ابن قلاوون السلطان الأعظم الملك الناصر محمد بن قلاوون السلطان الأعظم الملك الناصر ناصر الدين أبو الفتح محمد ان السلطان الملك المنصور سيف الدين قلاوون الصالحي.
ولد الملك الناصر سنة أربع وثمانين ووالده المنصور على حصن المرقب محاصرا، وتوفي يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة احدى وأربعين وسبع مائة، ودفن ليلة الخميس بالمدرسة المنصورية بين القصرين، وأنزل على والده.
كان ملكا عظيما دانت له العباد وملوك الأطراف بالطاعة.
ولما قتل أخوه الملك الأشرف خليل على ما سيأتي إن شاء الله تعالى في ترجمته في عاشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وست مائة وقتل من قتل من قاتليه وقع الاتفاق بعد قتلة بيدرا أن يكون السلطان الملك الناصر أخوه هو السلطان وزين الدين كتبغا هو النائب والأمير علم الدين الشجاعي هو الوزير وأستاذ الدار واستقر ذلك.
ووصل إلى دمشق الأمير سيف الدين ساطلمش والأمير سيف الدين بهادر التتري على البريد في رابع عشرين المحرم ومعهما كتاب من الأشرف مضمونه: أننا استنبنا أخانا الملك الناصر ناصر الدين محمدا وجعلناه ولي عهدنا حتى إذا توجهنا إلى لقاء العدو يكون لنا من يخلفنا، فحلف الناس على ذلك وخطب الخطيب ودعا للسلطان الملك الأشرف ثم دعا لولي عهده الملك الناصر أخيه وكان ذلك تدبيرا من الشجاعي.
وفي ثاني يوم ورد مرسوم من مصر بالحوطة على موجود بيدرا ولاجين وقراسنقر وطرنطاي الساقي وسنقرشاه وبهادر رأس نوبة.
وظهر الخبر بقتل السلطان الملك الأشرف واتفاق الكلمة على سلطنة الملك الناصر أخيه.
واستقل زين الدين كتبغا نائبا والشجاعي مدبر الدولة وقبض على جماعة من الأمراء الذين اتفقوا على قتلة الأشرف وهم: الأمير سيف الدين نوغاي وسيف الدين الناق وعلاء الدين الطنبغا الجمدار وشمس الدين آقسنقر مملوك لاجين وحسام الدين طرنطاي الساقي ومحمد خواجا وسيف الدين اروس، وكان ذلك في خامس صفر، فأمر السلطان الملك الناصر بقطع أيديهم وتسميرهم أجمعين، وطيف بهم مع رأس بيدرا ثم ماتوا إلى العشرين من صفر فبلغ كتبغا أن الشجاعي قد عامل الناس في الباطن على قتله.
فلما كان خامس عشرين صفر ركب كتبغا في سوق الخيل وقتل بسوق الخيل أمير يقال له البندقداري لأن جاء إلى كتبغا وقال له: اين حسام الدين؟ أحضره! فقال ما هو عندي، فقال: بل هو عندك ومد يده إلى سيفه ليسله فضربه بلبان الأزرق مملوك كتبغا بالسيف وحل كتفه، ونزل مماليك كتبغا فأنزلوه وذبحوه في سوق الخيل.
ومال العسكر من الأمراء والمقدمين والتتار والأكراد إلى كتبغا ومال البرجية وبعض الخاصكية إلى الشجاعي لأنه أنفق فيهم في يوم ثمانين ألف دينار وقرر أن كل من أحضر رأس أمير كان إقطاعه له.
وحاصر كتبغا القلعة وقطع الماء عنها فنزل البرجية ثاني يوم من القلعة على حمية وقاتلوا كتبغا وهزموه إلى بئر البيضاء، فركب الأمير بدر الدين البيسري وبدر الدين بكتاش أمير سلاح وبقية العسكر نصرة لكتبغا وردوهم وكسروهم إلى أن أدخلوهم القلعة وجدوا في حصارها فطلعت الست والدة السلطان الملك الناصر إلى أعلى السور وقالت: إيش المراد؟ فقالوا: ما لنا غرض غير إمساك الشجاعي، فاتفقت مع الأمير حسام الدين لاجين الأستاذ دار وأغلقوا باب القلة وبقي الشجاعي في داره محصورا، وتسرب الأمراء الذين معه واحدا بعد واحد ونزلوا إلى كتبغا فطلب الشجاعي الأمان فطلبوه إلى الست وإلى حسام الدين لاجين أستاذ الدار ليستشيروه فيما يفعلونه فلما توجه إليهم ضربه الأقوش المنصوري بالسيف قطع يده ثم ضربه أخرى برا رأسه ونزلوا برأسه إلى كتبغا، وجرت أمور وأغلقت أبواب القاهرة خمسة أيام ثم طلع كتبغا إلى القلعة سابع عشرين صفر ودقت البشائر وفتحت الأبواب وجددت الأيمان والعهود للسلطان الملك الناصر وأمسك جماعة من البرجية كانوا مع الشجاعي.
وجاء الخبر إلى دمشق ثالث شهر ربيع الأول بقتل الشجاعي والحوطة على ما يتعلق به وخطب الخطيب يوم الجمعة حادي عشرين ربيع الأول للسلطان الملك الناصر استقلالا بالملك وترحم على أبيه المنصور وأخيه الأشرف.
وفي عشرين شهر رجب ورد البريد من مصر بالحلف للسلطان الملك الناصر وأن يقرن معه في الأيمان كتبغا، وخطب الخطيب بالدعاء للسلطان ولولي عهده الأمير زين الدين كتبغا.
وفي سلخ رجب ورد البريد بأن السلطان الملك الناصر ركب في أبهة الملك وشعار السلطنة ركب وشق القاهرة دخل من باب النصر وخرج من باب زويلة عائدا إلى القلعة وزين الدين كتبغا والأمراء يمشون في ركابه، وفرح الناس بذلك ودقت البشائر.
ولم يزل مستمرا في الملك إلى حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين فتسلطن زين الدين كتبغا وتسمى بالملك العادل، وحلف له الأمراء بمصر والشام وزينت له البلاد ودقت البشائر.
وجعل أتابكه الأمير حسام الدين لاجين وتولى الوزارة الصاحب فخر الدين عمر بن الخليلي وصرف تاج الدين ابن حنى.
وحصل الغلاء الزائد المفرط في أيامه حتى بلغ الإردب بمصر إلى مائة وعشرين درهما والرطل اللحم بالدمشقي بسبعة دراهم والرطل اللبن بدرهمين والبيض ست بيضات بدرهم ورطل الزيت بثمانية دراهم ولم يكن الشام مرخصا وتوقفت الأمطار وفزع الناس.
وذلك في سنة خمس وتسعين وست مائة وتبع ذلك وباء عظيم وفناء كبير ثم إن الغلاء وقع بالشام وبلغت الغرارة مائة وثمانين درهما.
ثم قدم الملك العادل كتبغا إلى دمشق بالعساكر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، ولما عاد العادل إلى مصر من نوبة حمص وكان في سلخ المحرم سنة ست وتسعين فلما كان بوادي فحمة قتل حسام الدين لاجين الأمير سيف الدين بتخاص وبكتوت الأزرق العادليين وكانا عزيزين على العادل، فلما رأى العادل الهوشة خاف على نفسه فركب فرس النوبة وساق ومعه خمسة مماليك ووصل إلى دمشق العصر ونزل بالقلعة.
وساق حسام الدين لاجين بالخزائن وركب في دست الملك وبايعه الجيش ولم يختلف عليه اثنان، وتسمى بالمنصور وخطب له بالقدس وغزة وجاء الخبر إلى دمشق بأن صفد زينت وضربت البشائر بها وبالكرك ونابلس.
ووصل كجكن والأمراء من الرحبة فلم يدخلوا دمشق ونزلوا بالقرب من مسجد القدم، وأظهر كجكن سلطنة المنصور حسام الدين لاجين فتحقق العادل زوال ملكه وأذعن له بالطاعة واجتمع الأمراء وحلفوا للمنصور.
وفي مستهل ربيع الأول سنة ست وتسعين خطب للمنصور بدمشق واستناب بمصر الأمير شمس الدين قراسنقر ثم قبض عليه واستناب مملوكه منكوتمر وجعل الأمير سيف الدين قبجق نائبا بدمشق.
وجهز السلطان الناصر إلى الكرك وقال له المنصور: لو علمت أنهم يخلون الملك لك والله لتركته ولكنهم لا يخلونه لك وأنا مملوكك ومملوك والدك أحفظ لك الملك وأنت الآن تروح إلى الكرك إلى أن تترعرع وترتجل وتتخرج وتجرب الأمور وتعود إلى ملكك بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة فيها، فقال له السلطان الملك الناصر: فاحلف لي أن تبقي علي نفسي وأنا أروح، وحلف كل منهما على ما أراده الآخر.
ولما توجه إلى الكرك أقام بها إلى أن قتل المنصور حسام الدين لاجين في شهر ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين وست مائة على ما يذكر في ترجمته.
وحلف الأمراء للسلطان الملك الناصر وأحضروه من الكرك وملكوه وهذه سلطنته الثانية.
واستقر في النيابة بمصر الأمير سيف الدين سلار وفي الأتابكية حسام الدين لاجين أستاذ دار. وفي جمادى الأولى من السنة ركب السلطان الملك الناصر بالقاهرة في دست الملك والتقليد الحاكمي وعمره يومئذ خمس عشرة سنة، ورتب الأمير جمال الدين آقوش الأفرم نائبا بدمشق.
وفي عود السلطان إلى الملك ثانيا قال علاء الدين الوداعي ومن خطه نقلت:
الملك الناصر قد أقبلت | دولته مشرقة الشمس |
عاد إلى كرسيه مثل ما | عاد سليمان إلى الكرسي |
بعثنا على جيش العدو كتائبا | بخارية فيها النبي مقدم |
فردوا إلى الأردو بغيظ وخيبة | وأردوا وجيش المسلمين مسلم |
فقوا لهم عودوا نعد ووراءكم | إذا ما أتيتم أو أبيتم جهنم |
لقد ألزم الكفار شاشات ذلة | تزيدهم من لعنة الله تشويشا |
فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما | ولكنهم قد ألزموكم براطيشا |
غيروا زيهم بما غيروه | من صفات النبي رب المكارم |
فعليهم كما ترون براطيـ | ـش ولكنها تسمى عمائم |
لقد البسوا أهل الكتابين ذلة | ليظهر منهم كل من كان كامنا |
قلت لهم ما ألبسوكم عمائما | ولكنهم قد ألبسوكم لعائنا |
تعجبوا للنصارى واليهود معا | والسامريين لما عمموا الخرقا |
كأنما بدت بالأصباغ منسهلا | نسر السماء فأضحى فوقهم ذرقا |
قولوا لقازان بأن جيوشه | جاءوا ففرجناهم بالشام |
في سرحة المرج التي هاماتهم | منثورها وشقائق الأجسام |
ما كان أشأمها عليهم فرجة | غمت، وأبركها على الإسلام |
أتى قازان عدوا في جنود | على أخذ البلاد غدوا حراصا |
فما كسبوا سوى قتل وأسر | وأعطوه بحصته حصاصا |
لما غدا غازان فخارا بما | قد نال بالأمس وأغراه البطر |
جاء يرجي مثلها ثانية | فانقلب الدست عليه وانكسر |
برق الصوارم للأبصار يختطف | والنقع يحكي سحابا بالدما يكف |
أحلى وأعلى وأغلى قيمة وسنا | من ريق ثغر الغواني حين يرتشف |
وفي قدود القنا معنى شغفت به | لا بالقدود التي قد زانها الهيف |
ومن غدا بالخدود الحمر ذا كلف | فإنني بحدود البيض لي كلف |
ولأمة الحرب في عيني أحسن من | لام العذار الذي في الخد ينعطف |
كلاهما زرد، هذا يفيد، وذا | يردي، فشأنهما في الفعل يختلف |
والخيل في طلب الأوتار صاهلة | ألذ لحنا من الأوتار تأتلف |
ما مجلس الشرب والأرطال دائرة | كموقف الحرب والأبطال تزدلف |
والرزق من تحت ظل الرمح مقترن | بالعز والذل يأباه الفتى الصلف |
لا عيش إلا لفتيان إذا انتدبوا | ثاروا وإن نهضوا في غمة كشفوا |
يقي بهم ملة الإسلام ناصرها | كما يقي الدرة المكنونة الصدف |
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا | لما أصابهم فيه ولا ضعفوا |
وجاهدوا في سبيل الله فانتصروا | من بعد ظلم ومما ساءهم أنفوا |
لما أتتهم جموع الكفر يقدمهم | رأس الضلال الذي في عقله حنف |
جاءوا وكل مقام ظل مضطربا | منهم وكل مقام بات يرتجف |
فشاهدوا علم الإسلام مرتفعا | بالعدل فاستيقنوا أن ليس ينصرف |
لاقاهم الفيلق الجرار فانكسروا | خوف العوامل بالتأنيث فانصرفوا |
يا مرج صفر بيضت الوجوه كما | فعلت من قبل بالإسلام يؤتنف |
أزهر روضك أزهى عند نفحته | أم يانعات رؤس فيك تقتطف |
غدران أرضك قد أضحت لواردها | ممزوجة بدماء المغل تغترف |
زلت على كتف المصري أرجلهم | فليس يدرون أنى تؤكل الكتف |
أووا إلى جبل لو كان يعصمهم | من موج فرج المنايا حين يختطف |
دارت عليهم من الشجعان دائرة | فما نجا سالم منهم وقد زحفوا |
ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا | ونكصوهم على الأعقاب فانقصفوا |
ففي جماجمهم بيض الظبى زبر | وفي كلاكلهم سمر القنا قصف |
فروا من السيف ملعونين حيث سروا | وقتلوا في البراري حيثما ثقفوا |
فما استقام لهم في أعوج نهج | ولا أجارهم من مانع كنف |
وملت الأرض قتلاهم بما قذفت | منهم وضاق منها المهمه القذف |
والطير والوحش قد عافت لحومهم | ففي مزاج الضواري منهم قرف |
ردوا فكل طريق نحو أرضهم | تدل جاهلها الأشلاء والجيف |
وأدبروا فتولى قطع دابرهم | والحمد لله قوم للوغى ألفوا |
ساقوهم فسقوا شط الفرات دما | وطمهم بعباب السيل فانحرفوا |
وأصبحوا بعد لا عين ولا أثر | عن القلاع عليها منهم شعف |
يا برق بلغ إلى غازان قصتهم | وصف فقصتهم من فوق ما تصف |
بشر بهلكهم ملك العراق لكي | يعطيك حلوانها حلوان والنجف |
وإن يسل عنهم قل قد تركتهم | كالنخل صرعى فلا تمر ولا سعف |
ما أنت كفو عروس الشام تخطبها | جهلا وأنت إليها الهائم الدنف |
قد مات قبلك آباء بحسرتها | وكلهم مغرم مغرى بها كلف |
إن الذي في جحيم النار مسكنه | لا تستباح له الجنات والغرف |
وإن تعودوا تعد أسيافنا لكم | ضربا إذا قابلتها رضت الحجف |
ذوقوا وبال تعديكم وبغيتكم | في أمركم ولكأس الخزي فارتشفوا |
فالحمد لله معطي النصر ناصره | وكاشف الضر حيث الحال تنكشف |
دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 4- ص: 0
محمد بن قلاوون
السلطان الأعظم الملك الناصر ناصر الدين ابن السلطان الملك المنصور سيف الدين الصالحي.
من أعظم ملوك الأتراك، ومن دانت له الأقدار ودارت بسعوده الأفلاك، لم ير الناس مثل أيامه، ولا أسعد من حركاته، في رحيله ومقامه، تجرع في مبادئ أمره كؤوس الصبر، وتجلد الى أن وارى أعاديه القبر.
ولي الملك ثلاث مرات، وخرج الى الكرك وعاد الى مصر كرات، وفي الثالثة صفا له الوقت، واختص بالمقة من رعاياه كما اختص عداه بالمقت، فحصد من كان حسده، وأراح قلبه وجسده، وخلت له الأرض من المعارض، وأكلتهم القوارع والقوارض، وضمن بعضهم لحود السجون، ووقعوا في سطواته في الحد وكانوا يظنون أنه مجنون، ولما استوسق له الملك وفاز أولياؤه بالنجاة، وحاز أعداؤه الهلك، صفت له الأيام من الكدر وسابق السعد مراده وبدر، وضاق بعدوه السهل والجبل، وحل به من الخذلان ما لم يكن له به قبل:
وقد سار في مسراه قبل رسوله | فما سار إلا فوق هام مفلق |
ولما دنا أخفى عليه مكانه | شعاع الحديد البارق المتألق |
وأقبل يمشي في البساط فما درى | الى البحر يمشي أم الى البدر يرتقي |
واقتص بما اغتص، وانفرد بالملك فيما اختل عليه فما اختص، وقالت السعود المخبوءة: خذ، وقالت الأقدار: تحصن بألطاف الله وعذ. ودانت له ملوك الأرض، وأصبح كل من مهابته يرمق العيش على برض. وهادنه الفرنج والتتار، وساطه حتى زنج الليل وروم النهار، وأصبح سيفه:
على عاتق الملك الأغر نجاده | وفي يد جبار السموات قائمه |
تقبل أفواه الملوك بساطه | ويكبر عنها كمه وبراجمه |
تحول رماح الخط دون محله | وتسبى له من كل حي كرائمه |
له عسكرا خيل وطير إذا رمى | بها عسكرا لم يبق إلا جماجمه |
تحاربه الأعداء وهي عباده | وتدخر الأموال وهي غنائمه |
ويستكبرون الدهر والدهر دونه | ويستعظمون الموت والموت خادمه |
وأصبح النيل على إثر النيل، والخصب يسير على إثر الخصب ويسيل، ورخاء الرخاء تهب نسيما، ووجه الأمن قد أسفر وسيما، ومحيا الدعة والسكون عليه من الإقبال طلاوة وسيما، والغنى أصبح للناس غناء، ولكن زيد ياء وميما، والإنعامات تفاض فتخجل البحار الزخارة، وبدرها إذا فضت استحيا منها البدر، ولم يخرج عن الدارة، أغرق خواصه بالجوائز وعمهم بالهبات التي يتحدث بشأنها على المغازل الأبكار والعجائز. لم نسمع لملك بمثل عطاياه، ولا لجواد غيره بما وهب حتى أثقل جياده وكلت مطاياه:
تمشي خزائنه من جود راحته | بيداء لا ذهب فيها ولا ورق |
وتحسب الوفز غيما والعلا أفقا | إذا انجلى الغيم أبدى حليه الأفق |
ولم يزل في سعادة ملكه وريح السعود تجري بها مواخر فلكه، الى أن هلك عنه سلطانه، وما أغنى عنه أنصاره ولا أعوانه.
وتوفي - رحمه الله تعالى - في يوم الأربعاء تاسع عشر ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبع مئة.
ومولده في صفر أو في ربيع الأول سنة أربع وثمانين وست مئة.
كان والده المنصور إذ ذاك على المرقب محاصرا، ودفن ليلة الخميس بالمنصورية. تولى دفنه بعد عشاء الآخرة الأمير علم الدين الجاولي، وكان لما قتل أخوه الأشرف خليل في عاشر المحرم سنة ثلاث وتسعين وست مئة وقتل من قتل من قاتليه وقع الاتفاق بعد قتلة بيدرا على أن يكون الملك الناصر محمد أخو الأشرف هو السلطان، وأن يكون زين الدين كتبغا نائبا، وعلم الدين الشجاعي وزيره استادار، واستقر ذلك ووصل الى دمشق الأمير سيف الدين ساطلمش والأمير سيف الدين بهادر التتري على البريد في رابع عشري المحرم ومعهما كتاب عن الأشرف أننا قد استنبنا أخانا الملك الناصر محمدا وجعلناه ولي عهدنا، حتى إذا توجهنا للقاء العدو يكون لنا من يخلفنا، فحلف الناس على ذلك وخطب الخطيب به، ودعا للأشرف ثم لولي عهده الناصر، وكان ذلك تدبير الشجاعي. وفي ثاني يوم ورد مرسوم بالحوطة على موجود بيدرا ولاجين وقراسنقر وطرنطاي الساقي وسنقرشاه وبهادر رأس نوبه، وظهر الخبر بقتل الأشرف واتفاق الكلمة على أخيه الناصر محمد، واستقل كتبغا نائبا والشجاعي مدبر الدولة، وقبض على جماعة من الذين اتفقوا على قتل الأشرف وهم الأمير سيف الدين نوغاي، وسيف الدين الناق، وألطنبغا الجمدار، وآقسنقر مملوك لاجين، وطرنطاي الساقي، وآروس، وذلك في خامس صفر. فأمر السلطان الناصر بقطع أيديهم وتسميرهم أجمع، وطيف بهم مع رأس بيدرا ثم ماتوا.
ولما كان في عشري صفر بلغ كتبعا أن الشجاعي قد عامل جماعة في الباطن على قتله، ولما كان في خامس عشري صفر ركب كتبغا في سوق الخيل وقتل في سوق الخيل أمير يقال له البندقداري لأنه جاء الى كتبغا وقال له: أين حسام الدين لاجين أحضره؟ فقال ما هو عندي، فقال: بل هو عندك، ومد يده الى سيفه ليسله فضربه الأزرق مملوك كتبغا بالسيف حل كتفه، ونزل مماليك كتبغا فأنزلوه وذبحوه، ومال العسكر من الأمراء والمقدمين والتتار والأكراد الى كتبغا ومال البرجية وبعض الخاصكية الى الشجاعي، لأنه أنفق فيهم في يوم ثمانين ألف دينار، وقرر أن كل من أحضر رأس أمير فإقطاعه له، وحاصر كتبغا القلعة وقطع عنها الماء، فنزل البرجية ثاني يوم من القلعة الى كتبغا على حمية وقاتلوه وهزموه الى بئر البيضاء، فركب الأمير بدر الدين بيسري والأمير بدر الدين بكتاش أمير سلاح وبقية العسكر نصرة لكتبغا وردوهم وكسروهم الى أن أدخلوهم القلعة، وجدوا في حصارها، فطلعت الست والدة السلطان الملك الناصر الى أعلى السور وقالت: إيش المراد؟ قالوا: ما لنا غرض غير الشجاعي، فاتفقت مع الأمير حسام الدين لاجين الأستادار وأغلقوا باب القلة، وبقي الشجاعي محصورا في داره. وتسرب الأمراء الذين معه واحدا بعد واحد ونزلوا الى كتبغا، فطلب الشجاعي الأمان، فطلبوه الى الست والى لاجين استادار ليستشيروه فيما يفعلونه، فلما توجه إليهم ضربه الآقوش المنصوري بالسيف قطع يده، ثم ضربه أخرى برى رأسه، ونزلوا برأسه الى كتبغا، وجرت أمور، وغلقت أبواب القاهرة خمسة أيام.
ثم طلع كتبغا الى القلعة سابع عشري صفر ودقت البشائر وفتحت الأبواب وجددت الأيمان والعهود للسلطان الملك الناصر، وأمسك جماعة من البرجية كانوا مع الشجاعي، وجاءت الحوطة الى دمشق على ما يتعلق به، وخطب الخطيب في يوم الجمعة حادي عشري شهر ربيع الأول للسلطان الملك الناصر استقلالا، وترحم على والده المنصور وأخيه الأشرف.
وفي عشري شهر رجب ورد البريد بالحلف للناصر وولي عهد كتبغا.
وفي سلخ رجب ورد البريد أن السلطان ركب في شعار الملك وأبهة السلطنة وشق القاهرة، دخل من باب النصر وخرج من باب زويلة عائدا الى القلعة، والأمراء وكتبغا يمشون في ركابه، وفرح الناس بذلك ودقت البشائر.
ولم يزل مستمرا في الملك الى حادي عشر المحرم سنة أربع وتسعين وست مئة، فتسلطن كتبغا وتسمى بالعادل، وحلف له الأمراء بمصر والشام، ودقت البشائر وزينت البلاد، وجعل أتابكه الأمير حسام الدين لاجين، وتولى الوزارة الصاحب فخر الدين ابن الخليلي، وصرف تاج الدين بن حنا، وحصل الغلاء الزائد المفرط في أيامه حتى بلغ الإردب بمصر الى مئة وعشرين، ورطل اللحم بالدمشقي الى سبعة دراهم، ورطل اللبن بدرهمين، والبيض ستا بدرهم، ورطل الزيت بثمانية، ولم يكن الشام مرخصا، وتوقفت الأمطار، وفزع الناس، وذلك في سنة خمس وتسعين وست مئة. وتبع ذلك وباء عظيم، وفناء كثير، ثم إن الغلاء وقع بالشام وبلغت الغرارة مئة وثمانين.
وقد كتبغا بالعساكر الى الشام في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، ولما عاد الى مصر من نوبة حمص في سلخ المحرم سنة ست وتسعين وست مئة ووصل الى اللجون جرى له ما جرى مما تقدم ذكره في ترجمة كتبغا، وهرب كتبغا الى دمشق، ودخل لاجين بالخزائن وتسلطن بالقاهرة وتسمى بالمنصور، ولم يختلف عليه اثنان، كما تقدم في ترجمة لاجين.
واستناب قراسنقر بمصر مدة، ثم إنه قبض عليه واستناب منكوتمر مملوكه، على ما تقدم، وجعل قبجق نائب دمشق، وجهز الملك الناصر الى الكرك، وقال: لو علمت أنهم يخلون الملك لك والله تركته، ولكنهم ما يخلونه، وأنا مملوكك ومملوك والدك، أحفظ لك الملك، فأنت تروح الى الكرك الى أن تترعرع وترتجل وتتخرج وتدرب الأمور وتعود الى ملكك، بشرط أنك تعطيني دمشق وأكون بها مثل صاحب حماة، فقال له السلطان: فاحلف لي إنك تبقي علي نفسي وأنا أروح، فحلف كل منهما على ذلك، وتوجه السلطان وأقام بالكرك الى أن قتل لاجين، على ما تقدم في ترجمته، في شهر ربيع الأول سنة ثمان وتسعين وست مئة، فحلف للسلطان الملك الناصر جميع الأمراء وأحضروه من الكرك وملكوه. وهذه سلطنته الثانية. وجعل سلار نائبا بمصر، وحسام الدين أستادار أتابكا.
وفي جمادى الأولى من السنة المذكورة ركب السلطان بأبهة الملك وشعار السلطنة والتقليد الحاكمي أمامه، وعمره يومئذ خمس عشرة، ورتب الأفرم نائبا بدمشق.
وفي عود السلطنة الى الملك الناصر قال علاء الدين الوداعي، ومن خطه نقلت:
الملك الناصر قد أقبلت | دولته مشرقة الشمس |
عاد الى كرسيه مثلما | عاد سليمان الى الكرسي |
ولم يزل بمصر الى أن حضر غازان الى الشام، فخرج بالعساكر في أوائل سنة تسع وتسعين وست مئة، ودخل دمشق في ثامن شهر ربيع الأول بعدما طول الإقامة على غزة، وأقام في قلعة دمشق تسعة أيام، وعدى التتار الفرات، فخرج السلطان وساق الى حمص، وركب بكرة الأربعاء سابع عشري الشهر المذكور، وساق الى وادي الخزندار، وكانت الوقعة، والتحم الحرب، واستحر القتل، ولاحت أمارات النصر للمسلمين، وثبتوا الى العصر، وثبت السلطان والخاصكية ثباتا كليا، فانكسرت ميمنة المسلمين، وجاءهم ما لا قبل لهم به، لأن الجيش لم يكن بكامل يومئذ، وكان جيش الإسلام بضعة وعشرين ألفا، وكان جيش التتار يقارب المئة ألف، فيما قيل، وشرع المسلمون في الهزيمة، وأخذ الأمراء السلطان وتحيزوا به، وحموا ظهورهم وساروا على درب بعلبك والبقاع، وبعض العسكر المكسور دخل الى دمشق، واستشهد جماعة من الأمراء، وخطب بدمشق للملك المظفر غازان محمود، ورفع في ألقابه، وتولى قبجق النيابة عن التتار، وملك غازان دمشق خلا القلعة فإن قبجق في الباطن لاحظ أميرها مع أرجواش وأبان أرجواش عن همة عظيمة في حفظها، على ما تقدم ترجمته، وجبى التتار الأموال من الدماشقة، وقيل: إن الذي حمل الى خزانة غازان ثلاثة آلاف ألف ألف وست مئة ألف درهم، والذي أطلقه لمقدمي المغل نحو آلات على الناس بوصولات وأخذوا أكثر مما كتب لهم فهو أكثر من ذلك. وأخذ شيخ الشيوخ لنفسه مبلغ ست مئة ألف درهم. وأخذ قبجق أكثر م نذلك، وأخذ يحيى وإسماعيل أكثر من ذلك، وعزم الناس أكثر من ذلك، وجبوا على الرؤوس أكثر من ذلك، وجبوا على البيوت أكثر من ذلك، وجبوا على الأوقاف أكثر من ذلك، وأخذوا جميع ما وجدوه من الخيل والبغال والجمال والدواب. وأحرقوا جامع التوبة بالعقيبة، وجميع ما حول البلد وخيار منتزهاتها، وأجود عماراتها مثل الدهشة، وصفة أبقراط، العافية، وناصرية الجبل، وبيمارستان الصالحية، وترب كثيرة، وغالب الجواسق التي بالبساتين، وغالب ما حول القلعة. وأما شبابيك الصالحية وما قدروا عليه من الرخام فإنهم أخذوه وأفسدوه. وقتلوا من أهل الصالحية أربعة آلاف نفس، وأسروا ما شاء الله. وأما الذي قتلوه من الضياع البرانية وأسروه فشيء لا يعلمه إلا الله تعالى. وكانوا إذا قرروا على الإنسان عشرة آلاف درهم ينوبه ترسيم للمغل ألفان. ولم يزل وجيه الدين ابن المنجا يجبي من الناس الى أن كمل المبلغ وحمله الى غازان، وجملته ما تقدم ذكره.
وأقام غازان بالغوطة نازلا الى ثاني عشر جمادى الأولى، ورحل طالبا بلاده وخلف نائبه خطلو شاه بالقصير في فرقة من المغل.
وفي شهر رجب جمع قبجق الأعيان والقضاة الى داره وحلفهم للدولة الغازانية بالنصح وعدم المداجاة، ثم إن قبجق توجه هو والصاحب عز الدين ابن القلانسي الى مصر في نصف رجب، وقام بحفظ المدينة وأمر الناس أرجواش.
وفي يوم الجمعة سابع عشر رجب أعيدت الخطبة للسلطان الملك الناصر، وكان مدة إبطال ذلك مئة يوم.
وأما السلطان الملك الناصر فإنه دخل الى مصر بعد الكسرة وتلاحق به الجيش، وأنفق في العساكر، واشتريت الخيل وآلات السلاح بالأثمان الغالية.
وفي يوم عاشر شعبان قدم الأفرم نائب دمشق بعسكر دمشق، وقدم أمير سلاح بالميسرة المصرية، ثم دخلت الميمنة، ثم دخل القلب وفيه سلار بالجيوش الى القاهرة، وكثرت الأراجيف بمجيء التتار، وانجفل الناس الى مصر والى الحصون، وبلغ أجرة المحارة الى مصر خمس مئة درهم، ثم فترت أخبار التتار في شهر ربيع الأول سنة سبع مئة. ثم دخل التتار الى حلب وشرع الناس في قراءة البخاري، وقال الوداعي في ذلك، ومن خطة نقلت:
بعثنا على جيش العدو كتائبا | بخارية فيها النبي مقدم |
فردوا الى الأردو وبغيظ وخيبة | وأردوا وجيش المسلمين مسلم |
فقولوا لهم: عودوا نعد، ووراءكم | إذا ما أتيتم أو أبيتم جهنم |
ووصل السلطان الى العريش ووصل التتار الى حلب.
ودخل شهر جمادى الأولى والناس في أمر مريج، ووصل بكتمر السلاح دار بألف فارس، وعاد السلطان الى مصر، فانجفل الناس غنيهم وفقيرهم، ونودي في الأسواق بالرحيل، وضج النساء والأطفال، وغلقت أبواب دمشق، واقتسم الناس قلعة دمشق بالشبر، ووقع على غيارة التتار عسكر حمص فكسروهم وقتلوا منهم نحو مئة، وصحت الأخبار برجوع غازان نحو حلب، فبلغ الناس ريقهم، وأطفأ السكون حريقهم، وهلك كثير من التتار تحت الثلج بحلب، وعم الغلاء، وعز اللحم بدمشق وبيع الرطل بتسعة دراهم، ثم دخل الأفرم والأمراء من المرج بعدما أقاموا به أربعة أشهر، واستقر حال الناس بعد ذلك.
وفي شهر شعبان ألبس النصارى الأزرق واليهود الأصفر والسامرة الأحمر، وسبب ذلك أن مغربيا كان جالسا بباب القلعة عند سلار والجاشنكير، فحضر بعض الكتاب النصارى بعمامة بيضاء، فقام له المغربي يتوهم أنه مسلم، ثم ظهر له أنه نصراني، فدخل الى السلطان وفاوضه في تغيير زي أهل الذمة ليمتاز المسلمون عنهم. وفي ذلك يقول علاء الدين الوداعي، ومن خطه نقلت:
لقد ألزم الكفار شاشات ذلة | تزيدهم من لعنة الله تشويشا |
فقلت لهم: ما ألبسوكم عمائما | ولكنهم قد ألبسوكم براطيشا |
ونقلت منه له:
غيروا زيهم بما غيروه | من صفات النبي رب المكارم |
فعليهم كما ترون براطيـ | ـش ولكنها تسمى عمائم |
ونقلت منه له:
لقد ألبسوا أهل الكتابين ذلة | ليظهر منهم كل من كان كامنا |
فقلت لهم ما ألبسوكم عمائما | ولكنهم قد ألبسوكم لعائنا |
وفي ذلك يقول شمس الدين الطيبي:
تعجبوا للنصارى واليهود معا | والسامريين لما عمموا الخرقا |
كأنما بات بالأصباغ منسهلا | نسر السماء فأضحى فوقهم ذرقا |
وفي جمادى الأولى سنة إحدى وسبع مئة توفي أمير المؤمنين الحاكم بأمر الله أبو العباس أحمد ودفن عند السيدة نفيسة، كما تقدم في ذكره، وتولى الخلافة ولده أمير المؤمنين المستكفي بالله أو بالربيع سليمان، وقرئ تقليده بولاية العهد بعد العزاء.
وفي سنة اثنتين وسبع مئة فتحت جزيرة أرواد وهي بقرب انطرسوس وقتل بها عدة من الفرنج، ودخل الأسرى الى دمشق وهم قريب من المئة وخمسين.
وفي شعبان من السنة عدى التتار الفرات وانجفل الناس، وخرج السلطان بجيوشه من مصر. وفي عاشر شعبان كان المصاف بين المسلمين والتتار بعرض، كان المسلمون ألفا وخمس مئة، وعليهم أسندمر وأغرلو العادلي وبهادر آص، وكان التتار نحوا من أربعة آلاف، فانكسر التتار، وأسر مقدمهم وقتل منهم خلق كثير. ثم دخل دمشق من جيش مصر خمس تقدام وعليهم الجانكشير، والحسام أستاذ الدار، ثم دخل بعدهم ثلاثة آلاف مقدمهم أمير سلاح وبعقوبا وأيبك الخزاندار، ثم أتى عسكر حلب وحماة متقهقرا من التتار، وتجمعت العساكر الى الجسورة بدمشق، واختبط الناس، واختنق في أبواب دمشق من الزحام غير واحد، وهرب الناس "وبلغت القلوب الحناجر"، ووصل السلطان الى الغور، وغلقت أبواب دمشق، وضج الخلق الى الله تعالى، ويئس الناس من الحياة. ودخل شهر رمضان، وتعلقت آمال الناس ببركاته، ووصل التتار الى المرج، وساروا الى جهة الكسوة، وبعدوا عن دمشق بكرة السبت ثاني شهر رمضان المعظم، وصعد النساء والأطفال الى الأسطحة وكشفوا رؤوسهم وضجوا وجأروا الى الله تعالى، ووقع مطر عظيم، ووقعت الظهر بطاقة بوصول الدعاء وحفظ أسوار البلد، وبعد الظهر وقع المصاف والتحم الحرب، فحمل التتار على الميمنة من المسلمين فكسروها، وقتل مقدمها الحسام أستادار ومعه جماعة من الأمراء المقدمين، وثبت السلطان ذلك اليوم ثباتا زائدا عن الحد، واستمر القتال من العصر الى الليل، ورد التتار من حملتهم على الميمنة بغلس وقد كل حدهم فتعلقوا بالجبل المانع.
وطلع الضوء بكرة يوم الأحد والمسلمون محدقون بالتتار، فلم يكن ضحوة من النهار إلا وقد ركن التتار الى الفرار وولوا الأدبار، ونزل النصر، ودقت البشائر، وزين البلد، وكان التتار نحوا من خمسين ألفا وعليهم خطلوا شاه نائب غازان، ورجع غازان من حلب ضيق الصدر من كسر أصحابه يوم عرض، وبهذه الكسرة سقطت قواه، لأنه لم يعد إليه من أصحابه غير الثلث، وتخطفهم أهل الحصون، وساق سلار وقبجق وراء المنهزمين الى القريتين، ولم ينكسر التتار هذه المرة.
حكى لي جماعة من دير بشير أنهم كانوا يأتون إلينا عشرين عشرين وأكثر وأقل، ويطلبون أن نعدي بهم الفرات في الزواريق الى ذلك البر، فما نعدي بمركب إلا ونقتل كل من كان فيه، حتى إن النساء كن يضربن بالفؤوس ونحن نذبحهم في إثر ذلك، فما تركنا أحدا منهم يعيش.
وهذه الواقعة الى الآن في قلوبهم، وكان قد جاء كتاب غازان يقول فيه: ما جئنا هذه المرة إلا للفرجة في الشام، فقال علاء الدين الوداعي في ذلك، ومن خطه نقلت:
قولوا لغازان بأن جيوشه | جاؤوا ففرجناهم بالشام |
في سرحة المرج التي هاماتهم | منشورها وشقائق الأجسام |
ما كان أشأمها عليهم فرجة | غمت وأبركها على الإسلام |
وقال لما انهزم:
أتى غازان عدوا في جنود | على أخذ البلاد غدوا حراصا |
فما كسبوا سوى قتل وأسر | وأعطوه بحصته حصاصا |
وقد نظم الناس في هذه الواقعة كثيرا، ومن أحسن ما وقفت عليه قول شمس الدين الطيبي - رحمه الله تعالى - وهو يقارب المئة بيت، وهذا الذي وقع لي منها وهو:
برق الصوارم للأبصار يختطف | والنقع يحكي سحابا بالدما يكف |
أحلى وأعلى وأغلى قيمة وسنا | من ريق ثغر الغواني حين يرتشف |
وفي قدود القنا معنى شغفت به | لا بالقدود التي قد زانها الهيف |
ومن غدا بالخدود الحمر ذا كلف | فإنني بخدود البيض لي كلف |
ولامة الحرب في عيني أحسن من | لام العذار التي في الخد تنعطف |
كلاهما زرد هذا يفيد وذا | يردي فشأنهما في الفعل يختلف |
والخيل في طلب الأوتار صاهلة | ألذ لحنا من الأوتار تأتلف |
ما مجلس الشرب والأرطال دائرة | كموقف الحرب والأبطال تزدلف |
والرزق من تحت ظل الرمح مقترن | بالعز، والذل يأباه الفتى الصلف |
لا عيش إلا لفتيان إذا انتدبوا | ثاروا وإن نهضوا في غمة كشفوا |
يقي بهم ملة الإسلام ناصرها | كما يقي الدرة المكنونة الصدف |
قاموا لقوة دين الله ما وهنوا | لما أصابهم فيه ولا ضعفوا |
وجاهدوا في سبيل الله فانتصروا | من بعد ظلم ومما ساءهم أنفوا |
لما أتتهم جيوش الكفر يقدمهم | رأس الضلال الذي في عقله جنف |
جاؤوا وكل مقام ظل مضطربا | منهم وكل مقام بات يرتجف |
فشاهدوا علم الإسلام مرتفعا | بالعدل فاستيقنوا أن ليس ينصرف |
لاقاهم الفيلق الجرار فانكسروا | خوف العوامل بالتأنيث فانصرفوا |
يا مرج صفر بيضت الوجوه كما | فعلت من قبل بالإسلام يؤتنف |
أزهر روضك أزهى عند نفحته | أم يانعات رؤوس فيك تقتطف |
غدران أرضك قد أضحت لواردها | ممزوجة بدماء المغل ترتشف |
زلت على كتف المصري أرجلهم | فليس يدرون أنى تؤكل الكتف |
أووا الى جبل لو كان يعصمهم | من موج فوج المنايا حين يختطف |
دارت عليهم من الشجعان دائرة | فما نجا سالم منهم وقد زحفوا |
ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا | ونكصوهم على الأعقاب فانقصفوا |
ففي جماجمهم بيض الظبي زبر | وفي كلاكلهم سمر القنا قصف |
فروا من السيف ملعونين حيث سروا | وقتلوا في البراري حيثما ثقفوا |
فما استقام لهم في أعوج نهج | ولا أجار لهم من مانع كتف |
وملت الأرض قتلاهم بما قذفت | منهم وقد ضاق منها المهمه القذف |
والطير والوحش قد عافت لحومهم | ففي مزاج الضواري منهم قرف |
ردوا فكل طريق نحو أرضهم | تدل جاهلها الأشلاء والجيف |
وأدبروا فتولى قطع دابرهم | والحمد لله قوم للوغى ألفوا |
ساقوهم فسقوا شط الفرات دما | وطمهم بعباب السيل فانحرفوا |
وأصبحوا بعد لا عين ولا أثر | غير القلاع عليها منهم شعف |
يا برق بلغ الى غازان قصتهم | وصف فقصتهم من فوق ما تصف |
بشر بهلكهم ملك العراق لكي | تعطيك حلوانها حلوان والنجف |
وإن تسل عنهم قل قد تركتهم | كالنخل صرعى فلا تمر ولا سعف |
ما أنت كفؤ عروس الشام تخطبها | جهلا وأنت إليها الهائم الدنف |
قد مات قبلك آباء بحسرتها | وكلهم مغرم مغزى بها كلف |
إن الذي في جحيم النار مسكنه | لا تستباح له الجنات والغرف |
وإن تعودوا تعد أسيافنا لكم | ضربا إذا قابلتها رضت الحجف |
ذوقوا وبال تعديكم وبغيكم | في أمركم ولكأس الخزي فارتشفوا |
فالحمد لله معطي النصر ناصره | وكاشف الضر حيث الحال ينكشف |
وفي ذي الحجة من السنة المذكورة كانت الزلزلة العظمى، بمصر والشام، وكان تأثيرها بالإسكندرية أعظم، ذهب تحت الردم عدد كثير، وطلع البحر الى نصف البلد وأخذ الجمال والرجال وغرقت المراكب وسقطت بمصر دور لا تحصى، وهدمت جوامع ومآذن وانتدب سلار والجاسنكير وغيرهما من الأمراء، وأخذ كل واحد منهما جامعا وعمره وجدد له وقوفا.
وفي سنة ثلاث وسبع مئة توجه أمير سلاح وعسكر من دمشق وقبجق في عسكر من حماة وأسندمر في عسكر الساحل وقراسنقر في عسكر حلب، ونازلوا تل حدون وأخذوه، ودخل بعض العسكر الدربند وأغاروا ونهبوا وأسروا خلقا، ودقت البشائر.
وفي هذه السنة توفي غازان ملك التتار، وملك بعده أخوه الملقب خربندا.
وفي سنة خمس وسبع مئة نازل الأفرم بعساكر دمشق جبل الجرد، وكسر الكسروانيين لأنهم كانوا روافض، وكانوا قد آذوا المسلمين وقتلوا المنهزمين من العساكر المصرية في نوبة غازان الأولى الكائنة في سنة تسع وتسعين وست مئة.
وفي سة ثمان وسبع مئة في سادس عشري شهر رمضان توجه السلطان الملك الناصر الى الحجاز وأقام بالكرك متبرما من سلار والجاشنكير وحجرهما عليه ومنعهما له من التصرف، قيل: إنه طلب يوما خروفا رميسا فمنع منه، أو قيل: يجيء كريم الدين، لأنه كاتب الجاشنكير، وأمر نائب الكرك بالتحول الى مصر، وعند دخوله القلعة انكسر به الجسر فوقع نحو خمسين مملوكا، ومات منهم أربعة وتهشم منهم جماعة وأعرض السلطان عن أمر مصر، فوثب للسلطنة بعد أيام الجاشنكير وتسلطن، وخطب له، وركب بخلعة الخلافة، وذلك عندما جاءتهم كتب السلطان من الكرك باجتماع الكلمة فإنه ترك لهم الملك.
وفي سنة تسع وسبع مئة في شهر رجب خرج السلطان من الكرك قاصدا دمشق، وكان قد ساق إليه من مصر مئة وسبعون فارسا فيهم أمراء وأبطال، وجاء مملوك السلطان الى الأفرم يخبره بأن السلطان وصل الى الخان، فتوجه الى السلطان بيبرس المجنون وبيبرس العلائي، ثم ذهب بهادر آص لكشف القضية، فوجد السلطان قد رد الى الكرك، ثم بعد أيام ركب السلطان وقصد دمشق بعدما ذهب إليه قطلوبك الكبير والحاج بهادر، وقفز سائر الأمراء إليه، فقلق الأفرم لذلك ونزح من دمشق بمماليكه مع الأمير علاء الدين بن صبح الى الشقيف، فبادر بيبرس العلائي وآقجبا المشد وأمير علم في إصلاح الجتر والعصائب وأبهة الملك، ودخل السلطان قبل الظهر الى دمشق يوم الثلاثاء ثامن عشر شعبان سنة تسع وسبع مئة، وفتح له باب القلعة باب السر، ونزل نائبها قبل الأرض، فلوى هناك فرسه الى القصر ونزل به. ثم إن الأفرم حضر إليه بعد أربعة أيام واستمر به في نيابه الشام، وبعد يومين وصل قبجق نائب حماة وأستدمر نائب طرابلس وتلقاهما السلطان. وفي ثامن عشري الشهر وصل قراسنقر نائب حلب.
ثم إن السلطان خرج لمصر في تاسع شهر رمضان ومعه العساكر والنواب والقضاة، ووصل غزة، وجاءه الخبر بنزول الجاشنكير عن الملك وأنه طلب مكانا يأوي إليه وهرب من مصر مغربا وهرب معه سلار مشرقا، فلما كان بالريدانية ليلة العيد اتفق الأمراء عليه وهموا بقتله، فجاء إليه بهاء الدين أرسلان دوادار سلار وقال: قم الآن واخرج من جانب الدهليز واطلع الى القلعة، فرعاها له، ولم يشعر الناس بالسلطان إلا وقد خرج راكبا فتلاحقوا به وركبوا في خدمته وصعد القلعة، وكان الاتفاق قد حصل أن قراسنقر يكون نائبا بمصر وقطلوبك الكبير نائب دمشق، فلما استقر جلوس السلطان بقلعة الجبل، وهذه المرة الثالثة من عوده الى الملك قبض في يوم واحد على اثنين وثلاثين أميرا من السماط، ولم ينتطح فيها عنزان، ورسم للأفرم بصرخد ولقراسنقر بالشام، وجعل قبجق نائب حلب والحاج بهادر نائب طرابلس وقطلوبك الكبير نائب صفد، وجعل بكتمر الجوكندار نائب مصر.
وفي سنة عشر وسبع مئة وصل أسندمر الى دمشق متوجها الى حماة نائبا، ومنها عزل القاضي بدر الدين ابن جماعة، وولي القضاء جمال الدين الزرعي عوضه، وصرف السروجي عن قضاء الحنفية، وطلب شمس الدين بن الحريري وولاه مكانه. وبعد أيام قلائل توفي الحاج بهادر نائب طرابلس، ومات بحلب نائبها قبجق، فرسم للأفرم بنيابة طرابلس، وأمره أن لا يدخل بدمشق، على ما تقدم في ترجمته، ورسم لأسندمر بنيابة حلب.
وفي هذه السنة أمر لعماد الدين إسماعيل بن الأفضل علي بحماة.
وفي سنة إحدى عشرة وسبع مئة نقل قراسنقر من نيابة دمشق الى نيابة حلب بعدما أمسك أسندمر وتولى كراي نيابة دمشق. وفي شهر ربيع الآخر أعاد ابن جماعة الى مكانه، وتقرر القاضي جمال الدين الزرعي في قضاء العسكر مع مدارس أخر.
وفي جمادى الأولى أمسك كراي نائب دمشق وقيد وجهز الى الباب بعدما أمسك الجوكندار نائب مصر، وأمسك قطلوبك الكبير بصفد وحبس هو وكراي بالكرك وجاء الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الى دمشق نائبا.
وفي سنة اثنتي عشرة وسبع مئة تسحب الأمير عز الدين الزردكاش والأفرم وتوجها الى قراسنقر، وساق الجميع الى عند مهنا فأجارهم، وعدوا الفرات وطلبوا خربندا، على ما تقدم في تراجمهم.
وفي شهر ربيع الأول طلب نائب دمشق الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الى مصر، وفيها أمسك العلائي بيبرس نائب حمص، وبيبرس المجنون، وبيبرس التاجي، وكجلي، والبرواني، وحبسوا في الكرك، وأمسك بمصر جماعة أيضا.
وفي ربيع الأول قدم الأمير سيف الدين تنكز الى دمشق نائبا، على ما تقدم في ترجمته، وسودي الى حلب نائبا على ما تقدم. وفي أوائل شهر رمضان قويت الأراجيف بمجيء خربندا ومنازلته الرحبة، على ما تقدم، ثم إنه رحل عنها، على ما تقدم في ترجمته. وعيد السلطان بمصر وخرج الى الشام، ووصل في ثالث عشري شوال وصلى بالجامع الأموي، وعمل دار عدل، وتوجه من دمشق الى الحجاز، وعاد الى دمشق، ثم توجه الى مصر.
وفي صفر سنة أربع عشرة توفي سودي نائب حلب وجاء عوضه نائبا الأمير علاء الدين ألطنبغا.
وفي سنة خمس عشرة وسبع مئة توجه الأمير سيف الدين تنكز بعساكر الشام وستة آلاف من الجيش المصري الى ملطية ففتحها وسبى ونهب وألقى النار في جوانبها، وقتل جماعة من النصارى.
وفي سنة ست عشرة توفي خربندا ملك التتار، وتولى بعده ولده بوسعيد على ما تقدم.
وفي سنة إحدى وعشرين وسبع مئة وقع الحريق بمصر واحترق دور كثيرة للأمراء وغيرهم، ثم ظهر أن ذلك من كيد النصارى، لأنه وجد مع بعض آلات الإحراق من النفط وغيره، وقتل منهم جماعة وأسلم عدة، ورجم العامة والحرافيش كريم الدين الكبير، فأنكر السلطان ذلك وقطع أيدي أربعة وقيد جماعة.
وفيها جرى الصلح بين السلطان وبين بوسعيد، سعى في ذلك مجد الدين السلامي مع النوين جوبان ومع الوزير غياث الدين محمد بن الشيد.
وفي جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وسبع مئة أمر السلطان بحفر الخليج من رأس الخور الى أن ينتهي الى سرياقوس، تولى ذلك الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، وفرغ في أقرب مدة، ودام العمل الى آخر شعبان من السنة المذكورة، وما يعلم ما أنفق فيه من الأموال إلا الله تعالى.
وفي سنة خمس وعشرين وسبع مئة جهز السلطان من عسكر مصر ألفي فارس نجدة لصاحب اليمن، وقدم عليهم الأمير ركن الدين بيبرس الحاجب والأمير سيف الدين طينال، فدخلوا زبيد، وألبسوا الملك المجاهد خلع السلطنة وعادوا. وبلغ السلطان أمور نقمها، فاعتقل بيبرس الحاجب. وفي هذه السنة فتحت الخانقاه التي أنشأها بسرياقوش، وكان يوما عظيما، وحضر القضاة والعلماء ووجوه الدولة، وخلع على القضاة وعلى المشايخ، وفرق قريبا من ثلاثين ألف درهم.
وفي سنة ست وعشرين حج الأمير سيف الدين أرغون النائب، ولما حضر أمسكه وجهزه الى حلب نائبا، على ما تقدم.
وفي سنة سبع وعشرين وسبع مئة طلب أمير حسين بن جندر من دمشق الى مصر ليقيم بها أميرا، وطلب قاضي القضاة جلال الدين القزويني، وجعله قاضي القضاة بمصر، على ما تقدم، وفيها كان عرس ابنة السلطان على الأمير سيف الدين قوصون، وكان عرسا عظيما على ما تقدم، وفيها كانت الكائنة بإسكندرية، وتوجه الجمالي الوزير إليها وصادر الكارم والحاكم، وضرب القاضي، ووضع الزنجير في رقبته، وجعل قاضيها شافعيا، وكانت واقعة فظيعة.
وفي سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة دخل ابن السلطان آنوك على بنت بكتمر الساقي وكان عرسا عظيما حضره تنكز وطينال، على ما تقدم في ترجمته.
وفيها حج السلطان واحتفل بأمر الحجاز، وفي العود مات سيف الدين بكتمر الساقي وولده أحمد قبله، على ما تقدم. وفيها أمسك الصاحب شمس الدين غبريال وأخذ خطه بألفي ألف درهم، على ما تقدم.
وفي سنة ثلاث وثلاثين عمر الأمير سيف الدين تنكز ثغر جعبر وصارت من ثغور المسلمين.
وفي سنة خمس وثلاثين وسبع مئة جهز مهنا وداس بساط السلطان بعد عناء عظيم وتسويف كثير فأقبل عليه وأعطاه شيئا كثيرا، على ما سيأتي في ترجمته. وفيها أخرج من السجن ثلاثة عشر أميرا منهم تمر الساقي وبيبرس الحاجب.
وفي سنة ست وثلاثين وسبع مئة توفي القان بوسعيد، على ما تقدم.
وفي سنة أربعين أمسك السلطان الأمير سيف الدين تنكز في ثالث عشري ذي الحجة، على ما تقدم.
وفي سنة إحدى وأربعين وسبع مئة توفي ابن السلطان آنوك.
وفيها توفي الملك الناصر رحمه الله تعالى في التاريخ المذكور. وقام في الملك بعده ولده المنصور أبو بكر على ما تقدم في ترجمته.
وكان الملك الناصر رحمه الله تعالى ملكا عظيما مطاعا محظوظا مهيبا ذا بطش ودهاء، وأيد وكيد، وحزم وحلم، قلما حاول أمرا، فانجذم عليه فيه شيء يحاوله، لأنه كان يأخذ نفسه فيه بالحزم البعيد والاحتياط، أمسك الى أن مات مئة وخمسين أميرا، وكان يلبس الناس على علاتهم، ويصبر الدهر الطويل على الإنسان وهو يكرهه. تحدث مع أرغون النائب في إمساك كريم الدين الكبير قبل إمساكه بأربع سنين، وهم بإمساك تنكز في سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة بعد بكتمر الساقي ثم أمهله ثماني سنين. وكان الملوك الكبار يهادونه ويراسلونه، وكانت ترد إليه رسل ملك الهند، ورسل القان أزبك، وتزوج ابنته، وملوك الحبشة، وملوك الفرنج، وملوك الغرب، وبلاد الأشكري، وصاحب اليمن، وأما بوسعيد ملك التتار فكانت الرسل لا تنقطع بينهما، وكل منهما يسمي الآخر أخا، وصارت الكلمتان واحدة، والمملكتان واحدة، ومراسيم السلطان تنفذ في بلاد بوسعيد، ورسله تدخل البلاد بالأطلاب والطبلخانات والأعلام المنشورة، وكلما بعد الإنسان عن مملكته وجد ذكره وعظمته ومهابته أعظم، ومكانته في القلوب أوقع.
وكان سمحا جوادا على من يقربه ويؤثره، لا يبخل عليه بشيء كائنا ما كان. سألت أنا القاضي شرف الدين النشو ناظر الخاص قلت: هل أطلق السلطان يوما ألف ألف درهم؟ قال: نعم. كثير. وفي يوم واحد، أنعم على الأمير سيف الدين بشتاك بألف ألف درهم في ثمن قرية يبنى التي بها قبر أبي هريرة رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنعم على موسى بن مهنا بألف ألف درهم في ثمن القريتين، وأراني القاضي شرف الدين أوراقا فيها ما ابتاعه فيها من الرقيق، وكان ذلك لمدة أولها شعبان سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة الى سنة سبع وثلاثين، وكان جملته أربع مئة ألف وسبعين ألف دينار. كذا قال.
وكان ينعم على الأمير سيف الدين تنكز في كل سنة يتوجه إليه بما يزيد على الألف ألف درهم، وأنعم يوما على الأمير سيف الدين قوصون بزردخاه بكتمر الساقي، قال المهذب كاتب بكتمر: فيها شيء بمبلغ ست مئة ألف دينار، وأخذ السلطان من الجميع سرجا واحدا، ولما تزوج قوصون بابنته حمل الأمراء إليه شيئا كثيرا، ثم بعد ذلك زوج ابنته الأخرى الأمير سيف الدين طغاي تمر، وقال السلطان ما نعمل له عرسا، لأن الأمراء يقولون: هذه مصادرة بحسن عبارة، ونظر الى طغاي تمر فرآه قد تغير، فقال للقاضي تاج الدين إسحاق ناظر الخاص: يا قاضي اعمل لي ورقة بمكارمة الأمراء في عرس قوصون، فعمل ورقة وأحضرها، فقال: كم الجملة؟ فقال: خمسون ألف دينار، فقال: أعط نظيرها من الخزانة لطغاي تمر، وهذا خارجا عما دخل مع الزوجة من الجهاز.
وحكي لي الحاج حسين أستادار الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي قال: جرى يوما بين يدي السلطان ذكر عشرين ألف دينار، فقال الأمير: والله يا خوند أنا عمري ما رأيت عشرين ألف دينار، فلما راح من عنده طلب النشو وقال: احمل الساعة الى يلبغا خمسة وعشرين ألف دينار، وجهزها مع الخزندارية، وجهز خمسة تشاريف أطلس أحمر بكلوتات زركش، وطرز زركش، وحوائص ذهب، ليخلع ذلك عليهم.
وأما عطاؤه العربان فأمر مشهور زائد عن الحد، وكان راتب مطبخه ورواتب الأمراء الكبار والكتاب الذين هم على مطبخه في كل يوم بالمصري ستة وثلاثين ألف رطل لحما، وأما النفقات في العمائر فكان الرواتب لها في كل يوم شيئا كثيرا، أظنه في كل يوم ألفي درهم، غير ما يطرأ مما يستدعي به. وبالغ في مشترى الخيول بالأثمان العظيمة، فاشترى بنت الكردا بمئتي ألف درهم، وبالغ أخيرا في مشترى الماليك فاشترى الأمير سيف الدين صرغتمش بخمسة وثمانين ألف درهم غير تشريف أستاذه، وغير ما كتب له من المسامحة. وأما العشرة والعشرون والثلاثون ألفا فكثير، وغلا الجوهر في أيامه واللؤلؤ وما رأى الناس مثل سعادة ملكه ومسالمة الأيام له وسكون الأعادي من بعد شقحب والى أن مات لم يتحرك عليه عدو في البر ولا في البحر.
وخلف من الأولاد جماعة، منهم البنون والبنات، فأما البنون: فمات له ولده علاء الدين علي بعد حضوره من الكرك في المرة الأخيرة، ومنهم الناصر أحمد وقتل بالكرك، وابراهيم وتوفي أميرا في حياة أبيه، والمنصور أبو بكر وقتل في قوص بعدما خلع، والأشرف كجك وقتله أخوه الكامل شعبان والله أعلم. وآنوك وهو ابن الخوندة طغاي، مات في حياة أبيه، ولم يكن في الأتراك أحسن شكلا منه، والصالح إسماعيل وتوفي بعد ملكه مصر والشام ثلاثة أعوام، والكامل شعبان وخلع وقتل، والمظفر حاجي وخلع وقتل، ويوسف ورمضان، وتوفيا في حياة أخيهما الصالح إسماعيل، والناصر حسن وخلع أولا ثم أعيد ثانيا ثم خلع وقتل في سنة اثنتين وستين وسبع مئة، والصالح صالح وخلع، وحسين.
نوابه بمصر جماعة، وهم:
زين الدين كتبغا العادل، والأمير سيف الدين سلار، الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار، الأمير ركن الدين بيبرس الدوادار، الأمير سيف الدين أرغون الدوادار مملوكه، ولم يكن له بعده نائب.
نوابه بدمشق:
الأمير عز الدين أيبك الحموي، الأمير جمال الدين آقوش الأفرم، الأمير شمس الدين قراسنقر، الأمير سيف الدين كراي، الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك الأشرفي، الأمير سيف الدين تنكز، الأمير علاء الدين ألطنبغا نائب حلب.
وزراؤه من أرباب السيوف والأقلام:
الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، الصاحب تاج الدين بن حنا، الصاحب فخر الدين بن الخليلي مرتين، الأمير شمس الدين سنقر الأعسر، الأمير سيف الدين البغدادي، الأمير ناصر الدين الشيخي، أيبك الأشقر وسمي المدبر، ابن عطايا، القاضي ضياء الدين بن النشائي ابن التركماني وسمي مدبرا، الصاحب أمين الدين، أمين الملك ثلاث مرات، الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، الأمير علاء الدين مغلطاي الجمالي، ولم يكن له بعده وزير.
قضاة الشافعية بمصر:
الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، القاضي بدر الدين بن جماعة ثلاث مرات، القاضي جلال الدين القزويني، القاضي عز الدين بن جماعة.
قضاة الشافعية بدمشق:
القاضي إمام الدين القزويني، القاضي بدر الدين بن جماعة مرتين، القاضي ابن صصرى، القاضي جمال الدين الزرعي، القاضي جلال الدين القزويني مرتين، الشيخ علاء الدين القونوي، القاضي علم الدين الأخنائي، القاضي جمال الدين بن جملة، القاضي شهاب الدين بن المجد عبد الله، القاضي تقي الدين السبكي.
كتاب سره بمصر:
القاضي شرف الدين بن فضل الله، القاضي علاء الدين بن الأثير، القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي علاء الدين بن فضل الله.
كتاب سره بدمشق:
القاضي محيي الدين بن فضل الله، أخوه القاضي شرف الدين بن فضل الله، القاضي شهاب الدين محمود، ولده القاضي شمس الدين محمد، القاضي محيي الدين بن فضل الله، القاضي شرف الدين بن الشهاب محمود، القاضي جمال الدين بن الأثير، القاضي علم الدين بن القطب، القاضي شهاب الدين يحيى بن القيسراني، القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله.
دواداريته:
الأمير عز الدين أيدمر مملوكه، الأمير بهاء الدين أرسلان، الأمير سيف الدين ألجاي مملوكه، الأمير صلاح الدين يوسف بن أسعد، الأمير سيف الدين بغا، ولم يؤمر طبلخاناه، الأمير سيف الدين طاجار الدوادار المارداني.
نظار جيشه بمصر:
القاضي بهاء الدين بن الحلي، القاضي فخر الدين، مرتين، القاضي قطب الدين بن شيخ السلامية، القاضي شمس الدين موسى بن التاج إسحاق، القاضي مكين الدين بن قروينة، القاضي جمال الدين جمال الكفاة.
نظار خاصه، هذه وظيفة أحدثها القاضي كريم الدين الكبير:
القاضي تاج الدين إسحاق، القاضي شمس الدين ولده، القاضي شرف الدين النشو، القاضي جمال الدين جمال الكفاة.
الذين درجوا بالوفاة في أيامه من الخلفاء:
الحاكم بالله أمير المؤمنين أبو العباس أحمد، ولده المستكفي بالله أبو الربيع سليمان.
ومن الملوك:
كيختو بن هولاكو، المستنصر بالله محيي الدين بن عبد الواحد صاحب إفريقية، المظفر يوسف صاحب اليمن، السعيد إيلغازي صاحب ماردين، المظفر تقي الدين محمود صاحب حماة، المنصور حسام الدين لاجين، أبو عبد الله بن الأحمر محمد بن محمد بن يوسف صاحب الأندلس، أبو نمي صاحب مكة، العادل زين الدين كتبغا المنصوري، غازان محمود بن أرغون ملك التتار، أبو يعقوب المريني صاحب الغرب، المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، أبو عصيدة صاحب تونس، المنصور غازي صاحب ماردين، طقطاي صاحب القبجاق، دوباج صاحب جيلان، علاء الدين محمود صاحب الهند، خربندا بن أرغون ملك التتار، دون بطرو الفرنجي، حميضة صاحب مكة، المؤيد داود صاحب اليمن، ابن الأحمر أبو الجيوش نصر بن محمد اللحياني صاحب تونس، منصور بن جماز صاحب المدينة، الغالب بالله إسماعيل صاحب الأندلس، أبو سعيد عثمان صاحب فاس وغيرها، المؤيد صاحب حماة، ابن الأحمر محمد بن أبي الوليد صاحب الأندلس، ترمشين صاحب بلخ وسمرقند وبخارى ومرو، بوسعيد ملك التتار، أربكوون ملك التتار، صاحب تلمسان عبد الرحمن أبو تاشفين، موسى ملك التتار، مهنا بن عيسى.
ولما كنت بالقاهرة سنة سبع وعشرين وسبع مئة قال لي الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك رحمه الله تعالى: لو نظمت أبياتا مديحا في السلطان لقدمتها أنا من يدي، وكان يحصل لك ما تريده، فنظمت أبياتا، وكتبتها بالذهب وزمكتها، وتوفي الأمير شرف الدين رحمه الله تعالى وما اتفق وصولها، وهي:
بعز نصرك أضحى الدهر يبتسم | وعن رعاياك ولى الظلم والظلم |
يا ناصر الدين والدنيا ويا ملكا | ذلت لعزته في أرضها الأمم |
أصبحت سلطان أهل الأرض قاطبة | سارت بأنبائك الوخاذة الرسم |
تخاف بأسك أملاك الأنام فما | تسعى لهم في سوى طاعاتك القدم |
يبادرون الى ما كنت تأمرهم | كأنهم عندما تختاره خدم |
متى يخف ملك منهم فليس له | إلا ظلالك في هذا الورى حرم |
فالأسد تخشاك في سر وفي علن | فليس يعصمها غاب ولا أجم |
تغزو سراياك أملاك البلاد فما | يحمي العدا منهم قاع ولا أكم |
ويبلغون الأماني من عدوهم | لأنهم باسمك المنصور قد قدموا |
فإن تصل في جيوش الكفر وغى | وأبحر الحرب بالأبطال تزدحم |
تفرج الضيق في يوم الكريهة إذ | أضحت سيوفك من أغمادها القمم |
وما هباتك في يوم النوال ندى | لكنها سحب تهمي وتنسجم |
تجود بالصدقات الوافرات فكم | أحيت عطاياك من أودى به العدم |
وفضل حلمك مشهور لطالبه | ونفحة المسك فينا كيف تنكتم |
مناقب شرفت قدرا فقد رجعت | درا على جهة الأيام تنتظم |
فالله يجعل هذا الملك متصلا | بالسعد ما ابتسمت عن صبحها الظلم |
ولا برحت على الأعداء منتصرا | مؤيدا ما جرى في مهرق قلم |
دار الفكر المعاصر، بيروت - لبنان / دار الفكر، دمشق - سوريا-ط 1( 1998) , ج: 5- ص: 73
محمد بن قلاون بن عبد الله الصالحي الملك الناصر ابن المنصور محمد بن قلاون بن عبد الله الصالحي الملك الناصر ابن المنصور ولد في صفر وقيل في نصف المحرم سنة 684 وشوهد منه أنه ولد وكفاه مقبوضتان ففتحتهما الداية فسال منهما دم كثير ثم صار يقبضهما فاذا فتحتهما سال منهما دم كثير فأنذر ذلك بأنه يسفك على يديه دماء كثيرة فكان كذلك وأول ما ولي السلطنة عقب قتل أخيه الأشرف في نصف المحرم سنة 93 وعمره تسع سنين سواء واستقر كتبغا نائبا والشجاعي وزيرا ثم وقع بينهما وانفق الشجاعي في يوم واحد ثمانين ألف دينار وكاد أن يغلب ثم انتصر بيسري وبكتاش لكتبغا وحاصروا الشجاعي في القلعة فأغلقت أم الناصر باب القلعة وبقي الشجاعي محصورا في دار الوزارة فأنفل جمعة فطلب الأمان فآل أمره إلى القتل وطلع كتبغا إلى القلعة وجددت العهود للناصر وخطب له بعد ذلك بدمشق ولولي عهده كتبغا واستقل كتبغا بتدبير المملكة إلى أن تسلطن في المحرم سنة 694 فكانت مدة سلطنة الناصر الأولى سنة إلا ثلاثة أيام خلع كتبغا في صفر سنة 96 فكانت مدة سلطنته سنتين وشهرا واستقر لاجين فكانت سلطنته أيضا سنتين وشهرين وكان كتبغا قد جهز الناصر إلى الكرك بعد أن حلف له أنه إذا ترعرع وترجل يفرغ له عن المملكة بشرط أن يعطيه مملكة الشام استقلالا كصاحب حماة فلما قتل لاجين في شهر ربيع الآخر سنة 698 أحضروا الناصر من الكرك وتسلطن الثانية وله يومئذ أربع عشرة سنة وأربعة أشهر واستقر في نيابة السلطنة سلار واستقر بيبرس الجاشنكير دويدارا ولم يكن للناصر معهما حكم البتة واستقر آقش الأفرم نائب دمشق وحضر الناصر وقعة غازان سنة 699 بوادي الخزندار وثبت الثبات القوي وجرى لغازان بدمشق ما اشتهر وقطعت خطبة الناصر من دمشق إلى رجب فأعيدت ثم تحرك غازان في العود في سنة سبعمائة فوصل إلى حلب ثم رجع وفي ولاية الناصر ألبست اليهود العمائم الصفر والنصارى العمائم الزرق وذلك في سنة سبعمائة وفي سنة 702 فتحت جزيرة أرواد من بلاد الفرنج وأحضرت الأسرى إلى دمشق وفي شعبان منها كانت وقعة شقحب وكان للناصر فيها اليد البيضاء من الثبات ووقع النصر للمسلمين وفي ذي الحجة منها وقعت الزلزلة العظيمة بمصر والشام والإسكندرية وذهبت تحت الردم ما لا يحصى وغرق من المراكب العدد الكثير وهدمت الجوامع والمزارات وانتدب سلار والجاشنكير وأكابر الأمراء في إصلاح ما وهي من ذلك ولما كان في رمضان سنة 708 أظهر الناصر أنه يطلب الحج فتوجه إلى الكرك وأقام به وطرد نائب الكرك إلى مصر وأعرض عن المملكة لاستبداد سلار وبيبرس دونه بالأمور وكتب الناصر إلى الأمراء بمصر يترقق لهم ويستعفيهم من السلطنة ويسألهم أن يتركوا له الكرك وبلادها برسم من ينقطع عنده من الخدم والمماليك فوافقوه على ذلك واتفق أنه يوم دخوله الكرك انكسر الجسر وسلم هو ومن سبق معه وسقط في الوادي نحو الخمسين من خواصه فمات منهم أربعة وخرج من بقي مصابا وبحث الناصر عن القضية فوجدها وقعت اتفاقا فخلع على النائب وأعلمه بعزمه على الإقامة بالكرك وأمره بالتوجه إلى القاهرة وأقام بالكرك يدبر أمورها ويحكم بين من يتحاكم إليه ووصل كتاب الناصر بما عزم عليه عصر يوم الجمعة ثاني عشرى شوال وتسلطن بيبرس الجاشنكير في ثالث عشرى شوال فلما كان في شهر رجب سنة 709 ساق جماعة من مصر إلى الكرك وحملوا الناصر إلى دمشق فتلاحق به أكثر الأمراء فنزل بالقصر ثم توارد عليه نواب البلاد فقصد مصر في رمضان ففر الجاشنكير مغربا ولم يفر سلار بل أقام وخرج للقاء الناصر وأظهر الطاعة ووصل الناصر إلى القلعة واستقر في دست مملكته وهي السلطنة الثالثة وذلك في يوم عيد الفطر ولما استقرت قدمه قبض على أكثر الأمراء ثم عزل بدر الدين ابن جماعة وولي القضاء نائبه جمال الدين الزرعي فلما انقضت السنة أعاده وعزل السروجي عن قضاء الحنفية وقرر شمس الدين ابن الحريرى مكانه وكان نقم عليها مبايعتهما للجاشنكير ولما تقدم الخليفة إلى السلام عليه قال له كيف تسلم على الخارجي وكيف تبايع بيبرس هل ثبت عندك أنه من بني العباس فسكت مصفرا ثم التفت إلى علاء الدين ابن عبد الظاهر كاتب السر فقال يا أسود الوجه فقال على الفور يا خوند أبلق خير من أسود فقال حتى لا تترك رنكه يعني رنك سلار وكان علاء الدين من ألزامه ثم التفت إلى ابن جماعة فقال كيف تفتي المسلمين بجواز قتالي فتبرأ من ذلك ثم قال للصدر ابن الوكيل كيف تقول ما للصبي وللملك شأن الصبي يحتاج من يكفله فتنصل وقال للدويدار قل لابن عدلان لا يصل إلى ويكفيه قول الشاعر
ومن يقوم ابن عدلان بنصرته | وابن المرحل قل لي كيف ينتصر |
مجلس دائرة المعارف العثمانية - صيدر اباد/ الهند-ط 2( 1972) , ج: 2- ص: 0
محمد بن قلاون بن عبد الله الصالحى الملك الناصر ابن المنصور
ولد في صفر سنة 684 أربع وثمانين وستمائة وشوهد عند ولادته وكفاه مقبوضتان ففتحتهما الداية فسال منهما دم كثير ثم صار يقبضهما فإذا فتحا سال منهما دم كثير فاستدل بذلك أنه يسفك دماء كثيرة فكان الأمر كذلك وأول ما ولي السلطنة عقب قتل أخيه الأشرف في نصف المحرم سنة 693 وعمره تسع سنين وغلب على الأمر كتبغا وتسلطن وعزل صاحب الترجمة وكذلك في المحرم سنة 694 ثم خلع كتبغا في صفر سنة 696 وكان قد جهز الناصر إلى الكرك وحلف له أنه إذا ترعرع أعاده إلى المملكة بشرط أن يعطي مملكة الشام استقلالا ولما خلع كتبغا سلطن لاجين واستمر سلطانا حتى قتل في شهر ربيع الآخر سنة 689 فأحضر الناصر من الكرك وتسلطن المرة الثانية وله يومئذٍ أربع عشرة سنة وأربعة أشهر واستقر في نيابة السلطنة سلار المتقدم ذكره وبيبرس المتقدم أيضا فلم يكن للناصر معهما كلام ولما كان في رمضان سنة 708 أظهر الناصر أنه يريد الحج فتوجه إلى الكرك وأقام به وطرد نائب الكرك إلى مصر وأعرض عن المملكة لاستبداد سلار وبيبرس دونه بالأمور وكتب إلى الأمراء بمصر يستعفيهم من السلطنة ويسألهم أن يتركوا له الكرك وبلادها فوافقوه على ذلك واتفق أنه يوم دخل الكرك انكسر الجسر فسلم هو وبعض خواصه وسقط نحو الخمسين من أصحابه فمات منهم أربعة وخرج من أبقى مصابا وأقام بالكرك يدبر أمورها ويحكم بين من يتحاكم إليه وتسلطن مكانه بيبرس حسبنا تقدم في ثالث وعشرين من شوال من تلك السنة واستمر إلى رجب سنة 709 فخرج جماعة من أمراء مصر إلى كرك وحملوا الناصر إلى دمشق فتلاحق به أكثر الأمراء ونزل بالقصر ثم توارد عليه نواب البلاد فقصد مصر في رمضان ففر بيبرس ولم يفر سلار بل أقام وخرج للقاء الناصر وأظهر الطاعة فوصل الناصر إلى القلعة واستقر في مملكته وهي السلطنة الثالثة وذلك في يوم عيد الفطر من تلك السنة ولما استقر قدمه قبض على أكثر الأمراء ولم يبق له منازع وفتحت في أيامه بلاد كبيرة واشترى المماليك فبالغ في ذلك حتى اشترى واحداً بنحو أربعة آلاف دينار بل أزيد كما قال ابن حجر ولم ير أحد مثل سعادة ملكه وعدم حركة الأعادي عليه برا وبحرا مع طول المدة وكان مطاعاً مهيبا عارفاً بالأمور يعظم أهل العلم ولا يقرر في المناصب الشرعية إلا من يكون أهلا لها ويتحرى لذلك ويبحث عنه ويبالغ وحج بعد استقراره في السلطنة ثلاث حجات وكان عظيم المكر طويل الصبر على ما يكره إذا حاول أمرا لا يسرع فيه بل يحتاط غاية الاحتياط وكانت وفاته تاسع عشر ذي الحجة سنة 741 إحدى وأربعين وسبعمائة وسلطن من أولاده ثمانية أنفس وهذا من أعجب ما يحكى
دار المعرفة - بيروت-ط 1( 0) , ج: 2- ص: 236
محمد بن قلاوون الصالحي:
الملك الناصر بن الملك المنصور، صاحب الديار المصرية والشامية والحجازية، وغير ذلك من البلاد الإسلامية، ذكرناه في هذا الكتاب، لأنه عمر أماكن بالمسجد الحرام والحجر والمقام وزمزم، وسقاية العباس، وعمل للكعبة بابا حلاه بخمسة وثلاثين ألف درهم وثلاثمائة درهم. وأجرى إلى مكة عينا من جهة جبل ثقبة في مجرى عين بازان، وعمل مطهرة بالمسعي، مقابلة لباب بنى شيبة.
ولى السلطنة ثلاث مرات، الأولي: نحو سنة. والثانية: نحو عشر سنين. والثالثة: نحو اثنتين وثلاثين سنة. وصورة الحال في ذلك: أنه بويع بالسلطنة بعد قتل أخيه الأشرف خليل، في المحرم سنة ثلاث وتسعين وستمائة، وهو ابن تسع سنين، واستمر إلى أن خلع في المحرم سنة أربع وتسعين.
وولى عوضه نائبه الملك العادل كتبغا المنصوري، مملوك أبيه، وبعث الناصر المذكور إلى الكرك، ليتعلم هناك القرآن والخط. فلبث هناك إلى أن قتل المنصور حسام الدين لاجين المنصوري، الذي انتزع الملك من كتبغا، ولما قتل لاجين، بويع الناصر المذكور
بالسلطنة، وخطب له بالديار المصرية، وهو إذ ذاك بالكرك، في ربيع الآخر سنة ثمان وتسعين، ثم أحضر إليها، واستمر سلطانا إلى أن أظهر التخلى عن الملك، لما تم عليه من كثرة الحجر من نائبه سلار، وأستاداره بيبرس الجاشنكير، حتى قيل إنه منع من خروف مشوى اشتهاه.
وكان تخليه عن الملك، في آخر سنة ثمان وسبعمائة، بعد أن صار بالكرك، وكان توجه إليها مظهرا لقصد الحج منها، ولما عرف الأمراء بمصر بإعراضه، تسلطن عوضه بيبرس الجاشنكير، وتلقب بالمظفر، وناب له سلار، واستوسق له الأمر، وأقام الناصر إلى أثناء سنة تسع وسبعمائة، ثم توجه منها إلى دمشق، راجيا للملك، وحرك عزمه على ذلك، جماعة من المماليك هربوا إليه من مصر، وراسل الناصر الأفرم نائب دمشق؛ ليكون معه فتوقف. وقال ما معناه: كيف يكون هذا وقد أمرنا بالطاعة لغيره - يعنى المظفر - لأن الناصر كان كتب من الكرك لما تخلى عن الملك إلى نواب البلاد، يأمرهم بالطاعة لمن يتسلطن عوضه، ثم إن الأفرم خذل وفر إلى الشقيف؛ ووصل إلى الناصر، قراسنقر المنصوري وغيره من نواب البلاد الشامية، وسار بمن انضم إليه إلى الديار المصرية، فوصلها سالما، وجلس على سرير الملك بها، في يوم عيد الفطر من سنة تسع وسبعمائة، وكان المظفر بيبرس قد توجه من مصر لقصد الناصر؛ فبان عن المظفر جماعة من أمرائه، وقصدوا الناصر، فخذل المظفر.
ورجع إلى مصر، بعد أن تفرق عنه عسكره، ثم أرسل إلى الناصر يطلب منه الأمان، وأن ينعم عليه بمكان يأوى إليه في غلمانه، فأجابه إلى ذلك، وعين له مكانا، ثم تغير عن ذلك الناصر بعد قليل، واستدعى المظفر إليه فقتله، وأباد الناصر جماعة من أعدائه. وقيل: إنه قبض - لما عاد إلى مصر - على السماط اثنين وثلاثين أميرا، وتمهد له الأمر حتى مات، وهادته الملوك، وفعل أفعالا جميلة.
منها: جامع أنشأه على شاطئ النيل بمصر، يعرف الآن بالجامع الجديد، ومدرسة بالقاهرة، بين القصرين، وتعرف بالناصرية، وقرر بها دروسا في المذاهب الأربعة، والقراءات، والتفسير، والعربية، وطلبة وتصادير وغير ذلك، وخانقاه للصوفية بسرياقوس، وغير ذلك، وحج ثلاث مرات، الأولي: في سنة اثنتي عشرة، والثانية: في سنة تسع عشرة، والثالثة: في سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة، وجهز إلى مكة العساكر غير مرة، لتمهيد أمرها، ولتأييد من يوليه إمرتها من أولاد أبي نمى، واتفق له من نفوذ
الأمر بمكة والحجاز، ما لم يتفق لأحد من مملوك الترك بمصر، وأنجد الملك المجاهد صاحب اليمن بعسكر، أيام حرب المجاهد، والظاهر بن المنصور أيوب بن المظفر.
ومن محاسنه: أنه كان معظما لمنصب الشرع، وقد صح لي عن قاضي القضاة عز الدين بن جماعة أنه قال: كان الملك الناصر - يعنى المذكور - يدعونى في دار العدل بحضرة الأمراء، ويذكر لي سرا ما ليس في السرية كبير فائدة، وظهر لي أن الذي يحمله على ذلك، تعظيم منصب الشرع عند الحاضرين.
ومما اتفق له ولم يتفق لملك من بعده، أنه أجاز الصفي الحلى على قصيدة مدحه بها بمائة ألف درهم، وعدد أبياتها مائة بيت.
وولى السلطنة من أولاده لصلبه ثمانية، وهم: المنصور أبو بكر، ثم الأشرف كجك، ثم الناصر أحمد صاحب الكرك، ثم الصالح إسماعيل، ثم الكامل شعبان، ثم المظفر حاجى، ثم الناصر حسن، ثم الصالح صالح، ولم يتفق ذلك لملك سواه ولا لخليفة. وأكثر ما يعرف في ذلك أربعة لرجل واحد، وهم: الوليد، وسليمان، ويزيد وهشام، أولاد عبد الملك بن مروان، وثلاثة، وهم: الأمين، والمأمون، والمعتصم، أولاد الرشيد العباسي، والراضى، والمتقى، والمطيع، بنو المقتدر.
ويقال: إن جيش مصر، كان في أيام الناصر المذكور، أربعة وعشرون ألف مقاتل. ولم يتفق ذلك بعده. وسببه: أن الناصر كان يرى تكثير المقاتلة، فلا يعطى كلا منهم إلا قدر كفايته أو أزيد بقليل، ولم ير ذلك الولاة بعده، وأعطوا لكل من يحبونه أضعاف ما كان يعطيه الناصر.
ووجدت بخط الحافظ شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي في وفياته، ترجمة للملك الناصر هذا، ذكر فيها من حاله قليلا مما ذكرناه، ثم قال: وكان من المعرفة لسياسة الملك على أمر عظيم، لا يكاد أحد يعرف ما في باطنه. وكان كثير التحيل، يقرب من يقرب ممن يختاره من مماليكه إلى منزلة لم يبلغها أحد، ثم يسلبه تلك النعمة في ساعة واحدة، ويهلكه غير محتفل به. انتهى.
وقال ابن شاكر في ترجمته: وكان راتبه من اللحم لمطبخه ولمماليكه وغيرهم: ستة وثلاثين ألف رطل مصري، وبالغ في شراء الخيل، حتى اشترى بيت الكرمدى بمائتى ألف. وبالغ في شراء المماليك، حتى اشترى بخمسة وثلاثين ألف درهم. انتهى. يعني: الواحد من المماليك.
توفى في ليلة الخميس حادي عشرى ذي الحجة سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، بقلعة الجبل، وحمل في محفة ليلة الجمعة ثاني عشرى الحجة، إلى المدرسة المنصورية بالقاهرة فغسل بها، وصلى عليه، ودفن عند أبيه.
وذكر ابن شاكر الكتبى في تاريخه: أنه توفى تاسع عشر الحجة.
وذكر الشريف الحسيني، أنه توفى في يوم الأربعاء العشرين من ذي الحجة، والأول أصوب إن شاء الله، لأن ابن أيبك الدمياطي، ذكره في وفياته، وهو بذلك أعرف. وله من العمر ثمان وخمسون سنة، تنقص نحو عشرين يوما.
دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان-ط 1( 1998) , ج: 2- ص: 1