الشيخ محمد نجيب مروة ابن الشيخ باقر ابن الشيخ محمد حسين الشهير (بالحافظ). ولد في قرية الزريرية حوالي سنة 1299 وتوفي سنة 1376 في قرية عيثا الزط من جبل عامل ودفن فيها.
نشا وترعرع في قرية (سلعا) العاملية فما دخل مدرسة ولا قرأ عند معلم، غير ان والدته علمته مبادئ القراءة والكتابة، اما والده فكان مشغولا عنه باسفاره الكثيرة، ولما شب تتبع الكتب والشيوخ فأتقناللغة وقواعدها وسلك طريق الشعر الفكاهي حتى غدا علما فيه.
ولقد كان محدثا طلق اللسان ورواية متقنا يحفظ الكثير من الأخبار والنوادر ويرويها بأسلوب شيق مما جعل الناس على اختلاف طبقاتهم يتشوقون إلى مجالسته ويتسابقون إلى الاستمتاع بأحاديثه وأشعاره، على انه في مواقف الجد يكون في شعره جادا صارما كما سترى في قصيدته الفلسطينية الميمية الآتية وفي هذه الأبيات التي نظمها ابان اشتداد المظالم التركية فيمخاطبا العرب:
الا فليفق بعد الرقاد وينثني | إلى الحرب من غلمانكم كل نائم |
فحتى متى هذا القعود وقد سقت | بنو الترك من اوداجكم كل صارم |
وحتى متى ترضون بالضيم والعدي | تروح وتغدو بينكم كالاراقم |
وحتى متى تغدون في كل وجهة | وتمسون في ذل من العيش دائم |
أما آن ان تأبى الهوان نفوسكم | فعيشكم بالذل عيش البهائم |
فكم غالت الأتراك منكم أماجدا | اولي عزمات كالليوث الضياغم |
غدوا بين مقتول بغير جناية | وبين طريد للخمول ملازم |
لما رأيت بلادي | بلاد فقر وفاقة |
والدهر اخنى عليها | مذ لازمته الحماقة |
والضيم القى عصاه | فيها ومد رواقه |
غادرتها إذ ليس لي | على المذلة طاقة |
العلم فخر ينال الفضل طالبه | ويدرك المجد والعلياء صاحبه |
ولا ينال وان هانت مطالبه | الا بجلا وتعليم وتدريب |
وللدراهم فضل ليس نجحده | من رام علما فان المال يسعده |
والفقر عن نيل فضل العلم يقعده | حتما ولو كان ذا فهم وتهذيب |
يلومني الناس إذ لم أبلغ الاربا | من العلوم وهم لم يعلموا السببا |
قالوا حويت الذكار والفهم والأدبا | وكان حفظك من بعض الأعاجيب |
لو كنت عصر الصبا بالعلم مشتغلا | لنلت مجدا اثيلا واكتسبت علا |
لكنما كنت في روض الهوى ثملا | تجني ثمار الملاهي والألاعيب |
فقلت تالله ليس الجهل من اربي | ولا تماديت في لهو ولا لعب |
ولا رغبت بوصل الخرد العرب | بل كان نيل المعالي جل مرغوبي |
لكن دهري عن التعليم أقعدني | ومنهل العسر والإملاق اوردني |
كم قد دنوت من العليا فابعدني | عن نيلها بعد تقديم وتقريب |
لقد ترعرعت في (سلعا) ولا كتب | عندي ولا فضة كلا ولا ذهب |
ولا فتى ذو علوم زانه أدب | من أهلها يتولى امر تاديبي |
هذا ولي والد بالفضل مشتهر | وبالعفاف وتقوى الله مؤتزر |
لم تصف أيامه إذ كلها سفر | تصرمت بين تشريق وتغريب |
لذاك شملي به ما كان مجتمعا | لتحتسي فكرتي من علمه جرعا |
تالله ما كنت من دنياه منتفعا | إلا بلبس ومأكول ومشروب |
نشات بين أناس كلهم همج | جوارهم شدة للمرء لا فرج |
بعدا لهم كم مضت لي بينهم حجج | وقد صبرت عليها صبر أيوب |
ان الخمول سقاني الدهر خمرته | واورثتني دواعي العسر سكرته |
لهفي على العمر إذ قضيت زهرته | ما بين (سلعا) و(باريش) و(معروب) |
عصر تقضى باحياء الرعاة سدى | إذ لم أنل منهم علما ولا رشدا |
لو ان حزني عليه نافعا لغدا | حزني عليه يساوي حزن يعقوب |
أتينا من رجال العلم شهما | جليلا قد حوى أدبا وفهما |
فنلنا عنده في الأنس سهما | كبيرا حيث بات لنا سميرا |
وأمسينا وكاس الأنس صافي | نميز بين أرباب القوافي |
فكدر صفونا رجل صحافي | وأسرف في تعصبه كثيرا |
وبالغ في ذكا (شوقي) وآلى | بان الكل قد امسوا عيالا |
عليه وان منزله تعالى | علوا عن منازلهم كبيرا |
وقال هو الذي سهر الليالي | لتحصيل المعارف والكمال |
إلى ان صار في أفق المعالي | برغم عداته قمرا منيرا |
به فن القريض لقد تحلى | فعز مقامه فيه وجلا |
ولما فاز في القدح المعلى | على أربابه اضحى أميرا |
فقلت له رويدك ليس فينا | جهول يكره الحق المبينا |
تصفحنا الأنام فما لقينا | لشوقي في بلاغته نظيرا |
ولا عجب إذا بلغ الثريا | ونال بفضله قدرا عليا |
وأصبح في البلاغة عبقريا | وطرف المجد بات به قريرا |
فكم أفنى بربع العلم عاما | وخاض ببحره حينا وعاما |
ونال من (الخديوي) احتراما | وكان على الزمان له نصيرا |
لعمري لو جلست مكان شوقي | لفاض الشعر من تحتي وفوقي |
ولكن النوائب فوق طوقي | تكلفني فتسلبني الشعورا |
ترعرع في المدارس وهو يرعى | تلامذة زكوا أصلا وفرعا |
ويحصد من حقول العلم زرعا | ويقطف من حدائقه زهورا |
وقد ضيعت في سوح الضياع | شبابي بين حراث وراعي |
فقصر عن بلوغ المجد باعي | ورحت بأرضها أرعى الحميرا |
وأسكنه إله الخلق مصرا | وآتاه على الأيام نصرا |
فشيد فوق ماء النيل قصرا | به فاق (الخورنق والسديرا ) |
واسكنني بعاملة زمانا | فم أحرز لعائلتي مكانا |
ولا فرسا ركبت ولا اتانا | ولا بغلا ملكت ولا بعيرا |
يا شيب ما لك قد كرهت فراقي | وعلى م قد لزمت يداك خناقي |
بيضت ظاهر عارضي ومفرقي | فاسود باطن قلبي الخفاق |
أ مضيق الأخلاق هل لك غيبة | عني فاغدو واسع الأخلاق |
نات الشبيبة بعد طول دنوها | مني وعافت منزلي ورواقي |
وعلي في سنن المشيب وشرعه | اضحت محرمة بغير طلاق |
كم قد بكيت على الشباب لأنه | إذ سار ودعني لغير تلاق |
ولكم احن إلى لقاه وقربه | بعد التفرق حنة المشتاق |
ذهب الهنا وصفاء عيشي بعده | وغدا الشيوخ الشائبون رفاقي |
وفقدت شدة ساعدي وهمتي | ثقلت وخفت قوة الاعراق |
وابيض شعري والزمان احاله | قطنا وبارت صبغة الخلاق |
وكرهت ان تحتل وجهي شيبة | بيضاء تلمع فيه كالمزراق |
ويحسن الفقهاء لي إطلاقها | وانا أقبح مذهب الإطلاق |
ويعد عندهم المخفف ذقنه | بين البرية أكبر الفساق |
ومن التقلب في عذاب جهنم | يوم القيامة ما له من واق |
كم قال لي أمل الديانة منهم | ذهبت بدينك شفرة الحلاق |
فأجبتهم كفوا فتطويل اللحى | بعد المشيب مخالف المذاقي |
وإذا أبيتم فاكتبوا ضبطا بها | وإلى (المفوض) حولوا اوراقي |
ارى الحكام طرا والرعايا | جميعا بين مرتشي وراشي |
وان الاختلاف بكل قطر | لأمر بينهم في الكون فاشي |
لقد كذب الذين رووا وقالوا | بان الحال بين الناس ماشي |
أ أرباب الحكومة لم غدوتم | تقودون الورى قود المواشي |
وليس يهمكم الا بطون | معودة على أكل المحاشي |
وتغسيل لأيد كامشات | معودة على قبض المعاش |
وهندسة لألبسة كسيتم | بها الأبدان من أغلى القماش |
ونوم يطرح الإنسان منكم | إلى قرب الظهيرة في الفراش |
وتطربكم مشاجرة البرايا | وتعجبكم مقالة كل واشي |
وكم تستبشرون إذا سمعتم | بان الخلف بين الناس فاشي |
لنيل مارب ان تنكروها | سأذكرها الغداة ولا احاشي |
معاشر أهل المال حتى م نشتكي | إليكم بهذا الدهر فقرأ وإعوازا |
ونسألكم إسعافنا فنراكم | تولوننا منكم ظهورا واعجازا |
أ ليس حراما ان يكون طعامكم | مدى الدهر عن قوت الخلائق ممتازا |
وطبخكم والخبز لا تأكلونه | بابياتكم يوما إذا لم يكن (طازا) |
وأطفالنا لا تستقر إذا رأت | من الناس طباخا هناك وخبازا |
أ ليس حراما ان نرى الشخص منكم | لأفخر أنواع الملابس قد حازا |
وواحدنا لا يستطيع بعامه | بان يكتسي إلا قميصا وغنبازا |
أ يحسن منكم أن يكون فتاكم | بخيلا لأصناف الدراهم كنازا |
وكل امرئ منا يروح ويفتدي | وقد أعجزته قلة المال إعجازا |
أعد لا يعيش المرء منا بقربكم | زمانا طويلا لا يصادف إعزازا |
ونحن إذا ما حل يوما بربعنا | فتى منكم أو مر بالحي مجتازا |
يصادف تعظيما هناك لنفسه | وتكرمة منا ولو كان معازا |
اعدلا يعد المرء منكم لسيره | جوادا يضاهي الصقر في السير والبازا |
ونحن إذا ما المرء منا على السري | أراد معينا ليس يملك عكازا |
الا فاعدلوا أهل الفلوس فصنفنا | إلى نحو حزب (البلشفيك) قد انحازا |
ولا تأمنوا الغارات منا فنهبكم | بمذهب أبناء الخصاصة قد جازا |
الا قل لعيسى ان وجد له أثرا | خف الله واصرف على جماعتك الفقرا |
حكمت فلا عدل بحكمك فيهم | وجرت فلم تترك على مؤمن سترا |
لكل مليك دولة ونهاية | سواك لقد أفنيت في حكمك الدهرا |
فلم تراع جانب الله فيهم | فقد صبروا حتى لقد أطعموا الصبرا |
فكم من فقيه ذي علا وفضائل | على غير جرم قد ركبت له ظهرا |
كأنك من دون الأنام حسبته | حمارا لقطع البيد يصلح أو مهرا |
وكم سيد جردته من ثيابه | ولم تخش يوما من عمامته الخضرا |
وكم ذي غيال قد حللت بداره | وأعلقت في أذياله الناب والظفرا |
إذا ما مشى يوما إلى الرزق ساعيا | تضيق في الحاظه البر والبحرا |
أ لم تنظر الأطفال في كسر بيته | من الجوع قد امست وجوههم غبرا |
وكم من فتى قد كان في حال ثروة | وأفنى مع الإثراء من عمره شطرا |
صنعت به مثل الطيور فلم تدع | جناحا ولا ريشا عليه ولا وبرا |
أ ما لك تسليط على غير عصبة | مساكين لم يعصوا لربهم امرا |
فكم من أناس واصلوا كل شقوة | فلم يحفظوا لله حقا ولا قدرا |
ترى المال والإنعام ملء ديارهم | ولم يعرفوا يوما لمنعمهم شكرا |
فقل لي لما ذا لا تحل بربعهم | ولم لم تصبهم قد محنتك الكبرى |
تنح وكن هنا جميعا بمعزل | ولا تعترض في الناس زيدا ولا عمرا |
وإلا رب البيت والركن والصفا | يوافيك جيش يملأ السهل والوعرا |
ويأتيك أرباب العمائم كلهم | غضابا يهزون البواتر والسمرا |
ترى ان سروا يوما عراج حميرهم | تضاهي نسيم الريح في حالة المسرى |
بهم كل شيخ كالبعير وسيد | تخيله من غرض أكتافه جسرا |
سيجمعك الرحمن ربك في غد | وإياهم طرا ويحشركم زمرا |
هناك لديه كم ترى من شكاية | عليك فلا تلقى مفرا ولا عذرا |
ان المصابيح في صيداء قد كثرت | وزال منها ظلام الليل وانقشعا |
فبعضها منه نور الكهرباء بدا | وبعضها منه نور الغاز قد طلعا |
ويغلب الكل مصباح هناك غدا | من معدن اللطف والعرفان مصطنعا |
أ لا ترى كل وقت من زجاجته | نور المعارف والآداب قد سطعا |
لقد أعارته بيروت لجارتها | صيدا فطوبى لحي فيه قد وضعا |
يا أيها الندب ان الناس قد وصفوا | ما حل فيك من الآداب واجتمعا |
وكنت اقطف من اثمار شعرك ما | ألقاه في روضة العرفان قد زرعا |
حتى إذا ما التقينا بعد آونة | في سفح صيدا بأيام الربيع معا |
أيقنت أنك حاو فوق ما وصفوا | من الكمال (و ما راء كمن سمعا) |
لقد نشات بارجاء الضياع ولي | قلب من الهم في (سلعاء) قد سلعا |
وانني موجع فامنن علي إذا | من القوافي بشيء يذهب الوجعا |
إذا ما جئت مصرا والشئاما | وأرضا ضمت البيت الحراما |
ونجدا والعراق وسرت يوما | إلى اليمن التي حوت الاماما |
ولبنان الذي تسقي الأعادي | بواسله العلاقم والشماما |
وتونس والأقاليم اللواتي | بها مجد العروبة قد تسامى |
فبلغ أهل هاتيك النواحي | جميعا عن فلسطين السلاما |
وقل لهم مقالة مقدسي | تؤجج في قلوبهم الضراما |
لسان المسجد الأقصى ينادي | ويدعو الشيخ منكم والغلاما |
بني السمر المريعة والمواضي | إلى م أنتم فرق إلى ما |
دعوا الأحياء واعتزلوا البوادي | وهاتيك المنازل والخياما |
دعوا طيب الكرى فالنوم اضحى | على أجفان قومكم حراما |
دعوا الأهواء واعتصموا جميعا | بحبل الله وانتظموا انتظاما |
وخلوا الخيل في البيداء تعدو | إلى ان تملأ الدنيا قتاما |
فعهدي انكم أصحاب بأس | شديد لا تهابون الحماما |
وعهدي ان للأعراب بيضا | صقالا تجلب الموت الزؤاما |
وعهدي ان جارهم عزيز | وجار العرب حاشا أن يضاما |
متى كان اليهود لهم وقار | متى نالوا من الأمم احتراما |
متى ركبوا المضمرة المذاكي | متى عرفت أكفهم الحساما |
متى رفع اليهودي بين قوم | بكل حياته رأسا وهاما |
أ يتخذ اليهود بلاد عيسى | واحمد في الدنا لهم مقاما |
وتملك آل شمعون ديارا | مقدسة تكون لهم عصاما |
وأنتم في الوجود وليس يلغى | بكل عديدكم الا الهماما |
وأنتم أهل عز ما عرفتم | بكل زمانكم ذالا ولاما |
فقوموا واحرقوا الأحياء منهم | ومن اجداث قومهم العظاما |
لقد بعث النجيب لكم مقالا | عساكم تسمعون له كلاما |
قلب الجنوب من الظما قد ذابا | والطفل فيه من الحوادث شابا |
والفقر حكم في جميع جهاته | من جلده الأظفار والأنيابا |
والمحل فيه قد أناخ مطيه | جهرا وشد بأرضه الأطنابا |
وبنوه من حر الظماء لديهم | عذب المياه قد استحال عذابا |
يا شاعر الشعب الذليل الا انتحب | حزنا عليه ومزق الأثوابا |
وارث الجنوب بما تراه مناسبا | بين الأنام وأسمع النوابا |
قوم لقد ظن الجنوب ببعضهم | خيرا ولكن ظنه قد خابا |
ما آن ان ينسوا زغاريد النسا | والمدح والتصفيق والأطنابا |
لكنهم من بعد نيل مرادهم | لم يحسبوا لهم بذاك حسابا |
كاس الحياة صفا لكل موظف | منهم هناك وعيشه قد طابا |
حقا لقد حفظ المعاش بجيبه | لكنه قد ضيع الأصحابا |
نبذ الوفا وجميع اخوان الصفا | وغدا يغني بعد ذاك (عتابا) |
رب شيخ قد غدا مفتتنا | بفتاة عقله منها انبهر |
قد حكت سمر القنا قامتها | صاح لكن عقلها يشكو القصر |
وإذا أبصرتها يوما ترى | جسمها أشبه شيء بالبقر |
قد رمته بسهام اللحظ من | مقلة (حولا) كميزان الجزر |
ليت شعري ما الذي قد شاقه | عندها حتى رآها كالقمر |
سالتها البعض من جاراتها | أ تحبين علي قالت: (فشر) |
ابى الدهر إلا ان يكون محرما | علي بلوغ المجد طول حياتي |
فألزم شخصي بالاقامة في قرى | ارى أهلها للضيم غير أباة |
إذا رمت يوما ان أسير لغيرها | يثبط لي عند السري خطواتي |
كان له عندي ذخولا كثيرة | وثارات آباء له وتراث |
وكيف الترقي في القرى بين معشر | ذوي غلظة غبر الوجوه جفاة |
أحاديثهم في كل وقت بدينهم | وزرعهم والحرث والبقرات |
ويروون ما (للزير) في سهراتهم | وعنترة العبسي من غزوات |
وكم في الليالي يطربون بدقهم | على (الأرغل) المشهور والقصبات |
وطبخهم المعدود للآكل برغل | مضاف إلى الفولات والعدسات |
وقد جعلوا الخرنوب والتين عندهم | بكل أوان أفخر السنوات |
وأغناهم من لا تجوع عياله | وأولاده في أغلب السنوات |
وأكثرهم أن ضيق لم يلف عنده | طعام سوى الخبزات والبصلات |
وأ ما تسلني عن صفات بيوتهم | فتلك لعمري مجمع الحشرات |
ترى الغار فيها لا يزال معشعشا | له عائلات غير منحصرات |
وحيطانها بالزعفران تخالها | ملطخة من كثرة الدخنات |
والبس نسج العنكبوت سقوفها | رداء يواري سائر الخشبات |
وأصبح تعليم الصنائع عندهم | حراما على الفتيان والفتيات |
وكلهم بالفهم لا فرق بينهم | وبين وحوش البر في الفلوات |
فهذا مع الفدان يذهب عمره | وذاك مع العنزات والغنمات |
وآخر يقضي عنفوان شبابه | ولوعا بطابات له وكرات |
وهذي مع الحراث تصلح حرثه | وتلك لجلب الماء والحطبات |
وهاتيك للاسطبل للاصطبل في كل بكرة | أعدت لكنس الزبل والقذرات |
لا تحسبوا أهل الفلاحة انهم | لكم من الخدام والغلمان |
بل فاعلموا ان العماد عليهم | بمعاشكم في أكثر الأحيان |
يتقلب الفلاح حولا كاملا | بين المتاعب في شقا وهوان |
حتى إذا جمع الحبوب يجيئكم | مثل الأسير بغلة الفدان |
فيطول بينكم الجدال وبينه | كي توصلوه لأبخس الأثمان |
فيبيعكم والمال يذهب بعضه | بعد المبيع لصاحب القبان |
والبعض يرميه إذا رام القرى | بخزانة الطباخ والفران |
والبعض يذهب في سبيل دوابه | لفتى مقيم منكم في الخان |
والبعض يذهب في طلاء جماله | حتما عليه لبائع القطران |
وكذلك البيطار يأخذ سهمه | وكذا المحدد ضارب السندان |
وإذا بقي من بعد ذلك درهم | في الكيس كان لصاحب الكوشان |
لقد وجبت مذمة أهل (... ) | لتركهم المروءة والشهامة |
لو ان لهم كبعض الناس دينا | لما سرقوا لشيخهم العمامة |
فلا دين ولا شرف لديهم | ولا لهم على الحق استقامة |
ولا عرفوا لبارئهم حلالا | ولا اجتنبوا لجهلهم حرامه |
لعمري ان شهر الصوم وافى | فما أدوا كغيرهم صيامه |
بلى جعلوا اوائله حروبا | ونهب العمة البيضاء ختامه |
أقمت بربعهم زمنا طويلا | فيا بعدا لهاتيك الإقامة |
لو اني بين أظهر قوم عاد | أقمت لنلت أنواع الفخامة |
سالت الله يخرجني سريعا | من الأرض الذميمة بالسلامة |
وقائلة أرى منك المحيا | يجل عن المحاسن والجمال |
وشخصك للغنى اضحي عدوا | وحالك في الخصاصة شر حال |
وتهجو من تشاء من الغواني | وتهزأ بالكثير من الرجال |
فقلت لها عداك الفهم اني | بقولك يا أميمة لا أبالي |
يسود المرء في أدب وعلم | وليس يسود في حسن ومال |
فكم في الأغنياء أدلى وجوه | وسام غضة بيض صقال |
تراهم صامتين لضعف فهم | باندية المعارف كالبغال |
وكم عبد فقير ذي علوم | يعلق في رؤوسهم المخالي |
لا ترى في علماء المسلمين | عالما كالمحسن السامي الأمين |
سيد يعزى إلى خير الورى | وبنيه الطيبين الطاهرين |
ملأ الأقطار من تاليفه | باذلا للنفس في علم ودين |
ولقد أحسن في تصنيفه | فجزاه الله أجر المحسنين |
ولعمري انه في عصرنا | زينة للعلماء العاملين |
أ جيل بهذا الكون طرفي فلا ارى | كحالة أهل الحرث في سائر القرى |
إذا ما اتى فصل الشتاء وأبطأت | سحائبه، والغيث عنهم تاخرا |
يقولون عند الله لم يبق رحمة | سنفنى بهذا العام من قلة القرى |
وحين يرون المعصرات هواطلا | ووجه الثرى اضحى بحارا وأنهرا |
يقولون ان الله جل جلاله | يريد بهذا العام ان يغرق الورى! |
كذاك إذا جاء السحاب عليهم | باخر أيام الشتاء وامطرا |
يقولون جاء الصيف والزرع لم يزل | بغيطانه من كثرة الغيث أخضرا |
وفي الصيف ان جاءت غيوم كثيرة | يقولون هذا الوقت لم قد تغيرا |
وإن جاء حر لا نرى الشخص منهم | من الحر إلا شاكيا متضجرا |
وياتي الهوا الشرقي في القيظ مدة | فيغدو لعيش الكل منهم مكدرا |
يقول الفتى الفلاح منهم إذا اتى | من الحرث عند العصر أشعت أغبرا |
هنيئا لأهل المدن إذ ليس عندهم | مدى الدهر أشغال سوى البيع والشرا |
فهذي على طول المدى كلماتهم | فيا رب هب لي من لدنك التصبرا! |
وإن كنت تبغي وصف حالة عيشهم | فسلني تجدني بالحقيقة مخبرا |
ترى كل فلاح يمر زمانه | ويمضي ولا تلقاه إلا مشمرا |
وقد يتمنى الموت في البرد غالبا | إذا الماء من صم الصخور تفجرا |
وقد يتمناه إذا الحر مسه | وجار عليه واغتدى متسعرا |
يبيع من الغلات في كل موسم | كثيرا وتلقاه مدى الدهر معسرا |
وأحوال دنياه تراها تأخرت | إذا ثوره يوما عن الحرث قصرا |
وليس له هم بدنياه كلها | سوى الحرث مهما عاش فيها وعمرا |
تراه مدى الأيام في خلواته | بأحوال مزروعاته متفكرا |
فان أقبلت تلقاه أظهر عزة | وفاق بأنواع التبختر عنترا.. |
وإن أدبرت تلقاه في كل عامه | كئيبا لأنواع المذلة مظهرا |
وعن جلساه ان تسلني، فإنه | مدى العمر في كل المجالس لا يرى! |
على ان (حنجولا ونوار) صنوه | لقد أغنياه عن معاشرة الوزى!.. |
وانك مهما قلت فيه فقد حوى | فضائل طول الدهر لن تتغيرا |
تراه بأثواب الدراويش قد غدا | لأعضائه بين الأنام مسترا |
ويأكل من جنس الطعام ببيته | مع الأهل والأولاد مهما تيسرا |
واما دعي يوما لاسعاف معدم | ضعيف معاذ الله ان يتاخرا |
وان جاءه الأضياف في كل ليلة | فحاشاه ان يرتاع أو يتكدرا |
يجيئون أفواجا فيلقون داره | مفتحة الأبواب محلولة العرى |
ويلقون عند العصر قدرا مركبا | على النار مملوءا طبيخا محمرا |
فيأتيهم وقت العشاء بقصعة | مجمعة تكفي من الناس عسكرا! |
فما بال أهل المدن لم يتعلموا | سماحة سكان الرساتيق والقرى! |
لقد بخلوا حتى كاني ببعضهم | يرون العطايا والضيافة منكرا |
أولئك قوم يرهبون ضيوفهم | كما ترهب الأقوام من أسد الشري! |
أ لم تنظر الأبواب من كل دورهم | بتحصينها قد شابهت باب خيبرا. ؟ |
فان دقها الأضياف لا يفتحونها | وقد حدودها خيفة ان تكسرا |
ينادون في الأسواق من كل جانب | الأهل غريب جائع يشتهي القرى |
وإن أطعموه وقعة يسلبونه | من المال ما يكفيه للأكل أشهرا.. ! |
وان كان فيهم ذو سخاء فإنه | يعد سخيا في المدينة مضمرا |
يجود وصحن الفول غاية جوده | وليس بمعذور إذا ما تعذرا |
أناس إذا ما أصبح الشخص منهم | تراه على المرآة اضحى مبكرا |
فيجدل شعر الرأس من بعد غسله | ومن بعد ذا يسقيه ماء معطرا |
ويمضي لنيل الأنس في وسط قهوة | بها غضب الرحمن اضحى مقررا |
فيصحبه الشيطان فيها وربما | سقاه من المشروب ما كان مسكرا |
ويسرف فيها بالقمار فيغتدي | على ماله بين الورى متحسرا |
وتلقاه كالمجنون ينفض ثوبه | إذا ما مشى كي لا يراه مغبرا |
كذا يمسح الطربوش في كل ساعة | ليبقى نقي الشكل واللون احمرا |
فهذي صفات الأكثرين لأننا | نرى فيهم أهل الجهالة اكثرا |
عسى الله ربي ان يتوب عليهم | ويعفو عمن تاب منهم ويغفرا |
وفيهم رجال مسلمون إذا غدا | مؤذنها عند الصباح مكبرا |
تراهم أفاقوا للصلاة وغيرهم | إلى الظهر يبقى لا يفيق من الكرى |
تحن إلى تقوى الاله نفوسهم | ولا تشتهي في العمر خمرا وميسرا |
وفيهم مسيحيون يخشون ربهم | وقد صعدوا في المكرمات إلى الذري |
وكم فيهم تلقى طبيبا وكاتبا | أديبا بأحوال الورى متبصرا |
إذا قيل أهل البدو أحسن، أم هم | أقول لهم اين الثريا من الثرى!. |
لحى الله سكان القفار فانني | لقد رحت في اوصافهم متحيرا |
فان قلت هم أهل السماحة والندى | ارى البخل امسى في الجميع مؤثرا |
وكل امرئ منهم أراه إذا دعي | إلى البذل عن عاداته متغيرا |
وان قلت أنواع الشجاعة كلها | بها ذكرهم في الكتب اضحى مسطرا |
ارى عزمهم بالحرب في كل موقف | كليل عن العهد القديم مقصرا |
وان قلت قد حاز الفصاحة لفظهم | أراه بهذا العصر اضحى مكسرا |
ولست ارى فيهم سوى كل خامل | تردى بثوب أزرق وتازرا |
يحب من الدنيا دخانا وقهوة | ويصبو إلى أكل الحلاوة اكثرا |
وتلقاه ملهوفا على التين دائما | إلى ان يوارى بالتراب ويقبرا! |
ولا يعرف الصابون مدة عمره | كان عليه الغسل اضحى محجرا. ! |
لقيت ببصري الشام أيام فيصل | فتى عالما بين الأنام موقرا |
فقلت له من اين جئت فقال لي | من الشام قد قادت ركابي يد السري |
فقلت لما ذا قد أتيت إلى هنا | لتطلب مالا أو لتصعد منبرا؟ |
فقال إلى العربان قد جئت قاصدا | لأغدو فيهم واعظا ومبشرا |
فألفيت في البلقاء أرضا مخوفة | وشاهدت براما هنالك مقفرا |
وعربا بتلك الأرض سود وجوههم | حفاة عراة ما عليهم سوى الفرا |
فبت بحي فيه عرب كثيرة | إلى ان بدا وجه الصباح واسفرا |
فقمت ولم الق العمامة فاغتدى | فؤادي منهم خائفا متحذرا |
فقلت لرب البيت اين عمامتي | ففتش حولي ثم هرول مدبرا |
وصاح على الجيران في الحي من سطا | على الشيخ في نهب العمامة واجترا؟ |
فيا حبذا امر عليه قدمتم | ويا رب فصل في منازلكم جزى |
فأقسم كل عند ذلك منهم | يمينا بهاتيك العمامة ما درى |
فجاء باردان وقال لي اتخذ | لرأسك منها عمة، وتضجرا |
وجاء بزاد بعد ذا فوجدته | عتيقا، ومن دهن الجمال معصفرا |
فأبصرت فيه قملة بدوية | على شكلها من قبل ذلك لم (أرى) ! |
فغادرتهم من غير مهل، وها انا | بخفي حنين قد رجعت كما ترى.. |
فقلت جزاك الله خير جزائه | عساك بهذا ان تثاب وتؤجرا |
فهل تعرف الأعراب الا حلاوة | وتينا ودخانا وتمرا وسكرا |
نعم كان للعرب الأوائل طلعة | بها كان عصر الجاهلية نيرا |
وكانوا بأنواع الشجاعة والندى | جميعا من الشمس المنيرة أشهرا |
وكانوا أشد الناس بأسا وقوة | وأقواهم يوم الكريهة عنصرا |
وكان كلام الشيخ والطفل منهم | فصيحا صريحا لا تراه معكبرا |
وكانت بساحات الكفاح ملوكهم | تضاهي بذاك العصر كسرى وقيصرا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 9- ص: 211