الصيادي
الشيخ محمد سعيد
الشيخ محمد سعيد
هو ابن أخت ملا عباس البغدادي النجفي الشاعر المشهور.
في كنز الأديب: ولد في النجف 14 رجب سنة 1250 وتوفي ليلة الأربعاء سلخ ربيع الأول سنة 1319 ودفن في الصحن الشريف الحسيني بكربلاء.
كانت لآبائه نيابة التولية والنظارة للحضرة الحيدرية حينما كان الخازن لها هو حاكم النجف ثم تغيرت أحواله بعد وفاة أبيه وأبن عم أبيه وصرفت عنهم هذه التولية. وتوفي والده بعد ولادته بنحو من سنتين ولما ترعرع صار له شغف بطلب العلم وقراءة الكتب الفارسية وحصلت له الملكة باللغة الفارسية كما أحرزها باللغة العربية وآدابها حتى كان الفرس والعرب يراجعونه فيما يشكل عليهم من اللغتين وكان ينظم في اللغة الفارسية والعربية فمن نظمه في العربية قوله مخاطبا بعض أصحابه في بغداد وقد طغى شط دجلة:
أيحسب لما أن طغى شط دجلة | يجاريك في مجراه زاخره الغمر |
وكتب إليه أيضا وقد نقص دجلة بعد زيارته:
يا أيها الشهم الزكي الذي | قد طاب فرعا وزكا عنصرا |
طغى عباب الماء من دجلة | كيما يجاريك إذا ما جرى |
وحيث جارى منه أجرى ندى | أحجم حتى رجع القهقرى |
أخي والكريم الحر ليس بتارك | عهود أخاء حفظها سمة الحر |
أيترك من صدوق الأخاء شعاره | أخاه بفوعاء الحوادث في ضر |
إذا لم تكن لي والحوادث جمة | فمن لي لدى اللأواء في الحادث النكر |
وان أنت في دنياك لم تك نافعي | فقل لي متى أرجوك تنفع في حشري |
وأخ وفي لا أطيق فراقه | حكم الزمان بأن أراه مفارقي |
بان الأسى مذ بان و أبيضت أسى | لنواه سود نواظري ومفارقي |
لو كان نيل المنى التدبير ينجحه | لنلت أقصى الأماني بالتدابير |
لكنما كل شيء أنت تطلبه | يجري بأمر مليك للمقادير |
يا صارفا في الصرف أيامه | هلا أفدت سائلا فائدة |
ما اسم على فاعلة وزنه | لكنما أحرفه زائدة |
نأيت عن الزورا فاظلم وحشة | بها أفقها وأزور عنها جمالها |
ومذ عدت عادت فيك تشرف بهجة | لأنك فيها شمسها وهلالها |
زارني في رمضان في الدجى | فحسبت الصبح قد لاح ضياه |
وتركت لثم فيه خيفة | يبطل الصوم إذا قبلت فاه |
رأت بفودي وخط الشيب ملتهبا | كشعلة البرق في داج من الغسق |
فأعرضت ثم عادت وهي ترمقه | بأعين للقلى محمرة الحدق |
لا تحسبي أن رأسي شاب من كبر | فبت في قلق منه وفي أرق |
لكنما استبقت بي للنهى هممي | فأحرزت منه شأوا غير مستبق |
لبست بردا قشيب للوقار وقد | جردت نفسي عن برد الصبا الخلق |
ولم أقل حين وافى الشيب مقتبلا | مقال منغمر في الجهل لم يفق |
يا حبذا عصر لهو للشباب مضى | قد طاب مصطبحي فيه ومغتبقى |
شتان ما بين أيام المشيب وما | بين الشبيبة من كيس ومن حمق |
ماذا تعيبين من شيب نضارته | تروق كالروض غب العارض الغدق |
وأين لون شباب حالك غدف | من حسن لون مشيب ناصع يقق |
لئن أحال بياض الرأس بن فشا | خلقي فحسبي ماخؤلت من خلقي |
قد رقت فينا منظرا وإنما | معتقدي بأن تفوق مخبرا |
لئن تطولت ببرق فلكم | أطلت من مدح عليك اقتصرا |
كم فيك قد بيضت من مدائح | في جبهة الزمان لاحت غررا |
يحكي سواد الحبر في بياضها | عيون حور العين راقت حورا |
أنى تضيع فيك لي مدائح | بنشرها تضوع مسكا أذفرا |
لديك هل عقد الوفاء واهيا | يغدو وعهدي فيه موثق العرا |
إن لم يكن فيك الوفا شنشنة | إذن فلا لوم على من كدرا |
لا تشمتن بي فئة نابذتها | فيك وقد ألقمت فاها الحجرا |
لا تحتقر قريحة قريحة | مند بقرح غوره لن يسبرا |
واتقين صاعقة تملأها | بين الثرى إلى الثريا شررا |
ولا تهج ذا كبد مني فلا | وزر من الليث إذا ما أصحرا |
إن لساني حية نضناضة | تنفث ما تنفث سما ممقرا |
فأين من شقاشقي إن هدرت | شقشقة الفحل إذا ما هدرا |
أبلغت أعذارا بإنذاري في | نظمي وقد أعذر من قد أنذرا |
لا قلم المصدور أن ينفث ما | في صدره بل حقه أن يعذرا |
تراكمت الغموم علي لما | نظرت وقد تراكمت الغيوم |
ومذ هبت رياح اللطف جلت | غيوم الأفق فانجلت الغموم |
تذكرت عهدا بالحمى راق لي دهرا | فهاجت تباريح الغرام لي الذرى |
وأومض من وادي الغضا لمع بارق | فأذكى بنيران الغضا في الحشا جمرا |
فيا حبذا تلك المغاني وإن نأت | ويا ما أحيلى العيش فيها وإن مرا |
ألا لا عدا الغيث الملث طلولها | ولا زال للغيث الملث بها مجرى |
فيا طالما بالأنس كانت أواهلا | وان هي أمست بعد موحشة قفرا |
عشية عاطاني المدامة شادن | أغن غضيض الطرف ذو غرة غرا |
حكى الغصن قدا والجآذر لفتة | وعين المها عينا وبيض الظبى نحرا |
سلافة عصر لم تفز بدنانها | جديس ولم تدرك لهاجرهم عصرا |
فبتنا وقد مد الظلام رواقه | علينا وأرخى من جلابيبه سفرا |
وفد هدأت عنا العيون وهومت | سوى أن عين النجم ترمقنا شزرا |
من العدل يا ظبي الصريمة أن ترى | وصالي حراما في الهوى ودمي هدرا |
لقد هنت قدرا في هواك وأنني | لا على الورى كعبا وأرفعهم قدرا |
ويا رب لاح قط ما خامر الهوى | حشماه ولا فاضت له مقلة عبرا |
يلوم فلم أرع المسامع عذله | كأن بإذني عند تعنيفه وقرا |
وهيهات يصغي للملامة وامق | معنى الحشى مضنى أخو كبد حرا |
وقائلة مالي أراك مشمرا | لجوب القفار البيد توسعها مسرى |
تجوب الفلا أو تركب البحر جاهدا | فلم تتئد أن تقطع البر والبحرا |
فقلت لها كفي الملامة إنما | هلال الدجى لولا السرى لم يكن بدرا |
سأفري نحور البيد شرقا ومغربا | وأقطع من أجوازها السهل والوعرا |
لا منية أحظى بها أو منية | فإن لم تك الأولى فيا حبذا الأخرى |
ألا يا لحا الله الليالي مالها | تخاد عني حتى كأن لها وترا |
ويا ويح دهر خطبه يستفزني | وقل له إن قلت يا ويحه دهرا |
وله:
أفتدي فرد جمال | ما له في الحسن ثاني |
ذو محيا أن تبدي | غار منه القمران |
هل درى ما ذا أقاسي | أم درى ماذا أعاني |
رق لي لو كان يدري | في هواه ما دهاني |
جار في الحكم زماني | آه من جور الزمان |
يقل لدمعي دما أن يصوبا | وللقلب مني أسى أن يذوبا |
لما قد ألم بآل النبي فأجرى | الدموع وأورى القلوبا |
ولا مثل يومهم في الطفوف | فقد كان في الدهر يوما عصيبا |
غداة حسين وخيل العدى | تسد عليه النضاء الرحيبا |
دعته لينقاد سلس القياد | وتأبى حميته أن يجيبا |
فهب لحربهم ثائرا بفتيان | حرب تشب الحروبا |
فمن كل ليث وغى تتقي | له في الوغى الأسد بأسا مهيبا |
وأروع يغشى الوغى باسما | ووجه المنية يبدي قطوبا |
عم ثلمت للمواضي شبا | وكم حطمت للعوالي كعوبا |
إلى أن ثوت في الثرى جثما | تضوع من نشرها الترب طيبا |
وأضحى فريدا غريب الديار | بنفسي أفدي الفريد الغريبا |
فراح يخوض غمار الحتوف | نار حشاه تشب لهيبا |
وأضحى بجنب العرى عاريا | كسته الأعاصير بردا قشيبا |
وسيقت حرائره كآلاء ماء | تجوب حزونا وتطوي سهوبا |
ويا رب نادبة والحشي يكاد | بنار الجوى أن يذوبا |
أريحانة المصطفى هل ترى | درى المصطفى بك شلوا سليبا |
يعز على المصطفى أن يرى | على الترب خدك أمسى تريب |
يعز محلى المصطفى أن يرى | بقاني الدما لك شيبا خضيبا |
يعز على المصطنف أن يرى | بأيدي العدى لك رحلا نهيبا |
ألانت قناتي يد الحادثا | ت وقد كان عود قناتي صليبا |
فهمل لليالي بهم أوبة | وهيهات ما قد مضى أن يؤوبا |
معاهدهم بالسفح من أيمن الحمى | سقاهن رجاس الغمام إذا همى |
وقفت بها كيما أبث صبابتي | فكان لسان الدمع عنها مترجما |
دهتها صروف الحادثات فلم تدع | بها أثرا إلا طلولا وأرسما |
بل أنها الأيام شتى صروفها | إذا ما رمت أصحت ولم تخط مرتمى |
وليس كيوم الطف يوم فأنه | أسال من العين المدامع عندما |
غداة استفزت آل حرب جموعها | لحرب ابن من قد جاء بالوحي معلما |
فلست ترى إلا أصم مثقفا | وأبيض إصليتا وأجرد أدهما |
أضلت عداها الرشد والهدي والحـ | ـجى وباعت هداها يوم باعته بالعمى |
أتحسب أن يستسلم السبط ملقيا | إليها مقاليد الأمور مسلما |
ليوث وغى لم تتخذ يوم معرك | بها أجما اللا الوشيج المقوما |
ولم ترض غير الهام غمدا إذا انتضت | لدى الروع مشحوذ الغرارين مخذما |
ومذ عاد فرد الدهر فردا ولم يجد | له منجدا إلا الحسام المصمما |
ولما جرى مر القضاء بما جرى | وقد كان أمر الله قدرا محتما |
هوى فهوى الطود الأشم فزلزلت | له الأرضون السبع واغبرت السما |
وأعولت الأملاك نادبة وقد | أقامت له فوق السماوات مأتما |
فأضحى لقى في عرصة الطف شلوه | ترض العوادي منه صدرا معظما |
ويهدي على عالي القنا رأسه إلى | يزيد فيغدو منشدا مترنما |
(نفلق هاما من رجال أعزة | علينا وهم كانوا أعق وأظلما) |
فشلت يداه حين ينكت مرشفا | لمرشف خير الرسل قد كان ملثما |
وزينب تدعو والشجى يستفزها | أخاها ولم يترك لها الدهر من حمى |
لقد كان دهري فيك بالأمس مشرفا | فها هو أمسى بعدك اليوم مظلما |
وكل قبيل شتت الخف شمله | فإن العدى تقوى عليه ويضعف |
كذاك الوفا بالعهد ضربة لازم | على كل شهم بالشهامة يوصف |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 9- ص: 342