تاج الدين ابن الأثير أحمد بن سعيد بن محمد الصاحب تاج الدين بن شرف الدين بن شمس الدين بن الأثير الحلبي الموقع كاتب السر، توفي بغزة ذاهبا إلى القاهرة في شوال سنة إحدى وتسعين وست مائة، وكان كبير القدر عديم الشر وبيت ابن الأثير هؤلاء غير بيت ابن الأثير بالموصل. ولي كتابة السر بعد فتح الدين ابن عبد الظاهر شهرا ولحقه إلى الله تعالى ثم ولي ابنه عماد الدين إسماعيل ثم طلب القاضي شرف الدين عبد الوهاب بن فضل الله وصرف عماد الدين إلى التوقيع عند النواب. وباشر الإنشاء في الأيام الظاهرية وأنشده الأمير عز الدين أيدمر أول اجتماعه به ولم يكن يعلم اسمه ولا اسم أبيه قول الشاعر:
كانت مساءلة الركبان تخبرني | عن أحمد بن سعيد أطيب الخبر |
حتى التقيا فلا والله ما سمعت | أذني بأحسن مما قد رأى بصري |
فقال له تاج الدين: يا مولانا أتعرف أحمد بن سعيد؟ فقال: لا، فقال: المملوك أحمد بن سعيد. كتب إليه القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر من حلب كتابا فأجاب القاضي تاج الدين: يقبل اليد المحيوية المجنوبة إلى كل قبلة، المحتوية على الكرم الذي هو للكرام قبلة، لا زالت مخصوصة بفضيلة الإعجاز، والبلاغة التي كل حقيقة لديها مجاز، والإحسان لا إحسان الذي يظن الإطناب والإسهاب في شكره وذكره من الإيجاز، وينهي ورود مشرفته التي أخذت البلاغة فيها زخرفها، وأشبهت الروضة الأنف منها أحرفها، وأبانت عن معجزات البراعة، ومثلت كيف ينفث السحر في تلك اليراعة، وأبانت مجاري، وأفردته بالرتبة التي لا يصل إليها زيد ولا عمرو، وعلمته كيف يكون الإنشاء، وإن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، ووقف المملوك عليها وقوف من أقحمه الحصر، وتطاول لمباراته فيها ولم يطل من بباعه قصر، واستقدم قلمه جوابها فأحجم، واستنطق لسانه ليعرب عن وصفها فأعجم، وقال لحسنها الذي استرق القلوب: ملكت فأسجح، وبلغ الغاية في عذر نفسه ومبلغ نفس عذرها مثل منجح، ومن أين لأحد مثل تلك البديهة المتسرعة، والروية التي هي عن كل ما يتجنب متورعة، والمعاني التي تولد منها أبكار، أو الغرائب التي لا يقبل الدر من بحرها إلا كبار، أو الخاطر الذي يستجدي الفضلة من سماحته، واللسان الذي يخرس الفصحاء عند فصاحته، والقلم الذي هو مفتاح الأقاليم، والطريق الذي من دل فيه ضل ولو أنه عبد الحميد أو ابن العميد أو عبد الرحيم، والألفاظ التي تشرق بها أنوار المعاني فكأنها ليلة المقمرة، واليد التي إن لم تكن الأقلام بها مورقة فإنها مثمرة، ومولانا حرس الله مجده قد أوتي ملك البيان، واجتمع له طاعة القلم واللسان، فخطب الأقلام، بحمده على منابر الأعلام، وقد أخذت له البيعة بالتقدم على كل فاضل، ولو كان الفضل، وأصبح محله منها الأسنى، وأسماؤه فيها الحسنى، وجاء من المحاسن بكل ما تزهى به الدول، وأصبحت طريقته في الفنون كلمة الإسلام في الملل، وعرف بالإشارة في حلب ما صنعت فيه الأيام، وما أشجاه من ربعها الذي لم تبق فيه بشاشة بشام، ووقوف مولانا في أطلالها، وملاحظته الآثار التي أعرضت السعادة عنها بعد إقبالها، وتفجعه في دمنها، وتوجعه لتلك المحاسن التي أخذت من مأمنها، وإنه وجدها وقد خلت من عراصها، وزمت للنوى قلاصها، وغربانها في رسومها ناعية، وأيدي الرزايا بها لاعبة.
فلم يدر رسم الدار كيف يجيبنا | ولا نحن من فرط الأسى كيف نسأل |
فنشكر الله بوقفه على تلك الدمن، رقته التي قابل بها جفوة الزمن، ورأى له هذا العهد الذي تمسكت الآن منه بحسب، ورعى له حق الذي جرى فقضى للربع ما وجب، وشاق المملوك توقفه في رسومها، واسترواحه بنسيمها، وسقياها بدمعه، وتجديد العهد بمغناها الذي كان يراه بطرفه فأصبح يراه بسمعه، ولقد يعلم الله أن الأحلام ما مثلتها العين إلا تأرقت، ولا ذكرتها النفس إلا تمزقت، ولا تخيلتها فكرته إلا استقرت على حال من القلق، ولا تمثلتها أمانيه إلا وأمست مطايا دمعه في السبق.
ما قلت إيه بعدة المتسامريـ | ـن الناس إلا قال دمعي آها |
على أنه قد أصبح من ظل مولانا في وطن، وأنساه أنه من ظعن ومن قطن، ومشرف بخدمته التي تعلي لمن خدمها منارا، واستعار من الأيام الذي أخذت منه درهما وأعاضته عنه دينارا، وأصبح لي عن كل سفل، به شغل، وأما الأشواق:
فسل فؤادك عني | يخبرك ما كان مني |
فما ذكرت حبيبا | إلا وذلك أعني |
ولو أني استطعت غمضة طرفي، ووصفت ما عسى أن أصف من الشوق كان الأمر فوق وصفي:
وإني في داري وأهلي كأنني | لبعدك لا دار لدي ولا أهل |
وعرف المملوك الإشارة إلى هذه السفرة ومتاعبها، والطرق ومصاعبها، والثلوج التي شابت منها مفارق الجبال، والمفاوز التي تهيب المسرى بها طيف الخيال، والمرجو من الله تعالى أن تكون العقبى منها مأمونة، والسلامة فيها مضمونة، وكأن مولانا بالديار وقد دنت، وبالراحة وقد أنت، والتهاني وقد شرفت بورودها هاتيك الرحاب، والرياض وقد أبدت من محاسن حسناتها ما يكفر ذنب السحاب، والأنس قد أمسى وهو مجتمع القوى، والرحلة وقد ألقت عصاها واستقرت بها النوى.
قلت: وانظر إلى هذا السجع المصقول والقرائن التي تمكنت قوافيها واطمأنت وهذا الإنشاء وما فيه من المنظوم وإيراده هذه الأبيات في أماكنها التي كأنها لم تقل إلا في هذا الموطن، وتأمل هذه الفقر كيف يغلب الوزن على أكثرها وهذه غاية المنشئ البليغ وليس وراء هذه غاية ولكنه كانت وريته جيدة وليس له بديهة فهو يبطئ ولا يخطئ، وقد تقدم ذكره في ترجمة فخر الدين ابن لقمان، وكان تاج الدين ممن كتب للناصر ابن العزيز صاحب الشام، كتب له كتابا إلى هولاكو على يد ولده وقد جهزه بتحف إلى أردو هولاكو، وكان كتابا حسنا جاء فيه عند ذكر الوليد ما قال الشاعر:
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها | والجود بالنفس أقصى غاية الجود |
فلما عرضه على الناصر قال: هذا حسن، وقلت هاهنا ما قاله ابن حمدان:
فدى نفسه بابن عليه كنفسه | وفي الشدة الصماء تفنى الذخائر |
وقد يقطع العضو النفيس لغيره | وتدحر بالأمر الكبير الكبائر |
فأقر له بالإحسان.