المبرهنة. وبنى بالشأم حصونا لهذه الطائفة بعضها مستجد وبعضها كان قديما. احتال في تحصيلها وتحصينها وتوعير مسالكها، ودام له الأمر بالشأم نيفا وثلاثين سنة، وسير إليه داعي دعاتهم من الموت جماعا ليقتلوه خوفا من استبداده بالرياسة عليه، وكان سنان يقتلهم ويخدع بعضهم ويثنيه عما جهز فيه.
قال سنان: نشأت بالبصرة، وكان والدي من مقدميها، ووقع هذا الحديث في قلبي، وجرى لي مع إخوتي أمر أحوجني إلى الإنصراف، فخرجت بغير زاد ولا ركوب، وتوصلت إلى ألموت، فدخلتها، وبها الكيا محمد، وكان له ابنان أحدهما الحسن والآخر الحسين، فأقعدني معهما في المكتب وساواني بهما، وبقيت حتى مات، وولي ابنه الحسن، فأنفذني إلى الشأم، فخرجت مثل خروجي من البصرة، ولم أقارب بلدا إلا في القليل، وكان قد أمرني بأوامر وحملني رسائل، فنزلت بالموصل في مسجد التمارين، وسرت منها إلى الرقة، وكان معي رسالة لبعض الرفاق، فزودني واكترى لي بهيمة إلى حلب، ولقيت آخر وأوصلته رسالة، فاكترى لي وأنفذني إلى الكهف، وكان الأمر أن أقيم بهذا الحصن، فأقمت حتى توفي الشيخ أبو محمد، وكان صاحب الأمر متولي بعده الأخواجة علي بن مسعود وبغير نص إلا بالاتفاق، ثم اتفق الرئيس أبو منصور أحمد ابن الشيخ والرئيس فهد فانفذا من قتله، فجاء الأمر من ألموت بقتل قاتله وإطلاق فهد، ومعه وصيه، وأمر أن يقرأها على الجماعة: وهو عهد عهدناه إلى الرئيس ناصر الدين سنان، وأمرناه بقراءته على سائر الرفاق، أعاذكم الله جميع الإخوان من اختلاف الآراء واتباع الأهواء، إذ ذاك فتنة الأولين وبلاء الآخرين، وفيه عبرة للمعتبرين، ومن تبرأ من أعداء الله وأعداء وليه ودينه عليه موالاة أولياء الله والاتحاد بالوحدة، سنة جامع الكلم كلمة الله والتوحيد والإخلاص لا إله إلا الله، عروة الله الوثقى وحبله المتين، ألا فتمسكوا به واعتصموا عباد الله الصالحين، فبه صلاح الأولين وفلاح الآخرين، اجمعوا آراءكم لتعليم شخص معين بنص من الله ووليه، فتلقوا ما يلقيه إليكم من أوامره ونواهيه بقبول! فلا -ورب العالمين- لا تؤمنون حتى تحكموه فيما شجر بينكم، ثم لا تجدوا في أنفسكم حرجا مما قضى وتسلموا تسليما! -فذلك الاتحاد به بالوحدة التي هي آية الحق المنجية من المهالك، المؤدية إلى السعادة السرمدية- إذ الكثرة علامة الباطل، المؤدية الشقاوة المخزية -والعياذ بالله من زواله وبالواحد من إلهة شتى، وبالوحدة من الكثرة، بالنص والتعليم من الأدواء والأهواء المختلفة، وبالحق من الباطل، وبالآخرة الباقية من الدنيا الملعونة الملعون ما فيها، إلا ما أريد به وجه الله، ليكون علمكم وعملكم خالصا لوجهه الكريم؛ يا قوم! إنما دنياكم ملعبة لأهلها، فتزودوا منها للأخرى، وخير الزاد التقوى- إلى أن قال: أطيعوا أميركم ولو كان عبدا حبشيا ولا تزكوا أنفسكم- انتهى.
وكان سنان أعرج بحجر وقع عليه من الزلزلة الكائنة في أيام نور الدين، فاجتمع أصحابه إليه وقالوا: نقتلك لترجع إلينا صحيحا، فإنا نكره أن تكون فينا أعرج! فقال: اصبروا علي! ليس هذا وقته، ولاطفهم وناساهم على ذلك.
وأما الدعوة النزارية: فهي نسبة إلى نزار بن المستنصر بالله معد بن الظاهر علي بن الحاكم العبيدي، وكان نزار قد بايع له أبوه، وبث الدعاة له في البلاد، منهم صباح الدعوة، وكان ذا سمت ووقار ونسك وذلق، فدخل الشأم والسواحل، فلم يتم له مراد. فتوجه إلى بلاد العجم وتكلم مع أهل الجبال والغتم والجهلة، وقصد قلعة ألموت، وهي حصينة وأهلها ضعاف العقول فقراء، وفيهم قوة، فقال لهم: نحن قوم زهاد نعبد الله في هذا الجبل ونشتري منكم نصف هذه القلعة بسبعة آلاف دينار! فباعوه إياها، وأقام بها هو وجماعته، فلما قوي استولى على الجميع، وبلغ عدة قومه ثلاث مائة ونيفا، واتصل بملك تلك الناحية أن ههنا قوما يفسدون عقائد الناس وهم في تزيد، فجاء إليهم ونزل عليهم، وأقبل على سكره ولذاته، فقال رجل من قوم صباح اسمه علي اليعقوبي: أي شيء لي عندكم إن أنا كفيتكم مؤونة هذا العدو؟ قالوا: نذكرك في تسابيحنا! قال: فنزل من القلعة ليلا، وقسم الناس أرباعا في نواحي العسكر، ورتب معهم طبولا، وقال: إذا سمعتم الصباح فاضربوا الطبول! ثم انتهز الفرصة من غرة الملك وهجم عليه فقتله، فصاح أصحابه، فقتل الخواص عليا، وضرب أولئك بالطبول فأرجفوا الجيش وهجموا على وجوههم وتركوا الخيام وما فيها، فنقلوا الجميع إلى القلعة، وصار لهم أموال وسلاح، واستفحل أمرهم.
وأما نزار فخافت عمته منه، فعاهدت أعيان الدولة على قتله وتولى أخوه الأمر، وصار أهل الألموت يدعون لنزار، وأخذوا قلعة أخرى وتسرع أهل الجبل من الأعجام إلى الدخول في دعوتهم وباينوا المصريين لكونهم قتلوا نزارا، وبنوا قلعة ثالثة واتسعت بلادهم، وأظهروا شغل الهجوم بالسكاكين على الملوك سنة اليعقوبي، فارتاع منهم الملوك وصانعوهم بالتحف والهدايا، وبعثوا داعيا من دعاتهم في الخمس مائة أو ما بعدها إلى الشأم يعرف بأبي محمد، فملك بعد أمور جرت له قلاعا من جبل السماق، وكانت في يد النصيرية، وقام بعده سنان هذا. ولما طال انتظار نزار على القوم الذين دعاهم صباح قال: إنه بين أعداء وبلاد شاسعة، ولا يمكنه السلوك، وقد عزم على القدوم خفية في بطن حامل ويجيء سالما ويستأنف الولادة. فرضوا بذلك. ثم إنه أحضر جارية مصرية قد أحبلها وقال: قد اختفى في بطن هذه! فأخذوا يعظمونها ويتخشعون، فولدت ولدا، فسماه حسنا.
فلما تسلطن خوارزم شاه محمد بن تكش وفخم أمره قصد بلادهم -وقد حكم عليهم بعد الصباح ابنه محمد، ثم بعده الحسن بن محمد بن صباح، فرأى الحسن من الحزم التظاهر بالإسلام، وذلك في سنة سبع وست مائة، فادعى أنه رأى عليا في النوم وقد أمره بإعادة شعار الإسلام من الصلاة والصيام والأذان وتحريم الخمر، وقال لقومه: أليس الدين لي؟ قالوا: بلى! قال: فتارة أرفع التكاليف وتارة أضعفها، فأطاعوه. فكتب بذلك إلى بغداد والنواحي وأدخل بلاده الفقهاء والمؤذنين، وجاء رسوله ونائبه صحبه رسول الخليفة الملك الظاهر إلى حلب بأن يقتل النائب الأول ويقيم هذا النائب له على القلاع التي لهم بالشأم، فأكرمهم الظاهر، وخلصوا بإظهارهم الإسلام من خوارزم شاه. ومن شعر سنان المذكور:
ألجأني الدهر إلى معشر | ما فيهم للخير مستمتع |
إن حدثوا لم يفهموا سامعا | أو حدثوا مجوا ولم يسمعوا |
تقدمي أخرني فيهم | من ذنبه الإحسان ما يصنع |
ما أكثر الناس وما أقلهم | وما أقل في القليل النجبا |
ليتهم إذ لم يكونوا خلقوا | مهذبين صحبوا مهذبا |
ياذا الذي بقراع السيف هددني | لا قام مصرع جنب أنت تصرعه |
قام الحمام إلى البازي يهدده | وكشرت لأسود الغاب أضبعه |
أضحى يسد فم الأفعى بإصبعه | يكفيه ماذا تلاقي منه إصبعه |
إن المنايا لا يطأن بمنسم | إلا على أكتاف أهل السؤدد |
فلئن صبرت وأنت سيد معشر | صبر وإن تجزع فغير مفند |
هذا التناصر باللسان وإن يكن | غير الحمام أتاك مني باليد |
لو كنت تعلم كل ما علم الورى | طرا لكنت صديق كل العالم |
لكن جهلت فصرت تحسب أن من | يهوى خلاف هواك ليس بعالم |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 15- ص: 0