الطمع أشعب بن جبير، يعرف بابن حميدة المدني الذي يضرب به المثل في الطمع، روى عن عكرمة وأبان بن عثمان وسالم بن عبد الله، وروى عنه معدي بن سليمان وأبو عاصم النبيل وغيرهما، وله النوادر المشهورة. قال: حدثنا عكرمة عن ابن عباس قال: لله على العبد نعمتان، ثم سكت فقيل له: اذكرهما! قال: الواحدة نسيها عكرمة والأخرى نسيتها أنا. وهو خال الأصمعي.
قال يوما: ابغوني امرأة أتجشأ في وجهها فتشبع وتأكل فخذ جرادة فتنتخم. وأسلمته أمه في البزازين فقال لها يوما: تعلمت نصف الشغل. قالت: وما هو؟ قال: تعلمت النشر وبقي الطي. وقيل له: ما بلغ بك من الطمع؟ قال: ما زفت امرأة بالمدينة إلا كنست بيتي رجاء أن تهدي إلي. ومر برجل يعمل طبقا فقال: وسعه فربما يهدون لنا فيه شيئا. وقيل: من عجائب أمره أنه لم يمت شريف قط بالمدينة إلا استعدى على وصيته أو على وارثه. وقال: احلف أنه لم يوص لي بشيء قبل موته! وكان زياد بن عبد الله الحارثي على شرطة المدينة وكان مبخلا على الطعام، فدعا أشعب في شهر رمضان ليفطر عنده، فقدمت إليه أول ليلة مصلية معقودة وكانت تعجبه، فأمعن فيها أشعب وزياد يلمحه، فلما فرغوا من الأكل قال زياد: ما أظن لأهل السجن إماما يصلي بهم في هذا الشهر فليصل بهم أشعب! فقال أشعب: أو غير ذلك، أصلحك الله. قال: وما هو؟ قال: أن لا أذوق مصلية أبدا. فخجل زياد وتغافل عنه.
وقال أشعب: جاءتني جارية بدينار وقالت: هذا وديعة عندك. فجعلته بين ثني الفراش، فجاءت بعد أيام وقالت: الدينار! فقلت: ارفعي الفراش وخذي ولده! وكنت تركت إلى جانبه درهما، فتركت الدينار وأخذت الدرهم، وعادت بعد أيام فوجدت معه درهما آخر فأخذته، وعادت في الثالثة كذلك، فلما رأيتها في الرابعة تباكيت، فقالت: ما يبكيك؟ فقلت: مات دينارك في النفاس. فقالت: وكيف يكون للدينار نفاس؟ فقلت: يا فاسقة، تصدقين بالولادة ولا تصدقين بالنفاس؟
وسأل سالم بن عبد الله بن عمر أشعب عن طعمه فقال: قلت لصبيان مرة: اذهبوا، هذا سالم قد فتح بيت صدقة عمر حتى يطعمكم تمرا. فلما مضوا ظننت أن الأمر كان كما قلت لهم، فعدوت في أثرهم. وقيل له: ما بلغ طمعك؟ قال: أرى دخان جاري فأثرد. وقيل له أيضا ذلك فقال: ما رأيت اثنين يتساران إلا ظننت أنهما يأمران لي بشيء. وجلس يوما في الشتاء إلى رجل من ولد عقبة ابن أبي معيط، فمر به حسن بن حسن فقال له: ما يقعدك إلى جانب هذا؟ قال: أصطلي بناره. ولما مات ابن عائشة المغني جعل أشعب يبكي ويقول: قلت لكم زوجوا ابن عائشة المغني من الشماسية حتى يخرج بينهما مزامير داود فلم تفعلوا، ولكن لا يغني حذر من قدر.
ولما أخرجت جنازة الصريمية المغنية كان أشعب جالسا مع نفر من قريش فبكى عليها وقال: اليوم ذهب الغناء كله. وترحم عليها، ثم مسح عينيه والتفت إليهم وقال: وعلى ذلك فقد كانت الزانية شر خلق الله! فضحكوا وقالوا: يا أشعب، ليس بين بكائك عليها وبين لعنك لها فرق؟ قال: نعم، كنا نجيئها الفاجرة بكبش إذا أردنا أن نزورها فتطبخ لنا في دارها ثم لا تعشينا إلا بسلق. وجاز به يوما سبط لابن سريج، فوثب إليه وحمله على كتفه وجعل يرقصه ويقول: فديت من ولد على عود واستهل بغناء وحنك بملوى وقطعت سرته بزير وختن بمضراب. وتبع امرأة يوما فقالت له: ما تصنع بي ولي زوج؟ قال: تسري بي، فديتك! وقيل له: أرأيت أطمع منك؟ قال: نعم، كلب أم حومل، تبعني فرسخين وأنا أمضغ كندرا، ولقد حسدته على ذلك. وخفف الصلاة مرة فقال له بعض أهل المسجد: خففت الصلاة جدا. فقال: إنها صلاة لم يخالطها رياء. وقال له رجل كان صديق أبيه: كان أبوك عظيم اللحية، فمن أشبهت أنت؟ قال: أشبهت أمي. وقيل له: هل رأيت أطمع منك؟ قال نعم، خرجت إلى الشأم مع رفيق لي فنزلنا بعض الديارات، فتلاحينا فقلت: أير هذا الراهب في حر أم الكاذب! فلم نشعر إلا بالراهب قد اطلع علينا وقد أنعظ وقال: أيكما الكاذب؟.
وقال له رجل يوما: ضاع معروفي عندك. قال: لأنه جاء من غير محتسب ثم وقع عند غير شاكر. وكان أشعب لا يغيب عن طعام سالم بن عبد الله بن عمر، فاشتهى سالم يوما أن يأكل مع بناته فخرج إلى بستان فخبر أشعب بالقصة، فاكترى جملا بدرهم، فلما حاذى حائط البستان وثب عليه فصار عليه، فغطى سالم بناته بثوبه وقال: بناتي! فقال أشعب: إنك لتعلم {ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد}. ويقال: إن أم أشعب بغت فضربت وحلقت وحملت على عير يطاف بها وهي تقول: من رآني فلا يزنين! فأشرفت عليها ظريفة من أهل المدينة فقالت لها: إنك إذا لمطاعة، نهانا الله عنه فما قبلنا، ندعه لقولك. وقال يوما رجل لأشعب: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما سألتني عن هذا إلا وقد خبأت لي شيئا تعطيني إياه.
وقيل: هو من موالي عثمان. وقيل: ولاؤه لسعيد بن العاص الأموي. وقيل: هو مولى فاطمة بنت الحسين. وقيل: مولى ابن الزبير. وتوفي سنة أربع وخمسين ومائة. وولد سنة تسع من الهجرة فعمر دهرا طويلا. وامرأته بنت وردان الذي بنى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين هدم الوليد بن عبد الملك المسجد على يد عمر بن عبد العزيز. وكان أشعب قد تعبد وقرأ القرآن وتنسك وكان حسن الصوت بالقراءة. وكان ربما صلى بهم في المسجد. وهو خال الواقدي. وقد أسند عن أبان وغيره، وقد روى عنه غياث بن إبراهيم القرشي ومعدي بن سليمان وأبو لبابة وعثمان بن فائد.
وقال سليمان الشاذكوني: كان لي ابن في المكتب وأشعب جالس عند المعلم فقرأ {إن أبي يدعوك} فقام أشعب ولبس نعليه وقال: امش بين يدي! فقال: إنما أقرأ حزبي. فقال: قد علمت أنك لا تفلح لا أنت ولا أبوك.
قال المدائني: قال أشعب: تعلقت بأستار الكعبة وقلت: اللهم، أذهب الحرص عني! فمررت بالقرشيين وغيرهم فلم يعطني أحد شيئا، فجئت إلى أمي فقلت ذاك لها فقالت: والله، لا تدخل بيتي أو ترجع فتستقبل الله تعالى. فرجعت فقلت: يا رب، قد سألتك أن تخرج الحرص من قلبي، فأقلني! ثم رجعت فلم أمر بمجلس فيه قريش ولا غيرهم إلا سألتهم وأعطوني، ووهب لي غلام، فجئت إلى أمي بحمار موقر فقالت: ما هذا؟ فخفت إن أعلمتها أن تموت فقلت: وهبوا لي غين. قالت: ويلك وما غين؟ قلت: لام. قالت: وما لام؟ قلت: ألف. قالت: وأي شيء ألف؟ قلت: ميم. قالت: وأي شيء ميم؟ قلت: غلام، وسقطت مغشيا عليها. ولو سميته أول سؤالها لماتت. ورأى على عبد الله بن عمر كساء فقال: سألتك بوجه الله إلا أعطيتني هذا الكساء. فرمى به إليه. وكان يقول: حدثني عبد الله بن عمر وكان يبغضني. وكان أشعب مجيدا في الغناء، وذكره إبراهيم الرقيق في كتاب الأغاني له وذكر جملة من أخباره وغنائه.
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 9- ص: 0