الأفضل صاحب حماة محمد بن اسمعيل السلطان الملك الأفضل ناصر الدين ابن السلطان العالم الملك المؤيد عماد الدين بن الأفضل علي ابن الملك المظفر بن المنصور ابن صاحب حماة تقي الدين عمر بن شاهنشاه ابن أيوب بن شادي، حضر إلى دمشق في أوايل شهر ربيع الآخر من سنة اثنتين وأربعين وسبع ماية وقد رسم السلطان الملك الأشرف علاء الدين كجك ابن السلطان الملك الناصر بحضوره إلى دمشق ليكون بها مقيما أمير ماية رأس الميسرة ويطلق له من دخل حماة ألف ألف درهم ومايتا ألف درهم في كل سنة فركب بها موكبين وحصل له قولنج أعقب بصرع فتوفي ليلة الثلثاء حادي عشر الشهر المذكور، ومن الغريب أن زوجته كانت قد مرضت وأشرفت على الموت فجزع عليها وصنع لها تابوتا ليضعها فيه إذا توفيت ويحملها إلى حماة فلما توفي هو وضعته والدته في ذلك التابوت وحملته إلى حماة من ليلته ثم إن الزوجة المذكورة توفيت عشية ذلك اليوم ثم إن ابنيه توجها إلى مصر صحبة جدتهم فأكرموا نزلها إكراما لابنها الملك الأفضل وأعطوا لابنه الكبير إمرة سبعين فارسا فمات في مصر قبل خروجهم منها فسبحان من يقرب الآجال ويقطع الآمال، وكان والده الملك المؤيد قد سماه في حياته بالملك المنصور فلما توفي والده في سنة اثنتين وثلثين وسبع ماية ورسم له السلطان الملك الناصر بمكان أبيه سماه الملك الأفضل باسم جده، وكان إنسانا حسنا يعطي العطاء الوافي الوافر وهو مذموم غير محمود وكان أبوه أسعد منه وما زال مروعا مدة حياته تارة من جهة السلطان وتارة من جهة الأمير سيف الدين تنكز وتارة من جهة أقاربه وشكواهم عليه وتارة من جهة العربان، وكان قد نسك في وقت وجلس على الصوف والتزم بأن لا يسمع الشعر ثم ترك ذلك وجلس على الحرير وسمع الشعر، وولاني نظر المدرس التقوية بدمشق نيابة عنه وسمعت كلامه غير مرة فما كان يخلو من استشهاد بشعر مطبوع أو مثل مشهور، وأما والده فكان فاضلا صاحب مصنفات وسيأتي ذكر والده في حرف اسمعيل إن شاء الله، وترك الملك الأفضل عليه من الدين فيما بلغني ممن له اطلاع على حاله جملة فوق الألفي ألف درهم، وكان الأمير سيف الدين تنكز قد حنا عليه آخرا وشذ منه ولما أمسك تعب بعده ولزمته مغارم وكثرت الشكاوى عليه وقل ناصره فتضعضعت أحواله واختلت أموره وكان الموت فجاءة آخر خموله نعوذ بالله منه، وقال شاعره وشاعر أبيه من قبله جمال الدين محمد بن نباتة يرثيه:
تغرب عن مغنى حماة مليكها | وأودى بها من بعد ذلك مماته |
وما مات حتى مات بعض نسايه | بهم وكادت أن توت حماته |
وقال أيضا قصيدة أولها:
بكى الشعر أيام المنى والمنايح | ففي كل بيت للثنا صوت نايح |
ولما ادلهمت صفحة الألفق بالأسى | علمنا بأن الشهب تحت الصفايح |
حيا المزن أسعدني على فقد سادتي | بدمع كجذواهم على الخلق سافح |
أبعد بني شاد وقد سكنوا الثرى | قريض لشاد أو سرور لفارح |
أبعد ملوك العلم والبأس والندى | تشب العلا نار القرى والقرايح |
لئن أوحشوا منهم بيوت مقامهم | لقد أوحشوا منا بيوت المدايح |
منها:
تلا فقد اسمعيل فقد محمد | فيا للأسى من فادح بعد فادح |
وزالا فما إنسان عيني بممسك | بكاه ولا إنسان قولي بكادح |
كأن لم يجد بعد المؤيد أفضل | فمن جذع بذ الجياد وقارح |
كأن زناد الفضل لم يور منهما | سنا شيم ما فيه قول لقادح |
منها:
ووالله ما نوفي صفات محمد | إذا نحن أثنينا عليه بصالح |
سلام على جنات أجداثهم ولا | سلام لنار الحزن بين الجوانح |
وأنشدني من لفظه لنفسه الأديب علي بن مقاتل الحموي بحماة يرثي الملك الأفضل:
صاحب حماة ما عطي في الدست الهامات | يبذق تفرزن عقد بندو على الهامات |
دارات عليه رخاخ أفيال وها ما مات | لعب بنفسو على خيل ركبها مات |
وأنشدني له أيضا:
يا أولاد الأفضل كسرتم كسر ما لو حيز | فقدتم ابن المؤيد نجل ذاك الحبر |
تصبر واندبوا من قد حواه القبر | فآل أيوب هم أهل البلا والصبر |
وأنشدني له أيضا:
بالأمس يا أولاد الأفضل صاح صايحكم | على الملا بين غاديكم ووايحكم |
واليوم صارت مغانيكم نوايحكم | واتبدلت بمراثيكم مدايحكم |
وأنشدني له أيضا:
محمد المصطفى المختار من منشاه | من شرف الكون في سابع سما ممشاه |
أذاقه الموت من كل الورى تخشاه | من هو ملك مصر أو من ابن شاهنشاه |