التصنيفات

ابن الجصاص الجوهري التاجر اسمه: الحسين بن عبد الله يأتي ذكره في حرف الحاء في مكانه

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 11- ص: 0

ابن الجصاص الجوهري الحسين بن عبد الله بن الحسين، أبو عبد الله ابن الجصاص الجوهري.
كان من أعيان التجار ذوي الثروة الواسعة واليسار. ولما بويع لعبد الله بن المعتز بالخلافة وانحل أمره، وتفرق جمعه، وطلبه المقتدر، اختفى عند ابن الجصاص هذا، فوشى به خادم صغير لابن الجصاص، وصادره المقتدر على ستة آلاف ألف دينار.
قال ابن الجوزي: أخذوا منه ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار، عينا وورقا وقماشا وخيلا، وبقي له بعد المصادرة شيء كثير إلى الغاية من دور وقماش وأموال وضياع.
قال أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي، إذنا عن أبيه: حدثني أبو الحسين أحمد بن محمد بن جعلان، قال حدثني أبو علي أحمد بن الحسين بن عبد الله بن الجصاص الجوهري، قال: قال لي أبي: كان بدء إكثاري أنني كنت في دهليز حرم أبي الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وكنت أتوكل له ولهم، في ابتياع الجوهر وغيره مما يحتاجون، وما كنت أفارق الدهليز لاختصاصي بهم فخرجت إلي قهرمانة لهم في بعض الأيام، ومعها عقد جوهر، فيه مائتا حبة، لم أر قبله أفخر ولا أحسن منه، تساوي كل حبة منه مائة ألف دينار عندي، فقالت نحتاج أن نخرط هذه حتى تصغر، فتجعل لأربع عشرات اللعب، فكدت أن أطير، وأخذتها، وقلت: السمع والطاعة! وخرجت في الحال مسرورا، فجمعت التجار، ولم أزل أشتري ما قدرت عليه، إلى أن حصلت مائة حبة، أشكالا في النوع الذي قدرت عليه وأرادته، وجئت بها عشيا، وقلت: إن خرط هذا يحتاج إلى زمان وانتظار، وقد خرطنا اليوم ما قدرنا عليه، وهو هذا- فدفعت إليها المجتمع- وقلت: الباقي يخرط في أيام، فقنعت بذلك وارتضت الحب، وخرجت، فما زلت أياما في طلب الباقي حتى اجتمع، فحملت إليهم مائتي حبة، قامت علي بأثمان قريبة، تكون دون مائة ألف درهم أو حواليها، وحصلت جوهرا بمائتي ألف دينار، ثم لزمت دهليزهم، وأخذت لنفسي غرفة كانت فيه، فجعلتها مسكني، وكان يلحقني من هذا أكثر مما يحصى، حتى كثرت النعمة، وانتهيت إلى ما استفاض خبره.
وحكى ابن الجصاص قال: كنت يوم قبض على المقتدر، جالسا في داري وأنا ضيق الصدر، وكانت عادتي إذا حصل لي مثل ذلك أن أخرج جواهر كانت عندي في درج، معدة لمثل هذا، من ياقوت أحمر وأصفر وأزرق، وحبا كبارا، ودرا فاخرا، ما قيمته خمسون ألف دينار، وأضع ذلك في صينية، وألعب به فيزول قبضي، فاستدعيت بذلك الدرج، فأتي به بلا صينية، ففرغته في حجري، وجلست على صحن داري في بستان، في يوم بارد طيب الشمس، وهو مزهر بصنوف الشقائق والمنثور، وأنا ألعب بذلك، إذ دخل الناس بالزعقات والمكروه، فلما قربوا مني دهشت، ونفضت جميع ما كان في حجري من الجوهر، بين ذلك الزهر في البستان ولم يروه. وأخذت وحملت، وبقيت مدة في المصادرة والحبس.
وانقلبت الفصول على البستان، وجف ما فيه، ولم يفكر أحد فيه، فلما فرج الله عني، وجئت إلى داري، ورأيت المكان الذي كنت فيه، ذكرت الجوهر، فقلت: ترى بقي منه شيء. ثم قلت: هيهات! وأمسكت. ثم قمت بنفسي ومعي غلام يثير البستان بين يدي، وأنا أفتش ما يثيره، وآخذ منه الواحدة بعد الواحدة، إلى أن وجدت الجميع، ولم أفقد منه شيئا.
وكان ينسب إلى الحمق والبله؛ مما يحكى عنه، أنه قال في دعائه يوما: ’’اللهم اغفر لي من ذنوبي ما تعلم وما لا تعلم!’’.
ودخل يوما على ابن الفرات الوزير، فقال: يا سيدي عندنا في الحويرة كلاب لا يتركوننا ننام من الصياح والقتال. فقال الوزير: أحسبهم جراء. فقال: لا تظن أيها الوزير، لا تظن ذلك، كل كلب مثلي ومثلك.
ونظر يوما في المرآة، فقال لرجل آخر: انظر ذقني، هل كبرت أو صغرت. فقال: إن المرآة بيدك. فقال: صدقت، ولكن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب.
ورؤي وهو يبكي وينتحب، فقيل له: مالك؟ فقال: أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني، فلما قرأت في المصحف: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض} فقلت: ما أعظم قدرة الله، قد بين الله كل شيء حتى أكل اللبن مع الجواري.
وأراد مرة أن يدنو من بعض جواريه، فامتنعت عليه وتشاحت، فقال: ’’أعطي الله عهدا لا قربتك إلى سنة، لا أنا ولا أحد من جهتي’’.
وقال يوما: ’’قد خريت يدي، لو غسلتها ألف مرة لم تنظف حتى أغسلها مرتين’’.
وماتت أم أبي إسحاق الزجاج، فاجتمع الناس عنده للعزاء، فأقبل ابن الجصاص وهو يضحك ويقول: يا أبا إسحاق، والله سرني هذا، فدهش الزجاج والناس، فقال بعضهم: يا هذا كيف سرك ما غمه وغمنا له؟ قال: ويحك! بلغني أنه هو الذي مات، فلما صح عندي أنها أمه، سرني ذلك، فضحك الناس.
وكان يكسر يوما لوزا فطفرت لوزة وأبعدت فقال: ’’لا إله إلا الله! كل الحيوان يهرب من الموت حتى اللوز’’.
وقال يوما في دعائه: ’’اللهم إنك تجد من تعذبه غيري، وأنا لا أجد غيرك يغفر لي، فاغفر لي’’.
وقال يوما: ’’اللهم امسخني واجعلني جويرية، وزوجني بعمر بن الخطاب’’، فقال له زوجته: ’’سل الله أن يزوجك من النبي صلى الله عليه وسلم، إن كان لا بد لك من أن تبقى جويرية’’، فقال: ’’ما أحب أن أصير ضرة لعائشة رضي الله عنها’’.
وأتاه يوما غلامه بفرخ وقال: ’’انظر هذا الفرخ، ما أشبهه بأمه!’’ فقال: ’’أمه ذكر أو أنثى؟ ’’.
وبنى ابنه دارا وأتقنها، ثم أدخل أباه ليراها، وقال له: ’’انظر يا أبه، هل ترى فيها عيبا؟ ’’ فطاف بها، ودخل المستراح، واستحسنه ثم قال: ’’فيه عيب، وهو أن بابه ضيق لا تدخل منه المائدة’’.
وكتب إلى وكيل له، أن يحمل له مائة من قطنا، فحملها إليه فلما حلجت، استقل المحلوج، وكتب إليه، أن هذا لم يجئ منه إلا الربع، فلا تزرع بعدها قطنا إلا بغير حب، ويكون محلوجا أيضا’’.
وقال يوما لصديقه: ’’وحياتك الذي لا إله إلا هو’’.
وتردد إلى بعض النحويين ليصلح لسانه، فقال له بعد مدة: ’’الفرس بالسين أو بالصين؟ ’’.
وقال: ’’قمت البارحة إلى المستراح، وقد طفئ القنديل، فما زلت أتلمظ المقعدة حتى وجدتها’’.
وانبثق له كنيف فقال لغلامه: ’’بادر أحضر من يصلحه، لنتغدى به قبل أن يتعشى بنا’’.
وطلب يوما من البستاني الذي له، بصلا بخل، فأحضر إليه بصلا بلا خل فقال له: ’’لأي شيء ما تزرعه بخل؟ ’’.
والصحيح أنه كان يتظاهر بذلك؛ ليرى الوزراء منه هذا التغفل، فيأمنوه على أنفسهم إذا خلا بالخلفاء.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 12- ص: 0

ابن الجصاص الصدر الرئيس، ذو الأموال، أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن الجصاص البغدادي، الجوهري، التاجر، الصفار.
قال ابن طولون: لا يباع لنا شيء إلا على يد ابن الجصاص.
وعنه قال: كنت يوما في الدهليز، فخرجت قهرمانة معها مائة حبة جوهر، تساوي الحبة ألف دينار، فقالت: نريد أن نخرط هذا الحب حتى يصغر، فأخذته منها مسرعا، وجمعت سائر نهاري من الحب بمائة ألف درهم، الواحدة بألف، وأتيت به القهرمانة، وقلت: قد خرطنا هذا. يعني: فربح فيه -في يوم- بضعة وتسعين ألف دينار. ولما تزوج المعتضد بالله بقطر الندى بنت خمارويه صاحب مصر، نفذها أبوها مع ابن الجصاص في جهاز عظيم وتحف وجواهر تتجاوز الوصف، فنصحها ابن الجصاص، وقال: هذا شيء كثير، والأوقات تتغير، فلو أودعت من هذا؟ فقالت: نعم يا عم. وأودعته نفائس ثمينة، فاتفق أنها أدخلت على المعتضد، وكرمت عليه، وحملت منه، ثم ماتت في النفاس بغتة، وزادت أموال ابن
الجصاص إلى الغاية، ونظرت إليه الأعين، فلما كان في سنة اثنتين وثلاث مائة، قبض عليه المقتدر، وكبست داره، وأخذوا له من الذهب والجوهر ما قوم بأربعة آلاف ألف دينار.
وقال أبو الفرج في ’’المنتظم’’: أخذوا منه ما مقداره ستة عشر ألف ألف دينار عينا، وورقا، وخيلا، وقماشا، فقيل: كان جل ماله من بنت خمارويه.
وحكى بعضهم، قال: دخلت دار ابن الجصاص والقباني بين يديه يقبن سبائك الذهب.
قال التنوخي: حدثني أبو الحسين بن عياش، أنه سمع جماعة من ثقات الكتاب يقولون: إنهم حضروا مصادرة ابن الجصاص، فكانت ستة آلاف ألف دينار، هذا سوى ما أخذ من داره وبعدما بقي له.
قال التنوخي: لما صودر، كان في داره سبع مائة مزملة خيزران.
ويحكى عنه بله وتغفيل، مر به صديق، فقال له: كيف أنت؟ فقال ابن الجصاص: الدنيا كلها محمومة. وكان قد حم.
ونظر مرة في المرآة، فقال لصاحبه: ترى لحيتي طالت؟ فقال: المرآة في يدك. قال: الشاهد يرى ما لا يرى الغائب.
ودخل يوما على الوزير ابن الفرات، فقال: عندنا كلاب يحرموننا ننام. فقال الوزير: لعلهم جراء؟ قال: بل كل واحد في قدي وقدك.
ودعا، فقال: حسبي الله وأنبياؤه وملائكته، اللهم أعد من بركة دعائنا على أهل القصور في قصورهم، وعلى أهل الكنائس في كنائسهم.
وفرغ من الأكل، فقال: الحمد لله الذي لا يحلف بأعظم منه.
وكان مع الخاقاني في مركب وبيده كرة كافور، فبصق في وجه الوزير، وألقى الكافورة في دجلة، ثم أفاق واعتذر، وقال: إنما أردت أن أبصق في وجهك وألقيها في الماء، فغلطت فقال: كان كذلك يا جاهل.
قال التنوخي: حدثنا جعفر بن ورقاء الأمير، قال: اجتزت بابن الجصاص وكان مصاهري، فرأيته على حوش داره حافيا حاسرا، يعدو كالمجنون، فلما رآني، استحيى، فقلت: مالك؟ قال: يحق لي، أخذوا مني أمرا عظيما. فسلمته، وقلت: ما بقي يكفي، وإنما يقلق هذا القلق من يخاف الحاجة، فاصبر حتى أبين لك غناك. قال: هات. قلت: أليس دارك هذه بآلتها وفرشها لك؟ وعقارك بالكرخ وضياعك؟ قال: بلى. فما زلت أحاسبه حتى
بلغ قيمة سبع مائة ألف دينار، ثم قلت: واصدقني عما سلم لك. فحسبناه، فإذا هو بثلاث مائة ألف دينار، قلت: فمن له ألف ألف دينار ببغداد؟! هذا وجاهك قائم، فلم تغتم؟ فسجد لله، وحمده، وبكى، وقال: أنقذني الله بك، ما عزاني أحد بأنفع من تعزيتك، ما أكلت شيئا منذ ثلاث، فأقم عندي لنأكل ونتحدث. فأقمت عنده يومين.
قال التنوخي: اجتمعت بأبي علي -ولد ابن الجصاص- فسألته عما يحكى عن أبيه من أن الإمام قرأ: {ولا ضالين}، فقال: إي لعمري، ’’بدلا من آمين’’.
وأنه أراد أن يقبل رأس الوزير، فقال: إن فيه دهنا. فقال: أقبله ولو كان فيه خرا.
وأنه وصف مصحفا عتيقا، فقال: كسروي؟ فقال: غالبه كذب، وما كانت فيه سلامة تخرجه إلى هذا، كان من أدهى الناس، ولكن كان يفعل بحضرة الوزير، وكان يحب أن يصور نفسه ببله ليأمنه الوزراء لكثرة خلوته بالخلفاء. فأنا أحدثك بحديث: حدثني أبي أن ابن الفرات لما وزر، قصدني قصدا قبيحا كان في نفسه علي، وبالغ، وكان عندي ذلك الوقت سبعة آلاف ألف دينار، عينا وجوهرا، ففكرت، فوقع لي الرأي في السحر، فمضيت إلى داره، فدققت، فقال البوابون: ماذا وقت وصول إليه؟ فقلت: عرفوا الحجاب أني جئت لمهم. فعرفوهم، فخرج إلي حاجب، فقال: إلى ساعة. فقلت: الأمر أهم من ذلك فنبه الوزير، ودخلت وحول سريره خمسون نفسا حفظة وهو مرتاع، فرفعني، وقال: ما الأمر؟ قلت: خير، هو أمر يخصني. فسكن، وصرف من حوله، فقلت: إنك قصدتني، وشرعت يا هذا تؤذيني، وتتفرغ لي، وتعمل في هلاكي، ولعمري لقد أسأت في خدمتك، ولقد جهدت في استصلاحك، فلم يغن، وليس شيء أضعف من الهر، وإذا عاث في دكان الفامي، فظفر به، ولزه، وثب وخمش، فإن صلحت لي وإلا -والله- لأقصدن الخليفة، وأحمل إليه ألفي ألف دينار، وأقول: سلم ابن الفرات إلى فلان وأعطه الوزارة، فيفعل، ويعذبك، ويأخذ منك في قدرها، ويعظم قدري بعزلي وزيرا وإقامتي وزيرا. فقال: يا عدو الله! وتستحل هذا؟ قلت: أنت أحوجتني، وإلا فاحلف لي الساعة على إنصافي. فقال: وتحلف أنت كذلك: وعلي حسن الطاعة والمؤازرة؟ قلت: نعم. فقال: لعنك الله يا إبليس، لقد سحرتني. وأخذ دواة، وعملنا نسخة اليمين، وحلفته أولا، ثم قال: يا أبا عبد الله! لقد عظمت في نفسي، ما كان المقتدر عنده فرق بين كفاءتي وبين أصغر كتابي مع الذهب، فاكتم ما جرى. فقلت: سبحان الله! ثم قال: تعال غدا، فسترى ما أعاملك به. فعدت إلى داري، وما طلع الفجر. فقال: ابنه أفهذا فعل من يحكى عنه تلك الحكايات؟ قلت: لا.
قلت: لعل بهذه الحركة أضمر له الوزير الشر، فنسأل الله السلامة.
توفي ابن الجصاص في شوال، سنة خمس عشرة وثلاث مائة، وقد أسن.
ابن خاقان وابن الفرات:

  • دار الحديث- القاهرة-ط 0( 2006) , ج: 11- ص: 287