السيد محمد جواد ابن السيد عبد الرءوف فضل الله ولد في النجف الأشرف سنة 1357 أثناء اقامة والده فيها وتوفي في بيروت في 23 رجب 1395، ودفن في بنت جبيل من جبل عامل.
درس في النجف على أخيه وعلى السيد محمد الروحاني والسيد نصر الله المستنبط والسيد أبو القاسم الخوئي.
وقد مارس التدريس في الحوزة العلمية في النجف الأشرف ثم في بيروت.
كان يخوض الصراع، فيما يؤمن به، بطريقة عنيفة لا تقبل المهادنة، وكان يتمسك بوجهة نظره في المواقف الدينية والاجتماعية مهما كانت الصعوبات كبيرة، ومهما كانت السلبيات شديدة، وقد كلفه ذلك كثيرا من الخصومات في النجف الأشرف في إطار أجواء المرجعيات الدينية، كما كلفه بعض المواقف الصعبة في لبنان مع بعض القوى المتحركة في الساحة الدينية والاجتماعية...
وقد أدت به مواقفه المبدئية إلى الدخول في سجن النظام العراقي وقد مكث في السجن مدة أسبوعين عانى فيهما الكثير من التعذيب الجسدي والنفسي.
كان قريبا إلى السيد أبو القاسم الخوئي وكان يثق برأيه في كثير من الشؤون المتعلقة بالحوزة وبغيرها ويعتمد عليه في بعض الأمور المهمة في النجف وفي لبنان.
وقد توفر على الأبحاث الإسلامية الاجتماعية والتاريخية التحليلية كما كان شاعرا مجيدا له من المؤلفات: كتاب صلح الحسن وكتاب علي الرضا وكتاب حجر بن عدي وكتاب جعفر الصادق. 209
شعره
ما قاله بمناسبة ذكرى ميلاد السيدة فاطمة الزهراء (ع) نقتبس من قصيدته هذه المقاطع:
يا ابنة الطهر وما أروعها | ذكر منك تزين المهرجانا |
أنت تاريخ رسالات بها | يشرق للواقع مجدا وكيانا |
عزة الايمان في دعوتها | شرعة منها هدى الله استبانا |
قد حملناها وإن أزرى بنا | شانئ يرعف حقدا ولحانا |
فهي منا رعشة في دمنا | وهي فينا خفقة تحيي الجنانا |
دوحة من أحمد مطلعها | باسق أعظم به مجدا مصانا |
حسبها أن رضاه مدد | من رضاها.. ورضاها مبتغانا |
انها الذكرى انفتاح للسرى | وانطلاق للذرى يغري سرانا |
دعوة الحق على صفحتها | أحرف علوية خطت علانا |
يشرق الايمان فيها أملا | باسما يحتضن الروح احتضانا |
فتعود الأنفس الحيرى به | حية تورق بالنعمى حنانا |
وعبير الخير يذكي حسها | بعطاياه فتحويه افتتانا |
لو وعينا روحه لانصهرت | لمنانا هذه الأرض جنانا |
ولكنا غير ما نحن به | قلق يلهب بالشكوى ندانا |
وصداع مثقل يحفزه | مطمع غر كما شاء هوانا |
وانفلات من مقاييس صفت | نظما تزرع في الدرب هدنا |
وانصهار بميول مزقت | بالأباطيل على الدرب أخانا |
يا لذل الفكر أن تسحقه | صرعة التجديد من وحي عدانا |
قد حملنا العبء من آلامها | ومشينا يلحس الشوك خطانا |
تثقل المحنة منا مطمحا | للسرى أغنى به المجد وزانا |
قد شربناها كئوسا أترعت | علقما والليل غاف في ذرأنا |
وافقنا والشجا يسحقنا | نرقب الأطلال ذلا وهوانا |
ها هو المجد الذي عشنا له | عاد شلوا في يدي الغازي مهانا |
يا لذل المجد أن تحرسه | أعين تعشى إذا ما الصبح بانا |
يظما النور على أحداقها | والضحى يخطر زهوا في سمانا |
تحسب الليل صباحا مشرقا | وهي لا تعرف للصبح مكانا |
والسراب الجدب وردا مائجا | كذب الأحلام فيه يتدانى |
والمدى صحوا ليحلو صفوها | وهو بالاعصار يربد احتقانا |
سوف يصحو المجد من غفوته | ويعود الفتح زهوا في حمانا |
ويصاد الذئب في مكمنه | بعد أن شل على الدرب الأمانا |
ليعود الصحو ضاح في المدى | يمسح الجرح ويروي من ظمانا |
لا نعي إلا الصدى من أمسنا | ساخرا يخنق بالجلى صدانا |
عيبنا أنا على الدرب إذا | غرب الحادي فغربي هوانا |
وإذا شرق فالشرق لنا | مطلع يغمر بالنور ربانا |
عاطفيون فاني التفتت | وجهة السادر نسديه العنانا |
نحسب الصرخة من أشداقه | منقذا من سرف الجلي أتانا |
ويرف الفتح في أجفاننا | حلما نرشف نعماه دنانا |
وليمت أمس ويحيا لغد | مطلع يركز في الشمس لوانا |
سوف نسقي الأرض من أشلائهم | سوف لن يحتضن الفتح سوانا |
وهنا تنفجر الساح بنا | وإذا نحن كما كنا وكانا |
يا أساة الجرح إنا هاهنا | لم يزل يرعف بالبلوى حمانا |
قد طويناها سنينا حملت | بالماسي والذي كان كفانا |
فليكن ماضي أسانا عبرة | نبلغ الغاية فيها بسرانا |
خل ما قلنا وما قالوا فقد | ملت الأسماع منا الهذيانا |
وارمق الواقع يا رائده | كيف شقت بالضلالات عصانا |
وعرى الأمة من فرقها | فتلاشى عزمها الصلد وهانا |
انها الردة شلت عزمها | وأبادت بالأعاصير قوانا |
كل حزب في المدى مملكة | حلمها أن تستحل الصولجانا |
هذه الصرعة في واقعنا | كم شكا الحر ماسيها وعانى |
السجون السود يا لوعتها | ظلم تصطك رعبا باسانا |
وإذا شئناه نصرا شافيا | من لظى الجرح وان عز شفانا |
فإلى الإسلام يا قادتنا | فهو للداء كما كان دوانا |
يا سيدي ذكراك سر ملهم | يوحي بقلبي الخاطرات ويلهب |
أنا في بياني حيرة هل انني | اطري رؤى الميلاد فيك وأسهب |
أم أعرض المأساة يذكى نارها | عذر ويحكم مدها متقلب |
مذ أفلتت كف الخيانة زيفها | بغيا تخدش من هداك وتشجب |
وتعيق مجدك عن سراه وقد بدا | للنصر ركبك شامخا يتأهب |
عفنت ضمائر حاقدين تلمسوا | بك حتفهم إن سدتهم فتالبوا |
وتفرقوا شيعا يبثون الشجا | في الدرب كي يكبو لعزك موكب |
بالأمس يجرعها أبوك مرارة | من حقدهم ويضيق فيه المهرب |
واليوم يأتمرون فيك تحزبا | للبغي وهو لهم مجال أرحب |
ما أفجع المأساة حين تثيرها | كف لروحك من نصيرك أقرب |
شلت يد أورت عليك شرارة | من غدرها تضني السري وتذبذب |
جرعتها غصصا وكانت محنة | للحق أنك عن تراثك تحجب |
فمددتها للصلح كفا تبتغي | أن لا يراق دم يطل ويذهب |
ولكي يبين لخابطين مصيرهم | في ظل حكم زائف يتقلب |
ولكي تمزق عن وجوه شوهت | بالغي أقنعة بها تتحجب |
حتى إذا طفح الضلال وأتلعت | برقا بها للجاهلية أذؤب |
وتنكرت للحق تبغي محوه | حقدا لثارات هنالك تطلب |
هز الحسين كيانها بشرارة | منه تفتت مجدها وتشطب |
حمى المآسي لا تزال تثيرنا | نكباتها فلنا بها متقلب |
أورت بنا للذل أقسى محنة | فيها فلسطين الجريحة تخضب |
عشرون عاما نحن في قلق السري | نشقى وأحلام هنالك تحسب |
حتى م ياسرنا السراب فبرقه | زيف به الأمل المجنح يكذب |
ما ذا حصدنا من سني بعثرت | فيها القوى فمشرق ومغرب |
ما بيننا نوري العداء ونغفل | المأساة تمتهن المصير وتنكب |
ونثير مهزلة السباب فناعق | مرن ومدرع بشتم ينعب |
وهنا أفقنا والمدى متجهم | يحكي لنا كيف المآسي تكتب |
كيف الشراع تجاذبته عواصف | هوج فمزق واستبيح المركب |
هدرت علينا النائبات بنكسة | ذهبت بكل قوى تعد وتحسب |
وإذا بنا بمدى الصراع مصيرنا | في كف عفريت به يتقلب |
عقبى لنا كانت تفيض مرارة | واسى وكان خباؤنا ما نكسب |
كيف يرقا دمع عليك سفوح | وعلى الأفق من دماك رشيح |
وستبقى مدى السنين رؤى | المأساة جرحا تذوب فيه الجروح |
أ وينسى التاريخ يومك إذ أنت | على صفحة الرمال طريح |
تبذل النفس للرسالة كي تحيا | فأنت الباني لها والنصوح |
حسب البغي أن في قتلك الموت | لشرع صدت به البغي ريح |
هو ثار من الرسالة تحتم صدور | به وأخرى تبوح |
حسبوه نصرا وان المدى صحوا | سيبدو لمجدهم ويلوح |
غير أن الرؤى استحالت سرابا | يتلهى به لباغ طموح |
وإذا أنت فكرة في ضمير الحق | منها طيب الدماء يفوح |
ومنار للسالكين إذا حم | أصيل دام وغامت سفوح |
بهداه السري يمد على الدرب | خطاه فتستعاد الفتوح |
كبرت باسمك الضحيا فسر | الفتح في شلوها البديد صريح |
وستبقى رمز الفداء على دربك | هديا يغدو السري ويروح |
للقدس في كل قلب ثائر نار | يلظى بها في جحيم النقع ثوار |
أم المآسي بما عانت وما حملت | فجرحها بدم الأحرار فوار |
تلتاع من دنس الأرجاس بثقلها | من ريبه نزق جلف وإكدار |
أرض السلام غدت للحرب منطلقا | يثيرها بسعار الغدر فجار |
ومهد عيسى أريج الطهر روعه | بما استباح من الآثام غار |
يا ذل مجد تهاوت من دعائمه | مشارف عز في عليائها الغار |
عار على المجد أقداس تدنسها | بلوثة الإثم أرجاس وأوضار |
ينوء بالعبء منها كاهل ثقلت | عليه في زحمة الأحداث اقدار |
وثم صعب جراحات يعمقها | حقد من الغرب موتور ومكار |
شؤم المطامع أغرى كل عابثة | بنا تحدد ما شاءت وتختار |
ولتسلب الدار ما دامت مشاربها | ريا يطيب بها ورد وإصدار |
كأننا نفحة في كف عارضها | يسومها في حنايا الشوق سمسار |
من يبذل الثمن الأغلى يفوز بها | وقد يفوز بها للذبح جزار |
يا قدس... يا دمعة المأساة تذرفها | من قلوب مروعات وابصار |
يا محنة تتحدى في مرارتها | احرارنا أن يبيد الغدر إعصار |
هل بعد يومك أرض تستريح بنا | وهل تطيب هوايات واسمار |
مضت عهود بيانات مرصفة | غصت بها في رفوف الحكم أطمار |
وليس يبلغ فينا الشوط غايته | إلا إذا ضمنا في الروع مضمار |
وعادت الأرض ريا من دمائهم | ومن دمانا وقد ثرنا وقد ثاروا |
هناك تمتحن الآساد عزمتها | ويخبر الشوط إذ يحتم مغوار |
ويمسح الصيد عارا من هزيمتهم | فجرحها بصديد العار نفار |
ردوا المنايا وما تغني الشكاة إذا | لم ينعتق من حدود الحرف إنذار |
ومجلس الأمن أمن للغزاة ومن | بناته لذئاب الغزو أنصار |
تحمى الجريمة فيه إذ يبررها | من الصلافة تشكيك وإنكار |
مقررات ولكن لا ينفذها | إلا كسير بلمح العتب ينهار |
أما القوي فلن تلوي شكيمته | وان قست منه أنياب وأظفار |
وان تفجر منه عاصف نزق | جم المصاعب تشقى فيه أقطار |
محاكم ضعفت عن أن يدان بها | طاغ وتدفع عن شاكين أضرار |
وإنما هي ميدان ومصطرع | يشد فيه عنان الشوط قهار |
فيا دعاة سلام خادع حبكت | معسولة من زعاف المكر أفكار |
ويا حماة مشاريع منمقة | مبهرجات لها بالزيف آطار |
لن يبلغ الفتح مشلول القوى صعق | ولن يطول لشاو المجد خوار |
شر الهزيمة أن نعطي لمحتكم | يدا وجان على الأشلاء يمتار |
والحرب أهون أعباء وان ثقلت | منها على المجد أعباء واخطار |
فان هزمنا فشرع الحرب من قدم | كر وفر وإقبال وإدبار |
وإن هزمنا فنبل في مضاربنا | منه ازدهت بالفتوح النجب أدوار |
يا فلسطين... وهل يحلو لنا | بعد أن ضرجك العار غناء |
لم نزل لعق من آلامنا | ما به يصعب للجرح شفاء |
الشعارات ضباب خلفه | يصطفي للمطمع الغر خباء |
أحرف جوفاء كم راح بها | يتغنى للفتوح الشعراء |
طالما صفقت الأيدي لها | طربا واهتز للحلم رجاء |
خدعوها أمة ما نكبت | لو رعى درب علاها الأمناء |
سلبوها مجدها وانتهبوا | فيئها وانتهبوها وأساءوا |
وأدللوها علينا دولا | يحكم الأمة فيها الخلطاء |
ذنب يصرع منهم ذنبا | وهم في شرعة العذر سواء |
بعثروا الطاقات هل من أجلنا | أم لإطماع لهم فيها امتلاء |
انها سخرية أن تنطلي | خدعة هل آمنت بالذئب شاء |
يا فلسطين ولا يجدي البكاء | فثبي يحتم للنصر قضاء |
وزني الخطو فقد يعثر من | زلة فيها انخذال وانطواء |
وارقبي المسرى ولا تأتي فقد | يلغز المسرى عليك الدخلاء |
إنهم في الدرب ما زالوا ومن | همهم أن يجهد الركب عناء |
عبيء منا القوى والتحمي | بالمنايا الحمر وليصمد إباء |
فجري الطاقات من مكمنها | وانشريها يلهب الأرض اصطلاء |
إننا نار وإعصار إذا | ضامنا في غمرة الجلي بلاء |
فالهبي معركة الحق فان | خلصت يهتف بالنصر دعاء |
ذكرياتي هبي على خاطري | رحماك فالليل في مداي شديد |
وأعيدي علي من صور الماضي | أماس غشت رؤاها العهود |
فانا هاهنا بمناي قلب موحش | يستبد فيه الشرود |
غربتني عن واقعي وبلادي | غاية دونها الصراع العنيد |
طلبتها نفسي صعودا مع المجد | ليسمو بها غد محمود |
فبها لي مضمار جد وشوط | يحتويني به جهاد بعيد |
وطموح يزاحم النجم في المرقى | سموا حيث الخلود المجيد |
فحقيق بالطامحين إذا ما | طلبوا المجد غربة وصدود |
إن من يطلب العلا لم | يضره لوعة مرة وجهد جهيد |
خيالك يا أم في مقلتي | طيوف تهز بقلبي الشبابا |
وتلهب في اختلاج الحنين | فيغتصب الدمع عيني اغتصابا |
ولم لا وأنت ضمير الحياة | تفجر في جانحي التهابا |
فكم نظرة لي من مقلتيك | بها الحب غنى اللحون-عذابا |
تلمستها بدمي رعشة | تكهرب قلبي عليها وذابا |
وللحب معنى رقيق السمات | سوى الأم لم يدر منه اللبابا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 9- ص: 209