الغزي أبو إسحاق الشاعر
الغزي أبو إسحاق الشاعر
من آلة الدست لم يعط الوزير سوى | تحريك لحيته في حال إيماء |
فهو الوزير ولا أزر يشد به | مثل العروض لها بحر بلا ماء |
قالوا: هجرت الشعر، قلت: ضرورة | باب الدواعي والبواعث مغلق |
خلت الديار فلا كريم يرتجى | منه النوال ولا مليح يعشق |
ومن الرزية أنه لا يشترى | ويخان فيه مع الكساد ويسرق |
وأغن أصدق في صفات جماله | لكن وعد وصاله لا يصدق |
راجعت فيه الشعر كهلا بعدما | باينته ولماء وجهي رونق |
ولئن فقدت به كريما يرتجى | فلقد وجدت به مليحا يعشق |
أمط عن الدرر الزهر اليواقيتا | واجعل لحج تلاقينا مواقيتا |
فثغرك اللؤلؤ المبيض لا الحجر الـ | ـمسود لاثمه يطوي السباريتا |
قابلت بالشنب الأجفان مبتسما | فطاح عن ناظريك السحر منكوتا |
فكان فوك اليد البيضاء جاء بها | موسى وجفناك هاروتا وماروتا |
جمعت ضدين كان الجمع بينهما | لكل جمع من الألباب تشتيتا |
جسما من الماء مشروبا لأعيننا | يضم قلبا من الأحجار منحوتا |
ونشر ذكراك أذكى الطيب رائحة | ونور وجهك رد البدر مبهوتا |
فضحت بالغيد الغزلان ملتفتا | ولم يكن عن حماك الأسد ملفوتا |
عذرت طيفك في هجري وقلت له | لو استطعت إلينا في الكرى جينا |
عجبت لعين أروت السفح بالسفح | وقلت لها شحي فقال الجوى سحي |
ومن ليلة دهماء فازت بغرة | من البدر لم ترزق حجولا من الصبح |
كأن صغار الشهب فوق ظلامها | لآلئ غواص نثرن على مسح |
كأن السهى جسمي فليس بشاهد | ولا غائب من شدة السقم البرح |
كأن سهيلا رعدة وتباعدا | غريق جبان يدعي قوة السبح |
كأن الدجا يخشى فرار نجومه | فقد سد ألقام الأساليب بالملح |
في روضة قرن النهار نجومها | بسنا ذكاء فزادهن توقدا |
وانجر فوق غديرها ذيل الصبا | سحرا فأصبحت الصفيحة مبردا |
وكأنما كمد الغيوم يسرها | وبكاؤهن اليوم يضحكها غدا |
حل الهوى بمكان الروح من جسدي | فكيف يدركه ما جال في خلدي |
أم كيف أنعته والحب مختلف | كالبحر متصف بالدر والزبد |
مهاك يا عقد الوعساء أعينها | ممن تعلمن هذا النفث في العقد |
رياض حسن إذا مر النسيم بها | تلبد الورد في ظل من النجد |
هبت لنا، وبرود الليل أسمال | صبا لها من جيوب الغيد أذيال |
مرت على شيخ نجد وهو متشح | بلؤلؤ الطل والجرباء معطال |
حتى أتتنا وفي أعطافها بلل | يهدي لكل مريض منه إبلال |
والنفس بين تباريح الجوى نفس | والوصل تحت سيوف الهجر أوصال |
وقالوا: الكمال به نقرس | فقلت: العنا على عقله |
تشنج كفيه يوم الندى | تعدى فدب إلى رجله |
بجمع جفنيك بين البرء والسقم | لا تسفكي من جفوني بالفراق دمي |
إشارة منك تكفيني وأفصح ما | رد السلام غداة البين بالعنم |
قد يركب الأمر الماشي فيحمله | ويسمع الأسطر القاري بلا نغم |
تعليق قلبي بذاك القرط يؤلمه | فليشكر القرط تعليقا بلا ألم |
تضرمت جمرة في ماء وجنتها | والجمر في الماء خاب غير مضطرم |
وما نسيت ولا أنسى تبسمها | وملبس الجو غفل غير ذي علم |
حتى إذا طاح عنها المرط عن دهش | وانحل بالضم عقد السلك في الظلم |
تبسمت فأضاء الجو فالتقطت | حبات منتثر في ضوء منتظم |
لو زارنا طيف ذات الخال أحيانا | ونحن في حفرة الأجداث أحيانا |
سرى به الشوق من عسفان معتسفا | فجاء من قهوة الإسآد نشوانا |
يقول أنت امرؤ جاف مغالطة | فقلت لا هومت أجفان أجفانا |
همومي في فراق إمام غزه | هموم كثير لفراق عزه |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 6- ص: 0