التصنيفات

جمال الدين محمد بن نباته محمد بن محمد بن محمد بن الحسن بن أبي الحسن بن صالح بن علي بن يحيى بن طاهر بن محمد بن الخطيب أبي يحيى عبد الرحيم بن نباته الفارقي الأصل المصري المولد الحذاقي الشافعي جمال الدين أبو بكر الأديب الناظم الناثر، تفرد بلطف النظم وعذوبة النظم وجودة المعنى وغرابة المقصد وجزالة الكلام وانسجام التركيب، وأما نثره فإنه الغاية في الفصاحة سلك منهج الفاضل رحمه الله وحذا حذوه وأطفأ نور ابن عبد الظاهر فلم يدع له في القلوب حظوة، وأما خطه فأغلى قيمة من الدر لو رزق حظا وأغزر ديمة من الغيث إلا أن الزمان أصح قلبه عليه فظا لو أنصفه الدهر كان لكتاب إماما، ولو رقاه رتبا يستحقها لغرد سجعه حماما، وانسجم لفظه غماما، وطلع بدر فضله تماما.

ولد بمصر في زقاق القناديل سنة ست وثمانين وست ماية ونشأ بالديار المصرية وبها تأديب واشتغل بفني النظم والنثر وسمع ممن أمكنه السماع منه وكان له بالقاضي علاء الدين ابن عبد الظاهر اجتماع وله منه نصيب وورد إلى الشام سنة خمس عشرة تقريبا ومدح أكابرها وأجازوه ومدح الملك المؤيد عماد الدين إسماعيل صاحب حماة فأجازه وجعل ذلك عادة له في كل سنة فمدحه بمدايح حسنة ثم لما مات رحمه الله استمر بذلك الراتب له ولده الملك الأفضل ناصر الدين محمد وكان يرتحل إلى حلب وطرابلس ثم إنه اقتصر آخر أمره على الإقامة بدمشق والانجماع عن الناس وقرره الصاحب أمين الدين أمين الملك رحمه الله أن يكون في كل سنة ناظر القمامة بالقدس الشريف أيام زيارة النصارى لها فيتوجه يباشر ذلك ويعود، وأضيف له إلى نكد الزمان أنه لم يعش له ولد فدفن فيما أظن قريبا من ستة عشر ولدا كلهم إذا ترعرع وبلغ خمسا أو ستا أو سبعا يتوفاه الله تعالى فيجد لذلك الآلام المبرحة ويرثيهم بالأشعار الرايقة الرقيقة كتبت إليه من الديار المصرية في سنة تسع وعشرين وسبع ماية استدعاء لإجازته لي صورته:
الحمد لله على نعمائه، والصلاة والسلام على خير أنبيائه، محمد وآله وصحبه وأصفيائه، المسؤل من إحسان سيدنا الشيخ الإمام العالم العلامة رحلة الأدب، قبلة ذوي التحصين له في التحصيل والدأب، الذي تبيت شوارد المعاني صرعى تخوله للطافة تخيله، وتمسي الألفاظ العذبة طوع تحوله في التركيب وتحيله، فأمسى وله النسيب الذي يضحك من العباس من رقته، ويقيم صريع الغواني إلى مقته بعد مقته، والغزل الذي يشيب له فود الوليد، ويسترق الحر من كلام عبيد، والتشبيه الذي لو علمه ابن المعتز لما نصب الهلال فخا لصيد النجوم، ولو تعاطاه حفيد جريج لقيل له ألم تسمع ألم غلبت الروم، والمديح الذي لو بلغ زهيرا لقال ما أنا من هذه الحدايق، أو اتصل نبأه بالمتنبي لاشتغل عن ذكر العذيب وبارق، والرثاء الذي نقص عنده أبو تمام بعد أن رفع له لواء الشرف والفخر، وقال هذه عذوبة الزلال لا ما تفجر من الخنساء على صخر، والترسل الذي سقى الفاضل كأس الحتوف لما شبه الغمود بالكمايم والسيوف بالأزهار، وأذهله حتى صحت له قسمة التجنيس في الخيل والخيال بين المراقب والمراقد وأخطأت معه في المرابع والمساجد بين الأنواء والأنوار، والكتابة التي تغدو الطروس بها وكأنها برود محبرة، أو سماء بالنجوم زاهرة، إن لم ترض أن تكون في الأرض رياضا مزهرة.
جمال الدين أبي بكر محمد بن الشيخ الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن نباتة جمع الله به شتات الأدب في دوحة هذه الدولة، ولم به شعث أبنايه الذين لا صون لهم ولا صولة، وأقام به عماد أبيات الشعر التي لولاه لما عرفت دار مية من أطلال خولة، بمنه وكرمه، إجازة كاتب هذه الأحرف ما له فسح الله في مدته من رواية المصنفات في الأحاديث النبوية والتأليفات الأدبية على اختلاف أوضاعها وتباين أجناسها وأنواعها بحسب ما تأدى ذلك إليه واتصل به من قراءة أو سماع أو إجازة أو وصية أو وجادة من مشايخ العلم الذين أخذ عنهم وإجازة ما له أحسن الله إليه من مقول نظما أو نثرا تأليفا أو وضعا إجازة خاصة وإثبات ما له من التصانيف إلى هذا التاريخ بخطه الكريم وإجازة ما لعله يقع له بعد ذلك إجازة عامة على أحد القولين في المسألة فإن الرياض لا ينقطع زهرها، والبحار لا تنفد دررها، وإثبات ما يحسن إيراده في هذه الإجازة من المقاطيع الرايقة، والأبيات اللايقة، وذكر نسبه ومولده ومكانه فأجاب بما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد حمد الله الذي إذا توجه ذو السؤال إليه فاز، وإذا دعى كرمه ذوو الطلب أجاب وأجاز، والصلاة على سيدنا محمد كعبة القصد التي ليس بينها وبين النجح حجاز، وعلى آله وصحبه حقايق الفضل والفصل ومن بعدهم مجاز، فلو لزم في كل الأحوال تناسب المخاطبة، وكان جواب السؤال بحسب ما بينهما من شرف المناسبة، لما رضى سجع الحمايم لمطارحته نوعا من الأطيار، ولا قبل فصحاء الأول مراجعة الصدى من الديار، ولا قنع غمز حواجب الأحبة برد القلوب الهايمة في أودية الأفكار، ولكن تقول الأكابر والأتباع تبذل من الأجوبة جهدها، وتنفق ما عندها، وتجرد الأماثل سيوف النطق ولا تتعدى الأولياء من الطاعة حدها، ولما كنت أيها الراقم برود هذا السؤال ببيانه، والمنشئ روض هذا الاستدعاء بآثار السحب من بنانه، والسايل الذي هزت المعاطف فضايله، وسحرت أرباب العقول عقايله، وأقام المسؤل مقاما ليس هو من أهله، فليتق الله سايله، فريد فن الأدب الذي لا يبارى، وبحره الذي لا يهدي غايص قلمه الدر إلا كبارا، وذا اليد البيضاء فيه الذي طالما آنس من جانب ذهنه الشريف نارا، وخليله الذي اطلع على أسراره الدقيقة، ورئيسه الذي لو جارى ابن المعتز وتمت ولايته لكان خليل أمير المؤمنين على الحقيقة، وناظمه الذي يسري الطائيان تحت علمه المنشور، وكاتبه الذي يتبحح العبدان بالدخول تحت رقة المأثور، طالما شافه منه العلم وجها جميلا وقدرا جليلا، ولاقى من لا يندم على صحبته فيقول ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، فهو الغرس الذي يقصر عن آمالي وصفه الشجري، ويفخر الدين والعلم بشخصه ولفظه فهذا يقول غرسي، وهذا يقول ثمري، كم أغنى بمفرد شخصه عن فضلاء جيل، وكم بدا للسمع والبصر من بنات فكره بثينة ومن وجهه جميل، وكم تنزهت الأفكار من لفظه وخطه بين ريحان وورد لا بين أذخر وجليل، وكم دام عهده ووده حتى كاد يبطل قول الأول دليل على أن لا يدوم خليل، تود الشهب لو كانت حصباء غدير طرسه، وتغادر الأفق إذا طرز يراع درجه بالظلماء أردية شمسه، ويتحاسد النظم والنثر على ما تنتج مقدمات منطقه من النتايج، وينشده كل منهما إذا حاول القول خليل الصفا هل أنت بالدار عايج، إن كنت أغضي ابن مقلة من الحسد على قذاة، وحمل ابن البواب لحجبه عصا القلم قايلا ما ظلم من أشبه أباه، وإن نحا النحو لباه عشرا، ولأنت أعطاف الحروف قسرا، وتشاجرت الأمثلة على لفظه فلا غرو إن ضرب زيد عمرا، يترجل كلام الفارسي بين يديه، ويطير لفظ ابن عصفور حذرا من البازي المطل عليه، وإن شعر هامت الشعراء بذكره في كل واد، وخمل ذكرها في كل ناد، ونصبت بيوته على يفاع الشرف كما تنصب بيوت الأجواد، طالما بلد لبيدا، وولى شعر ابن مقبل منه شربدا، وقالت الآداب لبحتري لفظه ألم نربك فينا وليدا، وإن نثر فما الدر اليتيم إلا تحت حجره، ولا الزهر النضير إلا ما ارتضع من أخلاف قطره، ولا المترسلون إلا من تصرف في ولاية البلاغة تحت نهيه وأمره، وإن تكلم على فنون الأدب روى الظماء، وجلا معاني الألفاظ كالدمى، وقال العروض له ولابن أحمد خليلي هبا بارك الله فيكما، هذا وكم أثنى قدم علوم الأوايل على فكره الحكيم، وشهدت رواية الأحاديث النبوية بفضله وما أعلى من شهد بفضله الحديث والقديم،
بدأتني أعزك الله من الوصف بما قل عنه مكاني، واضمحل عياني، وكاد من الخجل يضيق صدري ولا ينطلق لساني، وحملت كاهلي من المن ما لم يستطع، وضربت لذكرى في الآفاق نوبة خليلية لا تنقطع، وسألتني مع ما عندك من المحاسن التي لها طرب من نفسها، وثمر من غرسها، أن أجيبك وأجيزك، وأوازن بمثقال كلمي الحديد إبريزك، وأقابل لسنك المطلق بلساني المحصور، وأثبت استدعاءك الجليلي على بيت مال نطقي المكسور، فتحيرت بين أمرين أمرين، ووقع ذهني السقيم بين دائين مضرين، إن فعلت ما أمرت فما أنا من أرباب هذا القدر العالي، والصدر الحالي، ومن أنا من أبناء مصر حتى أتقدم لهذا الملك العزيز، وكيف أطالب مع إقتار علمي وفهمي بأن واجيز وأين لمقيد خطوى هذه الوثبات، وأني يماثل قوة هذا الغرس ضعف هذا النبات، وإن منعت فقد أسأت الأدب والمطلوب حسن الأدب مني، وأهملت الطاعة التي أقرع بعدها برمح القلم سنى، وفاتني شرف الذكر الذي امتلأ به حوض الرجال وقال قطني، ثم ترجح عندي أن أجيب السؤال، وأقابل بالامتثال، وأتحامل على ظلع الأقوال، صابرا على تهكم سايلي، معظما قدري كما قيل بتغافلي منقادا إلى جنة استدعايك من الطور بسلاسلي، وأجزت لك أن تروى عني ما تجوز لي روايته من مسموع ومأثور، ومنظوم ومنثور، وإجازة ومناولة ومطارحة ومراسلة ونقل وتصنيف، وتنضيد وتفويف، وماض ومتردد، وآت على رأي بعض الرواة ومتجدد، وجميع ما تضمنه استدعاؤك فأجمع ما يكون لفظه المتفرد كاتبا لك بذلك خطي مشترطا عليك الشرط المعتبر فليكن قبولك يا عربي البيان جواب شرطي ذاكرا من لمع خبري ما أبطأت بذكره وأرجو أن أبطئ ولا أخطئ فأما مولدي فبمصر المحروسة في ربيع الأول سنة ست وثمانين وست ماية بزقاق القناديل وأما شيوخ الحديث الذين رويت عنهم سماعا وحضورا فمن أقدمهم الشيخ شهاب الدين أبو الهيجاء غازي بن أبي الفضل بن عبد الوهاب نزيل قطيا المعروف بابن الرداف سمعت عليه بعض الغيلانيات وهو الجزء الثاني والثالث من تجزية أحد عشر جزءا والشيخ عز الدين أبو نصر عبد العزيز بن أبي الفرج الحصري البغداذي سمعت عليه جزءا من أحاديث خرجها له والدي، والشيخ العالم شهاب الدين أحمد بن أبي محمد إسحاق بن محمد الهمذاني الأبرقوهي سمعت عليه السيرة النبوية بقراءة الشيخ فتح الدين ابن سيد الناس، وأما من أجازني منهم بمصر وغيرها من الأمصار فكثير أخبرنا الشيخ المسند عز الدين أبو العز عبد العزيز بن عبد المنعم بن علي الحراني رحمه الله إجازة أبا الشيخ أبو الفتوح يوسف بن المبارك بن كامل قراءة عليه وأنا حاضر ببغداذ أبا الشيخ أبو منصور عبد الرحمن بن محمد بن عبد الواحد القزاز قراءة عليه وأنا أسمع أبا الشيخ أبو الغنايم عبد الصمد بن علي بن محمد قراءة عليه وأنا حاضر قيل له أخبركم أبو الحسن علي بن عمر بن أحمد الدارقطني ما محمد بن علي بن إسماعيل الأيلي ما أحمد بن المعلى بن يزيد ما حماد بن المبارك ما محمد بن شعيب ما مروان ابن جناح عن هشام بن عروة أنه أخبره عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أن من الشعر حكمة، وأما الفضلاء والأدباء الذين رويت عنهم فمنهم القاضي الفاضل محي الدين أبو محمد عبد الله ابن الشيخ رشيد الدين عبد الظاهر الكاتب المصري والشيخ الإمام بهاء الدين أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن النحاس النحوي الحلبي والأمير الفاضل شمس الدين أبو عبد الله محمد ابن الصاحب المؤرخ شرف الدين إسماعيل التيتي الآمدي، اقترح علي ولم أبلغ الحلم نظما في زيادة النيل فقلت:
والشيخ العالم علم الدين قيس بن سلطان الضرير من أهل منية بني خصيب قرأت عليه كثيرا من كتب الأدب المشهورة وكان كثيرا ما يستنشدني إلي أن أنشدت قولي:
فقال أتعب والله جذعك القرح، والشيخ العالم بهاء الدين محمد بن محمد المعروف بابن المفسر أنشدني يوما لنفسه:
فأنشدته لي:
والشيخ الأديب الفاضل سراج الدين عمر الوراق المصري سمعته ينشد لنفسه:
والأديب الفاضل نصير الدين المناوي الحمامي أنشدني لنفسه:
فأنشدته لي:
وجماعة يطول ذكرهم، ويعز علي أن لا يحضرني الآن إلا شعرهم، وأما مصنفاتي التي هي كالياسمين لا تسوى جمعها ولولا جبر الخزائن الشريفة السلطانية الملكية المؤيدية لها ما استجزت نصبها ولا رفعها فهي كتاب مجمع الفرايد كتاب القطر النباتي كتاب شرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون كتاب منتخب الهدية من المدايح المؤيدية كتاب الفاصل من إنشاء الفاضل كتاب زهر المنثور كتاب سجع المطوق كتاب إبزار الأخبار كتاب شعاير البيت التقوى ولم يكمل إلى الآن، الأرجوزه المسماة فرايد السلوك في مصايد الملوك، أجزت لك أعزك الله روايتها عني ورواية ما أدونه وأجمعه بعدها حسبما اقترحه استدعاؤك ونمقه ونسخه وحققه وتضمنه سؤالك الذي تصدقت به علي فمنك السؤال ومنك الصدقة والله تعالى يشكر عهدك الجميل، وكلماتك الجزلة وكرمك الجزيل، ويمتع فنون الفضايل الملتجية إلى ظل قلمك الظليل، ولا يعدم الأحباب الآداب من اسمك وسمتك خير صاحب وخليل، بمنه وطوله تمت الإجازة، ثم إنني سمعت من لفظه كتاب منتخب الهدية والقطر النباتي وكنت قد كتبت عليه وأنا بالقاهرة
وسمعت من لفظه فرايد السلوك وسمعت من لفظه المنتخب المنصوري وسمعت من لفظه النحلة الأنسية في الرحلة القدسية وغالب ما أنشأه من النظم والنثر سمعته وكنت قد كبت بالقاهرة على قطعة أهداها من شعره:
وقد اختار من دواوين الشعراء جملة منها ديوان ابن الرومي وديوان ابن سناء الملك وديوان ابن قلاقس وديوان ابن حجاج وهو اختيار جيد سماه تلطيف المزاج من شعر ابن حجاج وديوان شرف الدين شيخ الشيوخ، وبيني وبينه مكاتبات كثيرة، ومراجعات أثيرة، منها ما كتبه إلي وأنا بالقاهرة سنة اثنتين وثلثين وسبع ماية وهو:
وينهى أنه كان كسير الخاطر، حسير الناظر، لانقطاع بر مولانا الممتاز ولامتناع المملوك من المكاتبة ظنا أن بينها وبين القصد حجاز، فلما وقف الآن على ذكره في حاشية مكاتبة جمالية استأنف للخاطر سرورا، وأقام وزن البيت القلبي وكان مكسورا، ووضع الطرس على وجه خطه الأعمى فارتد بصيرا، وجمع بين ذلك الخاطر واللفظ والقلب وإنما جمع مسكينا ويتيما وأسيرا، وسره أشهد الله أن يكون معدود الذكر في الحاشية، واستوقف ألفاظ العتاب وقد كانت إلى درج الدراج ماشية،
وقد علم الله شوق المملوك إلى تلك الخلايق وربيعها، والألفاظ وبديعها، وشجوه الذي أخفى الجلد وأبانه ووحشته التي أفردته سهما واحدا في دمشق لا في كنانة.
والله تعالى يحرس مولانا حيث كان، ويمده بمعونتي المكان والإمكان، ويصون نفاسة نفسه وإن تغيرت على أحبابها، وأعرضت عن غلمانها، ويأبى ناموس الرتبة أن يقال عن أصحابها، ولا يعدم الأولياء على القرب والبعد أن يجتنوا من نظمه ونثره ثمر البيان متشابها، المملوك يقبل يد الجناب الأخوي البرهاني شكر الله إحسانه، وأوضح في استحقاق رتب الفضل برهانه، وود المملوك لو رآه عند القدوم من حلب فكان يوفى بعض قروض فضله وفروض بذله، ولكن أبى الحال المناسب إلا أن تبدأ هدية ذلك المولى بحبنه فيقابلها المملوك مطالعته وعرض وسايله ولكنه ذكر حكاية بعض حفاة الأعراب ومتعجرفيهم وقد اشتد به ضعفه فقال له بعض أخوانه تب إلى الله تعالى فقال يا أخي إن عافاني تبت فإني لا أقبل القسر فإن نظر ذلك المقر إلى المملوك ونفعه كتب وقال وأطاب وأطال ونهض في خدمة أيامه بما لا ينهض به سواه من أهل المقال وإلا:
فكتبت إليه الجواب عن ذلك:
وينهى ورود المثال العالي، والفضل الذي نصب لي لواء الفخر لو أنه كما أعهده متوالي، والبر الذي كم تمسكت بحباله فأرسل الحبا لي، والروض الذي هو لابن الشجري نهاية الأماني في الأمالي، والأزاهر التي أصبحت من جناة جناتها فلا بدع إذا كنت لنار عتبها اليوم صالي.
فوقف المملوك عليه، بعد أن تمثل واقفا لديه، وشاهد ذلك اللفظ الرقيق المشتمل على العتب الفظ وتحقق أن هذا من جزئيات ما ساق إليه القسم وحض عليه الحظ
ولقد علم المملوك عند رؤيته أنه غمامة تقعقع بالعتب رعدها عند الفض، ورسول جاء بعد فترة يدعو القلب إلى الكسر والطرف إلى الغض، وخصم يروع بالعتب ويروق باللطف وكذا جرى لأن الروع تعجل نقده في النض،
فيا له من عتاب ما حاك العتابى منه لقطة لفظة، ولا رقا إلى رقته عتاب جرى بين الزمان وجحظة، ولا استحضر مهديه عند تسطيره من القرآن الكريم {وليجدوا فيكم غلظة}
ولله مولانا فإنه كبث لما كتب، وعبث لا عتب، ونفث بعد أن لبث، ولو اجتث الود لاجتنب، ولكن دل بهذا على أنه ليس له أغراض في الإعراض، وأنه لا يليق بوده الثابت التبذل في التبدل ولا يعتاد أن يعتاض، ولله القائل ما أشرف همته.
ولعمري أن مولانا سباق غايات، ورب آيات، وصاحب دهاء لا بل دهاشات، علم أنه نكب عن الوفاء، وظهر عن لطفه ما لا يليق به من الجفاء، وأهمل المملوك هذه المدة، وطمع في ضعفه وظن أنه ليس لذكره كرة بعد الفرار ولا ردة، فتلا سورة من العتب سكنت ما عند المملوك من السورة، وأمكنه غفلة الرقباء فاختلس الزورة، وسابق حراف المملوك وقاطع عليه الدورة،
وقد تمثل المملوك بهذا البيت دون غيره من الأمثال لأنه أنسب بمولانا وأقرب، وتخيل ما يعهده من توهم مولانا فلم يقل يلدغ ويصي كالعقرب، على أن المملوك أحق بهذه المعاتبة، وأليق بأن يصدر عنه مثل تلك المكاتبة، وإذ قد فتح هذا الباب، ونوقش في مثل هذا الحساب، فاسكب دموعك يا غمام ونسكب نظهر ما في زوايا الجوانح من الخبايا، ونتبع ما في القلب إن كان حب مولانا ترك منها بقايا، وإن كان مولانا حمل البريد هذه البطاقة فعند المملوك ما يعجز عن حمله المطايا، هيهات ما هذا مقام يحصل فيه الصفا، ولو كان هذا موضع العتب لاشتفى،
استطرد المملوك بهذا الفصل وهو قبيح بصدق ولاية، ونكتة سواد كأنها الخال لكنها ما تليق بوجنة صفايه، ولكن الود إذا ما صفا لم يتحمل معه الضمير أذى، ولم تغمض الجفون منه على قذى
وإن اتفق اقتراب، فلكل سؤال جواب، ومن كل جرم متاب، ولكل صغيرة وكبيرة مناقشة وحساب، ولكل ظمإ إما سقيا رحمة أو سقيا عذاب،
وقد اشتغل المملوك بهذا الفصل، ولو وفق في هذه الخدمة قطع منها هذا الوصل، وجرى على عادته في الإغضاء وطلب النصر بالبصر لا بالنصل،
ويستغفر الله المملوك من هذا على أن مولانا عود المملوك بالاحتمال إذا آذى ويرجع إلى وصف مثال مولانا فيقول أنه الحديقة، والروض الذي جمع الأزاهر إلا أنه عدم شقيقه، والفضل الذي صدر عن أمثل الناس طريقه، والقادم الذي كأنه ولد جاء بعد اليأس وإن عملت له الدموع عقيقة،
فمتع الله الوجود بكلم مولانا التي هي عوذة من الغير، وجمال الكتب والسير، ولا أخلى الله من فوايده ولا قطع ما أجراه على المملوك من عوايده وقد بلغ المملوك سلامه وجبره مملوكه الأخ فدعا وابتهل، وشب جمر شوقه إلى رؤيته بعدما اكتهل، وقال لا بد من العود إلى جنابه إن كان في العمر مهل، وأما الإشارة الكريمة في أمر من ذكره مولانا وأنه تعين وتمكن وتبين والنادرة اللايقة بذلك المقام فيقول المملوك أنه ما عامل كما عومل، ولا قابل كما قوبل، بل ادكر ركود الدهر وهباته، وعمل بقول الحيص بيص في أبياته، بعد أن كبا سريعا، وخر للفم واليدين صريعا
تم الجواب. وكتب إلي في وقت
فأجبت بقولي:
وكتب إلي يطلب مني عارية كتاب التشبيهات لابن ظافر:
وينهي أنه يحب لفظ علي وتثقيله يزيد، ومنن مولانا المعهودة لا يثقل عليها أن تفئ وتفيد، وقد سمع بكتاب المشار إليه وسؤاله مشاهدة ذلك المحبوب، وعارية هذا الكتاب مدة ثلثة أيام ذلك وعد غير مكذوب.
فاشتغلت عن تجهيزه بالحمى ثم إنني جهزته وكتبت معه
فكتب إلي قبل وصوله إليه:
فكتبت الجواب عن ذلك:
فلما تأخر كتاب التشبيهات المذكور ولم يرسله كتبت إليه:
فكتب الجواب عن ذلك
وكتب إلي وأنا ضعيف:
فكتبت الجواب عن ذلك:
وكنت أجلس أنا وهو عند شباك الكاملية نتذاكر في الجامع الأموي كل ليلة بعد صلاة العصر فغبت بعض الليالي لشغل عرض فكتب إلي:
فكتبت الجواب إليه عن ذلك:
فلما وقف عليها وانتهى إلى الرابع منها قال هذا التالي والجامعة ما كانا لي في حساب، ولما حضرت من القاهرة أهدى إلي طعام بسلا فكتبت إليه من أبيات:
وكتب إلي مع خونجه شرايح:
وكتبت إليه ملغزا في باب:
فكتب إلي الجواب:
وكتب إلي ملغزا في قلم:
فكتبت إليه الجواب:
وكتب إلي ملغزا في كباد:
فكتبت إليه الجواب عن ذلك:
وكتب إلي معاتبا:
فكتبت الجواب:
ولما حضر من القدس أهدى إلي حزاما وكتب معه:
فكتبت الجواب:
وأنشدني من لفظه لنفسه وقد دخل ديوان الإنشاء بدمشق فتعذر إيصال معلومه النزر إليه:
وكان القاضي شهاب الدين ابن فضل الله قد دخل به إلى الديوان بدمشق في أوايل سنة ثلث وأربعين وسبع ماية وكان أقام مدة يتردد إلى الديوان ويكتب ولم يكتب له توقيع فكان يتقاضى القاضي شهاب الدين في ذلك كل قليل بمقاطيع مطبوعة وأبيات فيها المحاسن مجموعة من ذلك قوله وكتبت له توقيعا هذه نسخته
رسم بالأمر العالي لا زال يزيد البلغاء جمالا، ويفيد الفصحاء باختياره كفوا يخجل القمر كمالا، أن يرتب المجلس السامي القضائي الجمالي في كذا إنجازا لوعد استحقاقه الذي أوجب له الصون والصولة، وإبرازا لما في ضمير الزمان له من أن يرى له في الجو جولة، وإيجازا لما أسهب توهمه في الحرمان والحنو الشهابي يرفرف حوله، وإحرازا لأدبه الذي ما حلي بقلمه فيم ديوان ولا حلي بكلمه جيد دولة، لأنه الفاضل الذي يروض الأطراس، ويصيب بسهام أقلامه الأغراض على أنهاما تنفذ في القرطاس، ويترجل البرق لارتجاله الذي يقول له التروي ما في وقوفك ساعة من باس، ويهز الأعطاف بإنشايه الذي كأنه زمن الصبي والدهر سمح والحبيب مواتي، ويمطر الأفهام غمام كلامه الحلو فيتحقق الناس أنه القطر النباتي، ويذكر الزمن الفاضلي بآدابه التي أظلمت على ابن سناء الملك وما عاش لها ابن مماتي، فليباشر ذلك مباشرة تصدق الأمل في فضايله، وتحقق الظن في كماله، الذي تنزه الطرف في مخايل خمايله، ويشهد أواخر أدبه لقديم بيته وأوايله، وليمنق الطروس بسطوره فإن حروفه آنق من تخاريج العذار، ومداده أليق من خيلان ليل في خدود نهار، وألفاظه تروق لطفا كما تروق الثغور العذاب عند التبسم والافترار، ومعانيه يشف نورها كما شف لجين الكاس عن ذهب العقار، فقد صادفت سحايب كلمه روابي يزكو غراس نباتها ومواقع إنشايه أكبادا تتلظى ظما إلى برد قطراتها، وجياد بلاغته مضمارا لا يضيق مداه عن فسيح خطواتها، وأقلام بيانه أجما لا تزأر أسد الفصاحة إلا من غاباتها، فكم له من تعاليق ما رآها الجاحظ في حيوانه، وكم له من جمل دواوين ولكنه اليوم جمال ديوانه، وليكتم ما يكتب في قلبه، ويدفن ميت الأسرار في ضريح جانحتيه إلى لقاء ربه، فإنها صناعة الكتمان رأس مالها، والترفع والانجماع عن الناس سر جمالها، والوصايا كثيرة وتقوى الله تعالى ملاك ما يؤمر به وتناط الوصايا الحسان بسببه فلينسج منها على خير منوال، وليجر فيها على خير أسلوب فإن من عدمها ماله من وال، والخط الكريم أعلاه حجة بمقتضاه إن شاء الله تعالى.

  • دار فرانز شتاينر، فيسبادن، ألمانيا / دار إحياء التراث - بيروت-ط 1( 2000) , ج: 1- ص: 0