الشيخ محمد رضا الشبيبي ابن الشيخ جواد ولد في النجف الأشرف وتوفي ببغداد سنة 1965 م وقد ناهز الثمانين ونقل جثمانه إلى النجف فدفن فيها.
(نشاته وأساتذته)
نشا كما كان ينشأ لداته في تلك العصور من أبناء الأسر العلمية، فأول شيء يتوجه اليه هو الكتاتيب لتعلم القراءة والخط وختم القرآن، وكان نصيب الطفل رضا ان يختم القرآن على سيدة صالحة مقرئة هي السيدة مريم البراقية.
وكان في النجف يوم ذاك بيت من بيوتها تتسلسل فيه مهنة تعليم الأطفال هو آل (حصيد) فتولى الشيخ هادي حصيد تعليم المترجم له الخط في مكتبه مع غيره من الأحداث. ثم تقدمت به السن فدرس علوماللغة العربيةعلى أساتيذ كان في مقدمتهم الشيخ محمد حسن المظفر والشيخ محمد جواد الجزائري، ودرسالمنطقعلى السيد مهدي الطباطبائي والسيد حسين الحمامي والسيد هبة الدين النهرستاني الشهرستاني، ودرس علمالفقهو علمالأصول على أكثر من أستاذ. ولكن طبيعته الأدبية وموهبته الشعرية اتجهت به نحو دروسالأدبو علومه فتخرج على السيد حسين القزويني والشيخ هادي الجعفر وعلى والده الشيخ جواد الشبيبي وآخرين. على انه لم يتخل عن متابعة الدراسات الفقهية والأصولية العالية فحضر دروس الشيخ كاظم الخراساني فيالأصولو الشيخ فتح الله النمازي المعروف بشيخ الشريعة في الفقه.
(عمله في الإصلاح)
وكان ذلك في أواخر عصور الدولة العثمانية. اي قبل نشوب. وهو عصر امتاز بيقظة فكرية ظهرت في الأقطار التابعة للدولة العثمانية ومن جملتها العراق. وكان هدف تلك اليقظة المطالبة بإصلاح شئون الدولة حيث أسهم المترجم له مع شباب ذلك العصر من عراقيين وغيرهم في الدعوة إلى الإصلاح. ثم كانت له جولات معروفة في الصحافة خصوصا السورية والمصرية ومن يتصفح بعض صحف مصر والشام ولبنان والعراق الصادرة في ذلك العصر يقرأ له فيها شعرا اجتماعيا أو سياسيا غير قليل ومقالات ادبية وتاريخية ولغوية وكان لجمهرة المتأدبين شغف بالغ بقصائده وحفظها وروايتها في تلك الفترة. حمل المترجم لواء الدعوة إلى الإصلاح السياسي والاجتماعي في شعره ونثره منذ نشا وكانت له رسالة من هذا القبيل في بلاد العرب والعراق وفي أقاليم الفرات خاصة.
ويقول مؤرخو الأدب العراقي الحديث انه في أوائل من طرق الموضوعات الاجتماعية وتناولها في شعره بين شعراء العراق وأولهم على الإطلاق بين شعراء النجف. وكان ذلك حوالي سنة 1320 للهجرة 287 (1905 م) كما كان عمره إذ ذاك حوالي الخمس عشرة سنة، وله ديوان شعر عنوانه (ديوان الشبيبي ) طبع في القاهرة سنة 1940 م.
(بحوثه ودراساته)
وللشبيبي دراسات وبحوث تاريخية وادبية وسياسية بعضها مطبوع وأكثرها مخطوط من ذلك بحث عنوانه (فن التربية في الإسلام) القاه على طلبة كلية التربية ببغداد سنة 1377 - 1958 ودراسة في اللغة عنوانها (أصول ألفاظ اللهجة العراقية) واخرى فيالأدبموضوعها أدب المغاربة والأندلس في أصوله المصرية ونصوصه العربية. وهي محاضرة ألقاها على طلبة معهد الدراسات العربية العالية في القاهرة. هذا إلى بحوث غير قليلة فيالتاريخوالأدبواللغةألقيت في دورات مؤتمر المجمع اللغوي في القاهرة وعددها خمس عشر دورة. وقد نشرت محاضر الدورات المذكورة وفيها امثلة من تلك البحوث والمحاضرات. واخر مجهود ظهر له كتاب عنوانه (رحلة في بادية السماوة) نشرت في بغداد.
(مساهمته في
ولما أعلنتو اندلعت في العراق سنة 1914 شارك في هذه الحرب إلى جانب الجيش العثماني. وحضر معركة الشعبية الطاحنة التي خذل فيها الجيش المذكور. ومن ثم عاد مع فلول الجيش المتقهقر إلى مدينة الناصرية.
(بعد انتهاء)
ولما عقدت الهدنة العامة سنة 1918 أي بعد انتهاءباندحار ألمانيا وحليفتها تركية وعقب احتلال العراق قام المحتلون بإنشاء حكومة قوامها فريق من ضباط الجيش.
ولم يحسب للشعب العراقي حساب في تأليف هذه الحكومة، ومن ذلك التاريخ شرع العراقيون بمقاومة تلك السلطة الأجنبية وبدأوا يطالبون الإنكليز بالجلاء والوفاء بعهودهم التي قطعوها للعرب بشأن حقهم في تقرير المصير. وهذه العهود عبارة عن مراسيم أصدرها في العراق الحلفاء وأذاعوها مذيلة بتواقيع رؤساء حكوماتهم بعد تقهقر الأتراك في ميدان الحرب العراقية إلى شمال الموصل واحتلال بغداد، وفي هذه المراسيم ما فيها من الأماني المعسولة والمواعيد الخلابة في إسداء العون للعرب في كفاحهم لنيل حريتهم وبعث تراثهم المجيد في الحضارة. وألح العراقيون على الإنكليز بان تتكون في العراق حكومة مستقلة ذات سيادة. وكان للشبيبي في هذا العهد جهود معروفة في مقاومة دسائس المحتلين والمطالبة بما قطعوه للعرب والعراقيين من عهود ووعود. ولما اضطرت حكومة لندن إلى تكليف نائب الحاكم السياسي العام في العراق السر (ارنولد ولسن) باستفتاء العراقيين. وجه الحاكم العام المذكور بواسطة حكام الأقاليم من الضباط والسياسيين اسئلة معينة إلى أهل العراق في اجتماعات كانت تعقد في مكاتب الحكام المذكورين ويشهدها فريق من الوجوه والزعماء وكان السؤال الأول عن جنسية الحاكم الذي يريدونه والثاني عن شكل الحكم. والثالث عن حدود العراق. فكانت اجوبة العراقيين مغايرة تماما لرغبة الإنكليز.
طالب الشبيبي في الاجتماع الذي عقد في مدينة النجف بحكومة دستورية يرأسها ملك عربي. وعبر بذلك عن رغبات أحرار العراق على صورة أثارت امتعاض الحاكم العام فقاطعه في تلك الجلسة ضاربا-أي الحاكم-بقبضة يده على المنضدة ولكن بدون جدوى والواقع ان أشق ما كان يشق على البريطانيين يومئذ هو ذلك الشعور الحي بالكرامة لدى أبناء العراق الأحرار. ولنا ان نقول ان جملة من الحوادث التي أريقت فيها الدماء نشات في العراق عن خشونة في اللهجة أو عجرفة استعمارية في اللقاء اعتبرها الجانب العراقي جارحة لكرامته. ماسة بشرفه وهكذا فان الشعور الحي بالكرامة ونزعة الاستعماريين المعروفة في الشموخ والكبرياء ضدان لا يجتمعان وما أكثر الشواهد على ذلك في احداث العراق خلال فترة الاحتلال. ولا حاجة إلى القول بان للشبيبي مواقفه المعروفة في هذا الدور الخطير من أدوار الكفاح بين الشعب العراقي والسلطة المحتلة خصوصا في بعض المراكز المعروفة كالحلة وكربلاء والنجف والديوانية وبغداد فان الروح الوطنية التي بعثت يومئذ كانت قائمة على نشاط عدد من العلماء ورجال الدين والوجوه والزعماء والشباب في المدن والأرياف المذكورة. وكان هو في طليعتهم. هذا ولما أخذت السلطات الإنكليزية المحتلة تماطل وتسوف في تلبية مطالب العراقيين والاعتراف بحقوقهم المشروعة، وقد اعلنوها وطالبوا بها مرارا خصوصا بعد اجراء الاستفتاء الذي تقدم ذكره. ولما كان قادة في سورية والحجاز يجهلون ما يجري داخل العراق من صراع عنيف بين أحرار البلاد والسلطات الإنكليزية وكان من الضروري اعلام زعماء العرب خارج العراق بحقيقة الحال هناك-فكر صاحب الترجمة بان يقوم بهذه المهمة. وفاتح بذلك فريقا من اصدقائه وزملائه العاملين من علماء ورؤساء وغيرهم من الشباب الناهض وأقنعهم بضرورة تنفيذ هذه الفكرة فوافقوا على رأيه.
(رحلته الوطنية)
ومن ثم قام برحلته إلى البلاد العربية منتدبا عن العراقيين لدى الحكومتين العربيتين في مكة المكرمة ودمشق الشام إذ ذاك. وزود بوثائق مذيلة بتواقيع زعماء البلاد وعلمائها وقادة الرأي العام فيها تضمنت انتدابه ليمثل العراق لدى الحكومتين المذكورتين وابلاغهما رغائب العراقيين وايقافهم على الأحوال الجارية في العراق. وقد بارح العراق في أواخر سنة 1919 م إلى مكة المكرمة سالكا طريق البادية من البصرة إلى (جبل شمر) في الديار النجدية فالمدينة المنورة. ومن المدينة إلى مكة.
(في الحجاز )
واستقبله الملك حسين في قصر الامارة بمكة وخلا به حيث قدم له ما معه من الوثائق. وتحدث اليه واطلعه على حقيقة الأحوال في العراق، وان العراقيين يعانون كثيرا من الضيم والارهاق تحت ادارة الاحتلال.
ويطالبون أشد المطالبة بالحرية والاستقلال وانهم مستعدون لحمل السلاح وإعلان الثورة والتضحية في هذا السبيل بنفوسهم ونفائسهم كما وقع ذلك فعلا. وقد طلب الشبيبي إلى الملك حسين ان يبذل جهده في سبيل تحقيق مطالب الشعب العراقي. وتكليف رسله وممثليه في مؤتمر الصلح الذي كان ملتئما في باريس بذلك. وكان (فيصل) يعاونه شباب اكفاء من السوريين وغيرهم يمثل والده في المؤتمر المذكور، فما كان من الملك حسين الا ان اعلم فيصلا بالوضع الراهن في البلاد العراقية وبان يدافع عن حقوق العراق في مؤتمر الصلح استنادا إلى تلك الوثائق. التي تسلمها من الشبيبي في مكة 288 المكرمة. ثم ان الملك حسين كتب بهذا المعنى رسائل أجاب بها العراقيين من علماء وزعماء وأعلمهم بتسلم الرسائل والوثائق التي حملها الشبيبي ووعدهم وعدا قاطعا في كتبه بأنه مستعد للتضحية بنفسه وعرشه في سبيل استقلال العراق بحدوده المعلومة وقد وفى الحسين بوعده فإنه توفي بعد ان اخرج من مكة وتنازل عن عرشه بسبب صلابته وثباته. وبعد ان اقام الشبيبي مدة لا تقل عن 40 يوما في مكة بارحها إلى المدينة المنورة ومنها استقل القطار وكان بحالة يرثى لها من الخراب بعد الثورة وذلك إلى حدود الشام.
(في دمشق )
وفي دمشق اجتمع بالملك فيصل بعد عودته من لندن وبقادة الحركة العربية من عراقيين وسوريين وفلسطينيين وغيرهم وتأكد لديه منهم وصول تلك الوثائق العراقية، وهكذا مثل العراق في عدة جمعيات ومؤتمرات من أشهرها المؤتمر العراقي الذي التام في الشام سنة 1920 م ونادى اي المؤتمر على رؤوس الأشهاد باستقلال العراق استقلالا تاما على ان تقوم فيه حكومة دستورية.
(عوده من الشام )
هذا وقد آثر العودة من دمشق إلى الوطن فور الاحتلال الفرنسي لدمشق بعد، فبارح دمشق في خريف سنة 1920 عائدا إلى العراق بطريق البادية على ظهور الجمال. وقد قطعوا المسافة بين دمشق وبغداد في خمسة وعشرين يوما.
في العراق
هذا وفي هذه الفترة الصاخبة من تاريخ البلاد ظهر للجميع ان الإنكليز لم يجدوا بدا من انهاء عهد الاحتلال. والموافقة على قيام دولة مستقلة ذات سيادة وفقا لما تقرر في مؤتمر القاهرة الذي عقد سنة 1921 حيث مثل شرشل وغيره من البريطانيين الحكومة الإنكليزية ومثل العراق كل من ساسون حسقيل جعفر العسكري. وفي صيف السنة المذكورة وصل فيصل وحاشيته على باخرة انكليزية أقلعت بهم من جدة إلى البصرة. ومنها توجهوا على السكة الحديد فمروا في طريقهم بالديوانية والحلة وكربلاء إلى النجف وأرياف الفرات وهي قلب العراق النابض وغرين عرين الأبطال الأشاوس الذين أذاقوا قوى المحتلين في الرارنجية والرميثة والشامية وأبي ضخبر وغيرهما ما أذاقوه. وضحوا بأرواحهم وجمع ما ملكت أيديهم في سبيل حرية البلاد وكرامتها. وكان لفيصل باعتباره ثائرا عربيا استقبال باهر يعجز التعبير عن وصفه في تلك المدن المجاهدة. وقوبل بمظاهرات ترحيبية كبيرة وخطب ثورية بليغة كما انه القى عدة خطب في تلك المناسبات، وكان الشبيبي يجتمع بفيصل وصحبه طول مدة إقامته في تلك الجهات وخصوصا في النجف وبغداد بعد وصوله إليها ولا يضن عليهم بالنصح ومواجهتهم بالواقع، ولما نودي بفيصل ملكا على العراق في تلك السنة كان يستدعيه ويستشيره في الأمور المهمة، وقد رشح لإشغال بعض المناصب العليا في أوائل أيام العهد الفيصلي ولكنه كان يعتذر ويفضل الانقطاع للدراسة والتأليف إلى ان كانت سنة 1924 وفيها عهد إلى يسن الهاشمي بتأليف وزارته الأولى فأبرق اليه وهو مقيم في النجف قائلا انه يسره التعاون معه وان يشغل منصب وزارة المعارف في الوزارة الهاشمية.
(في مناصب الدولة)
وتردد كثيرا في قبول الوزارة ولكن إلحاح اصدقائه في بغداد والنجف اضطره إلى القبول فاشغل منصب هذه الوزارة فترة لا تزيد على سبعة أشهر، ولما عرضت اتفاقية النفط على مجلس الوزراء وكانت من الاتفاقيات المجحفة بحقوق العراق اقترح تعديل بعض بنود الاتفاقية على أساس يكفل للعراق في زيادة العوائد المالية فلم يجد من يعضده. وفي جلسة خاصة بينه وبين الهاشمي ساله عن موقفه الأخير من الموضوع فقال الهاشمي ان إبرام هذه الاتفاقية من واجب وزارته. وعلى اثر ذلك غادر الجلسة وذهب إلى مكتبه في ديوان الوزارة وبعث بكتابه الذي يستقيل فيه من الوزارة لأنه يرى ان الاتفاقية مجحفة بمصالح العراق. وقد تقلد الشبيبي منصب وزارة المعارف خمس مرات وان لم تكن مدة الاستيزار طويلة فيها ففي سنة 1924 تقلدها كما قلنا أول مرة. وتقلدها مرة ثانية سنة 1935 وثالثا سنة 1938 ورابعا سنة 1941 وخامسا سنة 1948 واختير سنة 1935 عضوا في مجلس الأعيان وانتخبه هذا المجلس رئيسا له سنة 1937 وقد رشح في الانتخابات النيابية فكان عضوا في المجلس النيابي غير مرة وانتخب رئيسا للمجلس النيابي سنة 1943 وامضى سنة في الرئاسة ثم أعيد انتخابه لرئاسة المجلس المذكور سنة 1944 ولكنه استقال قبل انتهاء السنة بسبب دسائس استعمارية معروفة دبرت بليل.
وكانت آخر استقالة له، استقالته من رئاسة المجمع العلمي العراقي قبيل وفاته.
(في المناصب العلمية)
وانتخب الشبيبي في كثير من المؤسسات والمجامع العلمية واللغوية داخل العراق وخارجة. فهو عضو نادى القلم العراقي ورئيسه نحوا من عشرين سنة ورئيس المجمع العلمي العراقي سنة 1948 إلى ان تخلى عن رئاسته لأسباب معروفة. قد منح درجة الدكتوراة الفخرية من جامعة القاهرة تقديرا لبحوثه فيالأدبوالتاريخو انتخب عضوا في المجمع العلمي العربي في الشام سنة 1923 كما انتخب عضوا عاملا في مجمع اللغة العربية في القاهرة وذلك في أواخر سنة 1947. ومن المحاضرات التي ألقاها في المؤتمر اللغوي محاضرة موضوعها النهضة (النهضة الأدبية الحديثة في العراق) ومن محاضراته في القاهرة (أقدم مخطوط وصل إلينا في وصف جزيرة العرب) ومن مؤلفاته التاريخية كتاب (أبو الفوطي مؤرخ العراق) في ثلاثة اجزاء طبع منها اثنان فقط.
شعره غير المنشور في الديوان المطبوع
توفيت زوجته قبله بعام واحد فنظم في رثائها مجموعة قصائد ومنها هاتان القصيدتان سماها رنين على الأجداث:
وقت السرور ووقت ما اشجاني | نعمى الحياة وبؤسها سيان |
دنيا تحيرنا وتبطل منطقي | ابدا وتعقد بالخطوب لساني |
ولقد نفى عني الشكوك وردها | برد اليقين ونعمة الايمان |
النزع نزع الروح موت أول | والجهل جهل الحال موت ثاني |
قد نستكين إلى الصلاح وطالما | غلبت علينا نزوة الحيوان |
ما بين مبدأه وبين معاده | ضلت وحارث فكرة الإنسان |
في هيكلي كون كبير سره | ما زال عند مكون الأكوان |
يا ربة البيت الذي اودت به | وتخبطته بوائق الأزمان |
اعزز علي بان أراك اخيذة | بعد الكفاح، وشيكة الإذعان |
في ذمة الله اذهبي مبكية | منعوتة بالبر والإحسان |
معصومة مما يشين مصونة | مما يريب نقية الأردان |
من سار يحدوه الهوى غير الذي | أخذ الطريق على هدى القرآن |
عصف الردى بالطيبين اورمة | من رهطي الأدنى ومن اخواني |
بالسابقين فتوة ومروءة | والعاملين لرفعة الأوطان |
قد ترتقي همم وتشرف أنفس | تدع المحال بحيز الإمكان |
ومن الضنى، ملأ الحياة مرارة، | ما هونوه بحكمة الديان |
لم يعيني الوصب الذي قاسيته | بعد اللقاء هو الذي أعياني |
وإذا اختبرت أصبت في أحوالكم | رأى الشيوخ ونجدة الشبان |
جددوا العهد غداة (الأربعين) | وعلت زفرتهم لو تسمعين |
وتخلصنا إلى واعية | هزت الحي وما كنت تعين |
كنت عونا لهم فانقلبوا | كاليتامى، فقدوا حدب المعين |
يا سريرا احدق الأهل به | ورنا القوم اليه جزعين |
انهكتها علة موجعة | تركت كل ذويها وجعين |
حقق الله لها منزلة | بين حور في جنان الخلد عين |
ورع سيرته موروثة | من نساء ورجال ورعين |
أزمعت بينا، وليست وحدها | سترانا بعد حين مزمعين |
عشرة ما اعترضتها نبوة | أو هناة في سنين أربعين |
ما ادعينا كذبا في ودنا | فضح التجريب أفك المدعين |
ملك الموت ينادي ابدا | كم صريع برماحي أو طعين |
ما دعا يوما إلى طيته | معشرا الا ولبوا مسرعين |
لا ترى من فارق بين ذوي | يسرة أو فقراء مدقعين |
طالما حدنا فعدنا للهدى | وتمردنا فابنا طيعين |
يا زمان القرب ممن رحلوا | جادك الغيث ورواك المعين |
قد بكيناك بشعر رائق | مستجاد من هواة مبدعين |
يا نزول الربع في أرض الحمى | كم طرقنا حيكم مرتبعين |
بعدت نجعتكم، فاغتربوا | واقتفوا آثاركم منتجعين |
أي ركب لم لم يغادر داره | ونزول لم تجدهم مقلعين |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 9- ص: 287