الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن علي بن الحسن الطوسي المعروف بشيخ الطائفة والشهير بالشيخ الطوسي
(ولادته ونشأته)
ولد في طوس في شهر رمضان سنة 385 وهاجر إلى العراق فهبط بغداد سنة 408 وهو ابن ثلاثة وعشرين عاما، وفيها لقي محمد بن محمد بن النعمان الشهير بالشيخ المفيد وتلمذ عليه، وأدرك شيخه الحسين بن عبيد الله بن الغضائري المتوفى سنة 411، وشارك النجاشي في جملة من مشايخه، وبقي على اتصاله بشيخه المفيد حتى اختار الله للأستاذ دار لقائه سنة 413، فانتقلت المرجعية إلى علم الهدى السيد المرتضى، فانحاز المترجم إليه، ولازم الحضور تحت منبره، وعني به المرتضى، وبالغ في توجيهه وتلقينه، وعين له في كل شهر اثني عشر دينارا وبقي ملازما له طيلة ثلاث وعشرين سنة، إلى أن توفي المرتضى فاستقل المترجم بالإمامة والرياسة، وكانت داره في مأوى الناس، ومقصد الوفاد، يأتونها لحل المشاكل وإيضاح المسائل، وقد تقاطر إليه العلماء والفضلاء للتلمذة عليه والحضور تحت منبره وقصدوه من كل بلد ومكان، وبلغت عدة تلاميذه ثلاثمائة من مجتهدي الشيعة.
وبلغ الأمر من الاعتناء به والإكبار له إن جعل له خليفة الوقت القائم بأمر الله عبد الله بن القادر بالله أحمد كرسي الكلام والإفادة، وقد كان لهذا الكرسي يومذاك عظمة وقدر فوق الوصف، إذ لم يسمحوا به إلا لمن برز في علومه، وتفوق على أقرانه، ولم يكن في بغداد يومذاك من يفوقه قدرا أو يفضل عليه علما فكان هو المتعين لذلك الشرف.
(هجرته إلى النجف الأشرف)
أورى السلجوقيون نار الفتن المذهبية في بغداد وأغرى أول ملوكهم طغرل بيك العوام بالشر حتى أدى الأمر أول وصوله إلى بغداد سنة 447 إلى احراق مكتبة الشيعة التي أنشأها أبو نصر سابور وزير بهاء الدولة البهويهي وكانت من دور العلم المهمة في بغداد، بناها هذا الوزير الأديب في محلة بين السورين في الكرخ سنة 381 على مثال بيت الحكمة الذي بناه هارون الرشيد، وقد جمع فيها ما تفرق من كتب فارس والعراق، واستكتب تأليف أهل الهند والصين والروم كما قاله الأستاذ محمد كرد علي ونافت كتبها على عشرة آلاف من جلائل الآثار ومهام الاسفار، وأكثرها نسخ الأصل بخطوط المؤلفين، قال ياقوت الحموي: وبها كانت خزانة الكتب التي أوقفها الوزير أبو نصر سابور بن أردشير وزير بهاء الدولة بن عضد الدولة ولم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها كانت كلها بخطوط الأئمة المعتبرة وأصولهم المحررة الخ وكان من جملتها مائة مصحف بخط ابن مقلة على ما ذكره ابن الأثير وحيث كان الوزير سابور من أهل الفضل والأدب أخذ العلماء يهدون إليه مؤلفاتهم فأصبحت مكتبته من أغنى دور الكتب ببغداد، وقد احترقت هذه المكتبة العظيمة فيما احترق من محال الكرخ عند مجئ طغرل بيك، وتوسعت الفتنة حتى اتجهت إلى المترجم وأصحابه فأحرقوا كتبه وكرسيه الذي كان يجلس عليه للكلام.
قال ابن الجوزي في حوادث سنة 448: وهرب أبو جعفر الطوسي ونهبت داره ثم قال في حوادث سنة 449: وفي صفر في هذه السنة كبست دار أبي جعفر الطوسي متكلم الشيعة بالكرخ وأخذ ما وجد من دفاتره وكرسي كان يجلس عليه للكلام، واخرج إلى الكرخ وأضيف إليه ثلاث سناجيق بيض كان الزوار من أهل الكرخ قديما يحملونها معهم إذا قصدوا زيارة الكوفة فأحرق الجميع الخ.
ولما رأى الشيخ الخطر محدقا به هاجر بنفسه إلى النجف الأشرف لائذا بجوار أمير المؤمنين عليه السلام وصيرها مركزا للعلم وجامعة كبرى للشيعة الإمامية، وأخذت تشد إليها الرحال وتعلق بها الآمال، وأصبحت مهبط رجال العلم ومهوى أفئدتهم. تلك هي جامعة النجف العظمى التي شيد المترجم ركنها الأساسي ووضع حجرها الأول، وقد تخرج منها خلال هذه القرون المتطاولة آلاف مؤلفة من أساطين الدين وأعاظم الفقهاء، وكبار الفلاسفة ونوابغ المتكلمين، وأفاضل المفسرين وأجلاء اللغويين، وغيرهم ممن خبروا العلوم الإسلامية بأنواعها وبرعوا فيها أيما براعة، وليس أدل على ذلك من آثارهم المهمة التي هي في طليعة التراث الإسلامي.
وقد استدل بعض الكتاب المحدثين على وجود الجامعة العلمية في النجف قبل هجرة المترجم إليها، وذلك اعتمادا على إستجازة الشيخ أبي العباس النجاشي من الشيخ أبي عبد الله الخمري فقد قال في كتاب رجاله المطبوع صلى الله عليه وسلم 50 عن كتاب عمل السلطان للبوشنجي ما لفظه: أجازنا بروايته أبو عبد الله الخمري الشيخ الصالح في مشهد مولانا أمير المؤمنين عليه السلام سنة أربعمائة. وهذا لا يكفي للتدليل فالنجف مشهد يقصد للزيارة فربما تلاقيا في النجف زائرين فحصلت الإستجازة كما هو الحال في المحقق الحلي صاحب "الشرايع" فقد أجاز البعض في النجف أيام ازدهار العلم في الحلة وفتوره في النجف، فهل يمكن عد المحقق من سكنة النجف وقال الشيخ محمد رضا المظفر:
ومما يشيد بمركز المترجم الديني الاجتماعي إنه هو المؤسس لجامعة النجف ومركزها الديني، فان الذي يبدو إن النجف قبل إن ينتقل إليها لم تكن إلا مزارا ومدفنا وحول القبر جماعة من المجاورين لا عمل لهم إلا خدمة الزوار والقاصدين، وهي يومئذ قرية في طرف ناء عن العمران والبلاد المأهولة والكوفة التي هي أقرب بلدة إليها كان قد شملها الخراب ودكت صروحها.
ولم يصل إلينا تاريخيا سعة رقعة النجف يومئذ وعلى أي مورد كان يعتاش أهلها، وكيف كان يتم إرواؤها وهو أهم مشاكل النجف من القديم. ولكن لا شك أن البلاد القريبة منها كالحلة والعشائر الفراتية القريبة كانت تمدها بالمعونة فيما تحتاج. أضف إلى إن الشيخ لما ألقى عصا الترحال فيها وهو زعيم الشيعة الأول يومئذ لا بد إن تصير مقصدا لجميع المسلمين الشيعة ومرجعا لحقوقهم المالية من جميع أقطار الأرض.
ويظهر إن الزعامة الدينية استقرت في النجف قبل إن تنتقل إلى الحلة مدة قرن على الأقل واستمرت في بيته بالذات، فان ولده أبا علي الحسن الملقب بالمفيد الثاني كان من أفذاذ العلماء وصار مرجعا للشيعة وكان قد أجازه والده سنة 455 أي قبل وفاة والده بخمس سنين وبقي في النجف مرجعا إلى إن توفي وإن لم نتحقق سنة وفاته ولا مدفنه.
وكذلك حفيده أبو الحسن محمد بن الحسن بن محمد أيضا بقي في النجف وصار مرجعا للشيعة إلى إن توفي سنة 540 وهذا الشيخ محمد ليس له ذكر في تاريخنا وهو من العجيب ولكن قد ذكره أبو فلاح عبد الحي بن عماد الحنفي المتوفى 1089 في كتابه شذور الذهب فإنه قال عنه ج 4 صلى الله عليه وسلم 126 بهذا النص: "وفيها أي في سنة 540 توفي أبو الحسن محمد ابن أبي علي الحسن بن أبي جعفر الطوسي شيخ الشيعة وعالمهم وابن شيخهم وعالمهم رحلت إليه طوائف الشيعة من كل جانب إلى العراق وحملوا إليه الأموال. وكان ورعا عالما كثير الزهد وأثنى عليه السمعاني. وقال العماد للطبري: لو جازت على غير الأنبياء صلاة صليت عليه".
مكانته العلمية
مضت على علماء الشيعة سنون متطاولة وأجيال متعاقبة ولم يكن من الهين على أحد منهم إن يعدو نظريات شيخ الطائفة في الفتاوى، وكانوا يعدون أحاديثه أصلا مسلما، ويكتفون بها، ويعدون التاليف في قبالها وإصدار الفتوى مع وجودها تجاسرا على الشيخ وإهانة له، واستمرت الحال على ذلك حتى عصر الشيخ ابن إدريس فكان يسميهم بالمقلدة، وهو أول من خالف بعض آراء الشيخ وفتاواه وفتح باب الرد على نظرياته، ومع ذلك فقد بقوا على تلك الحال حتى إن المحقق وابن أخته العلامة الحلي ومن عاصرهما بقوا لا يعدون رأي شيخ الطائفة.
نعم لما ألف المحقق الحلي "شرايع الإسلام" استعاضوا به عن مؤلفات شيخ الطائفة، وأصبح من كتبهم الدراسية، بعد إن كان كتاب النهاية هو المحور وكان بحثهم وتدريسهم وشروحهم غالبا فيه وعليه. ويقول الشيخ محمد رضا المظفر: ومما يلفت النظر عن مقامه العلمي إن كل من جاء بعده من العلماء إلى مدة قرن كاد أن يكون مقلدا له في آرائه لا يتخطى قوله ولا يحيد عن رأيه حتى كاد يخشى إن ينسد باب الاجتهاد عند الشيعة.
(مشايخه)
في رجال بحر العلوم: يروي عن المفيد والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون وابن أبي جيد ومداره في كتابي الأخبار ومشيخة الكتابين على هؤلاء المشائخ الأربعة وزاد في الفهرست الرواية عن أحمد بن محمد بن موسى بن الصلت الأهوازي وهو طريقه إلى ابن عقدة وروى عن أبي القاسم علي بن شبل بن أسد في ترجمة إبراهيم بن إسحاق الأحمري واختص فيه بالرواية عن السيد الاجل المرتضى عنه في إبراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي ومحمد بن يعقوب الكليني وعن الشريف أبي محمد الحسن بن القاسم المحمدي في إسماعيل بن علي الخزاعي ومحمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة الصفواني ومحمد بن علي بن الفضل وبالرواية عن أحمد بن إبراهيم القزويني والحسين بن إبراهيم وجعفر بن الحسين بن حسكة القمي ومحمد بن سليمان الحراني وأبي طالب بن عزور وروى عنهم في ترجمة أبي عمرو ابن أخي السكري البصري والحسين بن أبي غندر وأحمد بن محمد بن الجندي ومحمد بن علي بن بابويه وزاد في من لم يرو عنهم عليه السلام روايته عن ابن عزور في أحمد بن إبراهيم بن أبي رافع وأحمد بن محمد بن سليمان الرازي وجعفر بن محمد بن قولويه فهؤلاء جملة مشايخ الشيخ ممن شارك فيهم النجاشي أو اختص بهم وهم ثلاثة عشر شيخا اختص الشيخ بالرواية عن سبعة منهم وشاركه النجاشي في الباقين وفي رجال بحر العلوم أيضا: وقد روى الشيخ في الفهرست عن عدة من أصحابنا عن جعفر بن محمد بن قولويه وأحمد بن محمد الزراري والحسن بن حمزة ومحمد بن داود وأحمد بن إبراهيم بن أبي رافع والقاضي أبي بكر الجعابي وأراد بالعدة المفيد والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون وغيرهم كما يستفاد من كلامه في عدة مواضع من كتابه وزاد في الفهرست العدة عن محمد بن علي بن بابويه وأحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد.
(مؤلفاته)
لهذا الشيخ الجليل من المؤلفات الضخام في قيمتها العلمية ما يزال خالدا مع الزمن. وقد كانت مرجعا للمجتهدين والباحثين منذ تسعة قرون، بل هي من عيون المؤلفات النادرة التي من شأنها أن توضع في أعلى رف من المكتبة العربية إذا وضعنا مؤلفات الناس في رفوف متصاعدة حسب قيمتها العلمية. بل له في كل فن ألف فيه مؤلف هو الأول من نوعه لم يسبق إلى مثله سابق وكل من جاء بعده كان عيالا عليه: ففي الأخبار التهذيب والاستبصار وفي الفقه المبسوط وهو فتح في الفقه لم يعهد لأحد علمائنا قبله ما يقاربه. وفي أصول الفقه العدة وهي أول كتاب في هذا العلم مبسط جامع لأبوابه. وفي التفسير التبيان وهو لا يزال مفخرة علماء الإمامية. وفي الأدعية المصباح وكل من ألف بعده فيها سماه بهذا الاسم احتذاء له وتقديرا لسابقته المتفردة. وفي غير ذلك من كتب في الرجال والكلام هي اللامعة في هذه الفنون.
(مؤلفاته في الحديث)
للشيعة الإمامية أربعة كتب ضخام في الحديث هي المرجع للمجتهدين لاستنباط الأحكام الشرعية مدى هذه العصور المتطاولة منذ القرن الرابع والخامس وقد جمعت هذه الكتب الأربعة من الأصول الأربعمائة المؤلفة في زمن الأئمة عليه السلام ومن غير هذه الأصول من الأحاديث المدونة وغير المدونة وتسمى هذه الكتب بالأصول الأربعة وهي حسب زمن تأليفها الكافي للكليني، ومن لا يحضره الفقيه لابن بابويه، والتهذيب، والاستبصار للمترجم. فهو له الحصة الوافرة من هذه الأصول في تخليد تراث آل البيت في الفقه مع تفوقه فيها وله غيرهما لا تبلغ أهمية هذين الأصلين الكبيرين ونحن نبحث هنا عن التهذيب أو تهذيب الكلام ورمزه يب في كتب الحديث والفقه وهو جامع لأبواب الفقه كلها مشتمل على 23 كتابا من كتاب الطهارة إلى الديات. وقد أحصيت أبوابه فبلغت 393 بابا وأحصيت أحاديثه فبلغت 13590 حديثا.
وهذا الكتاب كما قال المحدث النوري في الفائدة السادسة من خاتمة المستدرك أعظم كتب الحديث في الفقه منزلة وأكثرها منفعة بل هو كاف للفقيه فيما يبتغيه من روايات الأحكام مغن عما سواه في الغالب ولا يغني عنه سواه وقد اثنى عليه جميع العلماء الذين ترجموا له بمثل هذا الثناء العاطر وكفى إن العلامة الحلي جعله موضع اعتماده وحده في نقل الأحاديث في كتاب التذكرة إلا ما شذ.
وبعد النسخ المخطوطة الباقية منه إلى اليوم بالمئات منتشرة في أقطار الأرض وقد طبع في إيران بمجلدين كبيرين سنة 1317 وفي مكتبة شيخ الإسلام الطباطبائي في تبريز تحفة نادرة منه حسب نقل صاحب الذريعة وهي الجزء الأول منه بخط مؤلفه وعليه خط الشيخ البهائي.
ويظهر إن هذا الكتاب هو أسبق كتبه في التاليف بشواهد:
1 - إنه ابتدأ به في تعداد مؤلفاته لما ترجم لنفسه في الفهرست
2 - إنه ذكره في مقدمات أكثر كتبه.
3 - إنه ألف كتاب الطهارة والفصل الأول من الصلاة في حياة أستاذه الشيخ المفيد المتوفى سنة 413 بدليل إنه عند ما يتحدث عنه يدعو له بالتأييد فيقول (أيده الله) ومن بعد الفصل الأول من الصلاة يترحم عليه عند ذكره. وبعيد إن يسعه الزمن في حياة أستاذه لتأليف كتاب آخر قبل التهذيب لأنا نعلم إنه جاء إلى العراق قبل وفاة أستاذه بخمس سنوات أي سنة 408 وهذا الوقت لا يكفي لأكثر من التلمذة وأخذ الحديث ثم التأليف لكتاب ضخم ككتاب الطهارة من التهذيب الذي يبلغ نحو من 200 صفحة بالقطع الكبير، بل من معجزات العباقرة إن يتم لشاب في سن 28 تأليف ذلك مع ما فيه من التحقيقات العلمية واللفتات البارعة والآراء الناضجة مع الجمع للأحاديث المتفرقة وروايتها عن عشرات المشايخ.
4 - إنه لم يشر في مقدمة التهذيب إلى إن له مؤلفا آخر على عادته في أكثر مقدمات كتبه، نعم وعد في آخر المقدمة إن يؤلف كتاب آخر أوسع من هذا الكتاب غير إنه لم يف لنا بوعده. واحسب إنه حقق وعده في نفس هذا الكتاب لأنه خرج فيه في الأثناء عن منهجه الذي اشترطه أولا في مستهل تأليفه وستأتي الإشارة إلى ذلك.
وتضمنت مقدمته ذكر البواعث لتأليفه، فابتدأ بنقل مذاكرة بعض أصدقائه عن اختلاف أحاديث الإمامية الذي كان سببا لطعن المخالفين في طريقة الإمامية، ثم ذكر اقتراح ذلك الصديق تأليف كتاب يحتوي على تأويل الأخبار المختلفة والأحاديث المتنافية درأ للطعن وذلك عنده حسب قوله من أعظم المهمات في الدين ومن أقرب القربات إلى الله تعالى لما فيه من كثرة النفع للمبتدئ والريض في العلوم".
فليست الغاية الأولى من تأليفه إذن هي جمع الأدلة الفقهية أو الأحاديث كسائر كتب الحديث. بل الغاية الأولى غاية كلامية هي الدفاع عن العقيدة والجواب عن الشبهة التي طرأت على أحاديث أهل البيت من جهة اختلافها.
ولما كانت هذه غايته من تأليف الكتاب وهي غاية كلامية فهي تلقي ضوء على منهاج تأليفه الذي نتكلم عنه فيما يأتي:
وإذا قرأنا مقدمة الكتاب نجد إن المؤلف يضع منهاج تأليفه على أساسين:
الأول نوع التأليف:
فهو يجعله شرحا للمقدمة في الفقه تأليف أستاذه الشيخ المفيد حسبما اقترحه عليه ذلك الصديق لأنها حسب تعبيره: شافية في معانيها كافية في أكثر ما يحتاج إليه من أحكام الشريعة وأنها بعيدة عن الحشو".
ثم يترجم كل باب حسبما يترجمه صاحب المقدمة أي يجعل عناوين الأبواب كعناوين أبواب المقدمة ثم يذكره مسألة مسألة فيستدل عليها ويجعله "مقصورا على ما تضمنته الرسالة من الفتوى ولم يقصد زيادة عليها" كما قرره أخيرا.
الثاني في أسلوب التأليف:
فهو لأجل إن يشرح المسالة يتبع ما يلي:
1 - يستدل عليها أما من ظاهر القرآن الكريم أو صريحه أو فحواه أو دليله أو معناه وأما من السنة المقطوع بها بالتواتر أو بالقرائن. وأما من إجماع المسلمين أو إجماع الإمامية الاثني عشرية. ويقصد بالسنة المقطوع بها التي يعبر عنها بالأخبار وهي الأخبار التي يرويها أهل السنة ونفهم ذلك من مقابلتها فيما يأتي بتعبيره أحاديث أئمتنا ومن تصريحه بذلك في مقدمة المشيخة وستأتي الإشارة إليه. 2 - يذكر بعد ذلك ما ورد من أحاديث أصحابنا أي الاثني عشرية المشهورة في ذلك. وينظر بعد ذلك فيما ينافيها ويضادها.
3 - يبين الوجه في المنافية للمشهورة أما بتأويل يجمع بينهما أو يذكر وجه الفساد في المنافية من سنة أو من عمل للعصابة على خلافها. فلو اتفق الخبران على وجه لا ترجيح لأحدهما على الآخر أي تعادلا في الترجيح بميزان العمل يجب إن يكون بما يوافق الأصلي وترك ما يخالفه.
وكذلك إذا كان الحكم مما لا نص فيه على التعيين حمله على ما يقتضيه الأصل. فهو - على هذا يسعى جهده للتوفيق بين المتنافيات من الأحاديث ومهما تمكن من التأويل من غير طعن في سند أحدهما فإنه لا يتعداه أي إنه لا يتسرع في الطعن بسند الحديث إلا إذا اقتضت الضرورة عند العجز عن التوفيق.
4 - يجتهد في إن يرى حديثا يكون شاهدا على الجمع والتأويل أما بصريحه أو بفحواه حتى يكون عمله على الفتيا والتأويل معا بالأثر وإن كان لا يرى من الواجب إن يلتمس الشاهد وإنما يلتمسه لأنه مما يؤنس بالتمسك بالأحاديث ثم يقول بالأخير: (واجري على عادتي هذه إلى آخر الكتاب).
ومن هذا الأسلوب في الشرح الذي يقرره يظهر لنا إن كتابه ليس كسائر كتب الحديث لجمع الأخبار خاصة كالكافي ومن لا يحضره الفقيه وهذه الطريقة من الجمع والتأويل والتعادل والتراجيح استوحاها من غايته الكلامية التي أشرنا إليها. ولقد كان رحمه الله في طريقته هذه بارعا كل البراعة وموفقا كل التوفيق في أكثر تأويلاته وجمعه لم يسبقه إلى نظيرها أحد من المؤلفين وبهذا امتاز على كتابي الكافي ومن لا يحضره الفقيه وذلك من ناحية النظر في المتعارضات والجمع بينها.
ولكن يبقى التساؤل إنه هل حافظ الشيخ على منهاجه هذا إلى آخر الكتاب كما وعد في كلمته الأخيرة التي نقلناها؟ وقبل إن نفتش بأنفسنا في غضون الكتاب لنرجع إلى المؤلف نفسه فإنه يحدثنا في مقدمة المشيخة التي وضعها خاتمة لكتابه إنه عدل على ذلك المنهج فإنه يقول: "كنا شرطنا في أول الكتاب إن نقتصر على إيراد شرح ما تضمنته المقنعة وأن نذكر مسألة مسألة ونورد فيها الاحتجاج من الظواهر والأدلة المفضية إلى العلم ونذكر مع ذلك طرفا من الأخبار التي رواها مخالفونا ثم نذكر بعد ذلك ما يتعلق به أحاديث أصحابنا ونورد المختلف في كل مسالة منها والمتفق عليها. ووفينا بهذا الشرط في أكثر ما يحتوي عليه كتاب الطهارة، ثم رأينا إن نخرج بهذا البسط عن الغرض ويكون مع هذا الكتاب مبتورا غير مستوفى".
"فعدلنا عن هذه الطريقة إلى إيراد أحاديث أصحابنا رحمهم الله المختلف فيه والمتفق ثم رأينا بعد ذلك إن استيفاء ما يتعلق بهذا المنهاج أولى من الأطناب في غيره فرجعنا وأوردنا من الزيادات ما كنا أخللنا به".
فهو إذن قد عدل عن منهاج بحثه في الأساسين معا فلم يتقيد بما تضمنته المقنعة واقتصر على أحاديث أصحابنا والدافع له إلى هذا العدول حسب تصريحه هو تلك الغاية الكلامية وفي الحقيقة إن هذه الغاية هي التي تحكمت في هذا الكتاب وجعلته الوحيد من نوعه في أسلوبه ومنهاجه فجاء بآراء في الجمع والتأويل لا يزال أكثرها معمولا بها عند المجتهدين.
وجاءت (الزيادات) التي أشار إليها في آخر كتاب الطهارة واسعة كمستدرك على أصل الكتاب، وقد خالف فيها المألوف إذ يضع المؤلفون المستدرك في كتاب مستقل ولكنه أبى إلا إن يسمي المستدركات بباب الزيادات كأنها جزء من أبواب الكتاب الأصلي. وهي لم تختص بكتاب الطهارة كما يبدو من عبارته بل كان يأتي بها لأكثر الكتب الفقهية.
وبعد إن تحققنا من مناهجه وعرفنا إن اختص بالأخير بالأحاديث لنعرف الآن كيف سلك في نقل الحديث فان هناك طريقتين:
(الأولى) طريقة الكافي وهي إن يذكر في كل حديث نص السند كاملا
(الثانية) طريقة من لا يحضره الفقيه وهي إن يحذف السند ويشرح في موضع آخر سنده إلى كل راو بالتفصيل.
ولكن التهذيب قد جمع بين الطريقتين أما في كتاب الطهارة فهو يذكر السند غالبا كاملا، وفي باقي الكتاب كثيرا ما يبتر مقدمة السند فينقل رأسا عن الأصل ويترك ذكر طريقه إليه فلذا التجأ في الخاتمة إلى ذكر مشيخته الذين يروى عنهم الأصول والكتب، لتخرج بذلك كما قال عن حد المراسيل وتلتحق بباب المسندات.
مؤاخذات الكتاب:
أخذت على الكتاب عدة أمور لها تأثيرها على قيمته العلمية باعتباره مرجعا للمجتهدين يعتمد عليه في استقاء الآراء الفقهية من جهة، وباعتباره مصدرا واصلا من أصول الحديث يوثق به من جهة أخرى.
فيجب علينا النظر في هذه المؤاخذات في صبر العالم المتثبت من غير تحيز، لما في ذلك من الأثر على الناحية الفقهية وهي منظورنا الأول في بحثنا هذا وعليه فنقول:
أولى الملاحظات: إن الكتاب حذف كثيرا من سند الأحاديث استنادا على ما يذكره في خاتمة الكتاب من "المشيخة" لتخرج عن حد المراسيل كما أشرنا إلى ذلك في البحث السابق. ولكنه بالأخير لم يذكر جميع الطرق التي له بل أحال بيانها على كتابه الفهرست وعلى فهارس شيوخه. والإحالة على الفهرست كانت موفقة لأن هذا الكتاب استطاع إن يحافظ على نفسه من عوادي الدهر فبقي حتى اليوم بين أيدينا وقد طبع مرتين أما فهارس شيوخه فقد فقدت منا ولم يبق لها اثر بين أيدي الناس من القديم. ولأجل هذا بقيت جملة من الأحاديث منه مرسلة بغير إسناد معروف. ولكن الفاضل الأردبيلي في خاتمة جامع الرواة تمكن من إصلاح جملة من الطرق التي كانت مغفلة وقد صنع في ذلك رسالة سماها "تصحيح الأسانيد" تقع في 57 صحيفة.
وثاني الملاحظات: ما لهج به الشيخ الحلي ابن إدريس فقد قال في سرائره كتاب الميراث في ميراث المجوسي صلى الله عليه وسلم 410: وقد صنف كتبا أخبارية أكبرها تهذيب الكلام أورد فيه من كل غث وسمين. ويقصد بالغث حسبما يقتضيه بحثه في تلك المسالة وجود روايات غير معتمدة لا يصح الأخذ بها.
واحسب إن السر في إكثاره من نقد التهذيب في الرواية اختلافه مع الشيخ في الخبر الواحد لأن الشيخ من القائلين بحجيته وهو ينكرها تبعا للسيد المرتضى علم الهدى كما صرح به في خطبة السرائر وكرره في غضونها قال صلى الله عليه وسلم 14: فلا يجوز الرجوع إليها أي أخبار الآحاد لأن خبر الواحد لا يوجب علما ولا عملا كائنا من كان رواية. وزاد على ذلك فادعى إجماع علماء الإمامية فقال: "إن مذهب أصحابنا ترك العمل بأخبار الآحاد ما خالف فيه أحد منهم".
وإذا كان هذا رأيه في خبر الواحد فما تظنه يقابل أخبار الآحاد التي يرويها الشيخ في التهذيب وغيره إلا إن يعتبرها غثا. ولذلك رأى من اللازم عليه إن يوجه إليه شبه النصيحة القارصة في قوله في كتاب الرهون 261: "وله توسطات عجيبة لا استجملها له والذي حمله على ذلك جمعه بين المتضادات وهذا لا حاجة فيه بل الواجب الأخذ بالأدلة القاطعة للأعذار وترك أخبار الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا فإنه أسلم للديانة لأن الله تعالى ما كلفنا إلا الأخذ بالأدلة وترك ما عداها". ونحن نقول لشيخنا المتبحر ابن إدريس: انك تفردت مع جماعة معروفة وهم السيد المرتضى وابن زهرة والطبرسي الذي جاء بعدكم بإطراح أخبار الآحاد، وخالفتم في ذلك علماء الطائفة وعلى رأسها شيخها ورئيسها أبو جعفر الطوسي، فحق إن ترى أخبار الآحاد التي يرويها الثقات غثا. ولكن العلماء كلهم يرونها من السمين الذي يجب إن يؤخذ به في حدود مدونة في كتب علم الوصول. وقد اتضح ذلك للذين جاءوا بعدكم من المحقق الحلي المتوفى 676 إلى يومنا هذا. وذلك مما أوضحه الشيخ وبرهن عليه في كتاب (العدة) وغيره.
بل إن من الطعون المأخوذة على ابن إدريس نفسه إنكاره للعمل بخبر الواحد ومن العجيب وهو يستغرب رواية خبر الواحد والاعتماد عليها يحاول مرة بعد أخرى الاعتذار عن الشيخ في إيراده أخبار الآحاد بأنه يوردها للتدوين لا للعمل لا سيما عن كتابه النهاية. راجع السرائر صلى الله عليه وسلم 17 و 18 و 88 و 166 و 379 وغيرها.
والأعجب من ذلك إن ينسب إلى الشيخ إنكار العمل بخبر الواحد فيقول صلى الله عليه وسلم 218: "وان وجد له في بعض كتبه كلام يدل على إنه يعمل بأخبار الآحاد فقد يوجد له في بعض كتبه وتصانيفه كلام يدل على إنه غير عامل بأخبار الآحاد ويوجد ذلك في استبصاره كثيرا فإنه يقول هذا خبر واحد وأخبار الآحاد غير معمول بها".
وكأنه لهذا الكلام يريد أن يؤكد احتواء التهذيب على الغث باعتراف الشيخ، ولكن الشيخ في خطبة الاستبصار نفسه يصرح بجواز العمل بخبر الواحد ويذكر وجوه المعارضات والترجيح بين أخبار الآحاد، وكذلك في معظم كتبه ولا سيما العدة، ولم نعثر على تصريح له بعدم العمل بخبر الواحد بنحو العموم إلا ما قد يقول عن بعض الأخبار إنه شاذ أو مرسل لا يعمل به ونحو ذلك.
ونعود فنقول لابن إدريس: إن كنت أردت من الغث أخبار الآحاد فهو ليس من الغث كما تصورته وحاولت من الشيخ الاعتراف به وإن أردت شيئا آخر فما هو؟ لعلك تريد إنه يروي عمن لا يعول عليه والشيخ يشترط في قبول الراوي إن يكون إماميا عدلا. وذلك حينما انتقدت الشيخ في روايته عن السكوني إسماعيل بن زياد صلى الله عليه وسلم 410 من السرائر وهو أي السكوني عامي المذهب بغير خلاف وشيخنا أبو جعفر موافق على ذلك وقائل به ذكره في فهرست أسماء المصنفين ثم قلت: فإن كان عاملا بأخبار الآحاد فلا يجوز إن يعمل بهذه الرواية إذا سلمنا له العمل بأخبار الآحاد تسليم جدل وقلت صلى الله عليه وسلم 242: "وهذا - يعني السكوني عامي المذهب وان كان يروي عن الصادق عليه السلام فكيف ترك الأدلة الظاهرة يعني الشيخ - لرواية هذا الرجل" ولكن السكوني هذا ذكره الشيخ في الفهرست غير إنه لم ينص على إنه ليس بإمامي والمعروف عن طريقته إن من لم ينص عليه فهو عنده إمامي، فمن أين حكمت على إنه موافق على إنه عامي المذهب؟ على إنه ذكره في رجاله من أصحاب الصادق عليه السلام ومن يذكره في أصحاب الإمام الصادق من دون نص على مذهبه فهو إمامي عنده، ثم إنه نقل عن الشيخ في عدته إنه ذكره بالتوثيق وادعى الإجماع على العمل بروايته. وكفى ما قاله السيد الداماد في رواشحه كما نقل عنه: "فإذن رواياته ليست ضعافا بل هي من الموثقات المعول عليها والطعن فيه بالضعف من ضعف التمهر وقصور التتبع".
وثالث الملاحظات: ما نقله صاحب لؤلؤة البحرين عن بعض مشايخه المعاصرين في بعض إجازاته ولم يصرح باسمه قال هذا البعض بعد الثناء على الشيخ: إلا إنه كثير الاختلاف في الأقوال وقد وقع له خبط عظيم في كتابي الأخبار في تمحله للاحتمالات البعيدة والتوجيهات الغير السديدة ويظهر إن صاحب اللؤلؤة أمضاه على هذا الرأي في حق الشيخ.
والحق إن الشيخ أول باحث نقد الأحاديث وحاول الجمع بين مختلفاتها ومتعارضاتها لتلك الغاية الكلامية التي أشرنا إليها فلذلك بذل جهدا عظيما في هذه الناحية لم يسبق إليها سابق وبرع فيها براعة قد لا تتأتى لمثله وهو مجتهد بحق لم نعرف له نظيرا ولا يمكن لإنسان مجتهد باحث إن يسلم من غفلة أو خطاة ولا يمكن لمجتهد آخر إن يقره على كل ما رآه الأول مع طبيعة الاختلاف في البشر قابلية وذكاء وفطنة وتمكنا من البحث. وليس ما وقع فيه من بعض الأخطاء شيئا يذكر في جنب ما في كتابه من دقائق نفيسة وآراء ناضجة وترجيحات مستقيمة ومحاسن لا تقدر بقيمة. أما إن يقال عن الشيخ إنه وقع له خبط عظيم فلذلك تجن وظلم عظيم ولكنها تلك شنشنة نعرفها من أخزم فان مثل هذا القائل يريد من الناظر في الأحاديث إلا يفتح فاه بكلمة يشم منها رائحة الرأي في الحديث أو ترجيح بعضها على بعضها أو تأويله بل يبقى الناظر مطموس الفهم أعمى الرأي لا يفكر ولا يرجح. فكل ترجيح وتأويل وكل رأي ونظر هو عنده خبط عظيم. ولذا إن هذا القائل بالذات استحسن كتاب النهاية للشيخ إذ اقتصر فيه على مضمون الأخبار فقال عنه: في كتاب النهاية سلك مسلك الإخباري الصرف ثم قال وهذه هي الطريقة المحمودة والغاية المقصودة. ولكن الشيخ حينما ذكر مضمون بعض الأخبار قد ألغى ما يعارضها ويخالفها لترجيح ما ذكره على غيره لوجه من الوجوه التي يذكرها في التهذيب والاستبصار إذ لم يصرح بتلك الوجوه فلا بد إنه عمل رأيه وتأويله، وإلا فذكر جميع الأخبار متفقاتها ومتعارضاتها.
ورابع الملاحظات: ما قاله صاحب اللؤلؤة بعد إن ذكر كلام ذلك القائل بعض مشايخه المعاصرين فإنه بعد أن أثنى عليه قال: "وقد غفل عن شيء آخر هو أشد مما ذكره لمن تأمل بحقيقة النظر وهو ما وقع للشيخ المذكور سيما في التهذيب من السهو والغفلة والتحريف والنقصان في متون الأخبار وأسانيدها وقلما يخلو خبر من علة من ذلك".
وإني شخصيا قد تثبت كثيرا من أحاديث التهذيب وطابقتها مع متون أحاديث الكافي فعثرت على جملة من الاختلاف في المتون بكلمة أو كلمتين وعلى الأكثر لا تخل بالمعنى والمقصود والذي يبدو للمتتبع إن الشيخ الكليني كان أضبط في نقل متن الحديث وهو أسبق منه فعند تعارض النصين مع اتحاد الرواية مسندا حيث يبدو اتحادهما متنا يكون الترجيح لا شك لمتن الكافي عند الاطمئنان من صحة النسخة.
وتلك ميزة للكافي على التهذيب بل الاستبصار لا يمكن لباحث إن ينكرها. وأبرز مثال لهذا الأمر رواية ثلاثة أشبار ونصف فقد ذكر في الكافي بعدين وكذا في الاستبصار ولكن في التهذيب أضاف بعدا ثالثا مما يجلب الانتباه إلى إنه زيادة في نسخة التهذيب لأن السند واحد في الجميع.
وقال الشيخ آغا بزرك: إن في مؤلفات شيخ الطائفة ميزة خاصة لا توجد فيما عداها من مؤلفات السلف، وذلك لأنها المنبع الأول والمصدر الوحيد لمعظم مؤلفي القرون الوسطى حيث استقوا منها مادتهم وكونوا كتبهم، ولأنها حوت خلاصة الكتب المذهبية القديمة، وأصول الأصحاب فقد مر عليك عند ذكر هجرة الشيخ إلى النجف الأشرف إن مكتبة سابور في الكرخ كانت تحتضن الكتب القديمة الصحيحة التي هي بخطوط مؤلفيها، وقد صارت كافة تلك الكتب طعمة للنار كما ذكرناه، ولم نفقد بذلك والحمد لله سوى أعيانها الشخصية وهيآتها التركيبية الموجودة في الخارج، وأما محتوياتها وموادها الأصلية فهي باقية على حالها دون زيادة حرف ولا نقيصة حرف، لوجودها في المجاميع القديمة التي جمعت فيها مواد تلك الأصول قبل تاريخ إحراق المكتبة بسنين كثيرة، حيث ألف جمع من أعاظم العلماء كتبا متنوعة، واستخرجوا جميع ما في كتبهم من تلك الأصول وغيرها مما كان في المكتبات الأخرى، وتلك الكتب التي ألفت عن تلك الأصول موجودة بعينها حتى هذا اليوم، وأكثر أولئك استفادة من تلك المكتبة وغيرها شيخ الطائفة الطوسي لأنها كانت تحت يده وفي تصرفه، وهو زعيم الشيعة ومقدمهم يومذاك فلم يدع كتابا فيها إلا وعمد إلى مراجعته واستخراج ما يخص مواضيعه منه.
وهناك مكتبة أخرى كانت في متناول يده، وهي مكتبة أستاذه السيد المرتضى الذي صحبه ثمان وعشرين سنة، وكانت تشتمل على ثمانين ألف كتاب سوى ما أهدي منها إلى الرؤساء كما صرح به كل من ترجم له، وذلك أحد وجوه تلقيبه بالثمانيني.
نعم كان شيخ الطائفة متمكنا من هاتين الخزانتين العظيمتين وكان الله ألهمه الأخذ بخطه منهما قبل فوات الفرصة، فقد اغتنمها، وغربل كوم الكتب فاخذ منها حاجته وظفر فيها بضالته المنشودة، وألف كتابيه الجليلين (التهذيب) و (الاستبصار) اللذين هما من الكتب الأربعة، والمجاميع الحديثية التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر مؤلفه حتى اليوم، وألف أيضا غيرهما من مهام الأسفار قبل أن يحدث شيء مما ذكرنا، وكذا غيره من الحجج فقد أجهدوا نفوسهم وتفننوا في حفظ تراث آل محمد ع، فكان لهم بحمد الله ما أرادوا.
وهكذا استقى شيخ الطائفة مادة مؤلفاته من تصانيف القدماء، وكتب في كافة العلوم من الفقه وأصوله، والكلام والتفسير، والحديث والرجال، والأدعية والعبادات، وغيرها، وكانت ولم تزل مؤلفاته في كل علم من العلوم مأخذ علوم الدين بأنوارها يستضيئون ومنها يقتبسون وعليها يعتمدون.
على أن جمعا من علماء الشيعة القدماء عملوا ما عمله، فان الشيخين الكليني والصدوق ألفا الكافي ومن لا يحضره الفقيه اللذين هما من الكتب الأربعة أيضا، وكذا غيرهما من الأقطاب، وأنا لا ننكر فضلهم بل نشكرهم على حسن صنيعهم ونقدر مجهودهم ونسأل الله لهم الأجر والثواب الجزيل، إلا إنه لا بد لنا من الاعتراف بان شيخ الطائفة بمفرده قام بما لا تقوم به الجماعة، ونهض بأعباء ثقيلة لم يكن من السهل على غيره النهوض بها لولا العناية الربانية التي شدت عضده، فان الغير ممن أجهد نفسه الكريمة فكتب وألف قد خص موضوعا واحدا كالفقه أو الحديث أو الدعاء أو غير ذلك بينما لم يدع شيخ الطائفة بابا إلا طرقه، ولا طريقا إلا سلكها، وقد ترك لنا نتاجا طيبا متنوعا غذى عقول فطاحل عدة قرون وأجيال. ومع ما ذكرناه مما حل بكتب الشيعة من حريق وتلف وتدمير، فقد شذت مجموعة نادرة منها، وبقيت عدة من الكتب بهيئاتها إلى أوائل القرن الثامن، ومنها عدد كثير من كتب الأدعية، فقد حصلت جملة وافية للسيد جمال السالكين رضي الدين أبي القاسم علي بن موسى بن محمد الطاووسي الحسيني الحلي المتوفى سنة 664، كما يظهر ذلك من النقل عنها في أثناء تصانيفه، فقد ذكر في الفصل الثاني والأربعين بعد المائة من كتابه (كشف المحجة) الذي ألفه سنة 649 بعد ترغيب ولده إلى تعلم العلوم ما لفظه: (هيأ الله جل جلاله لك على يدي كتبا كثيرة إلى قوله بعد ذكر كتب التفسير: وهيا الله جل جلاله عندي عدة مجلدات في الدعوات أكثر من ستين مجلدا).
وبعد هذه السنة حصلت عنده عدة كتب أخرى، فقال في آخر كتابه (مهج الدعوات) الذي فرع منه يوم الجمعة 7 جمادى الأولى سنة 662 يعني قبل وفاته بسنتين تقريبا: (فإن في خزانة كتبنا هذه الأوقات أكثر من سبعين مجلدا في الدعوات).
أقول: وأما سائر كتبه فقد جاء في مجموعة الشهيد إنه جرى ملكه في سنة تأليفه (الإقبال) وهي سنة 650 على ألف وخمسمائة كتاب. والله أعلم بما زيد عليها من هذا التاريخ إلى وفاته في سنة 664 وهذه النيف والسبعون مجلدا من كتب الدعوات التي عنده كلها كانت من كتب المتقدمين على الشيخ الطوسي الذي توفي سنة 460 لأن الشيخ منتجب الدين بن بابويه القمي جمع تراجم المتأخرين عن الشيخ الطوسي إلى ما يقرب من مائة وخمسين سنة وذكر تصانيفهم ولا نجد في تصانيفهم من كتب الدعاء إلا قليلا وذلك لما ذكرناه من إن علماء الشيعة بعده إلى مائة سنة أو أكثر كانوا مكتفين بمؤلفاته ومتحاشين عن التأليف في قبالها، والحديث في هذا الباب طويل تكاد تضيق عن الإحاطة به هذه الصحائف، فلنمسك عنان القلم محيلين طالب التفضيل إلى مقالتين مبسوطتين كتبناهما في الذريعة الأولى في ج 1 صلى الله عليه وسلم 125 135 والثانية في ج 8 صلى الله عليه وسلم 172 181 واليك الآن فهرس ما وصل إلينا من مؤلفات شيخ الطائفة مرتبا على حروف الهجاء:
(1) الأبواب: سمي بذلك لأنه مرتب على أبواب بعدد رجال أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب كل واحد من الأئمة عليه السلام ويسمى برجال شيخ الطائفة وهو أحد الأصول الرجالية المعتمدة عند علمائنا.
(2) اختيار الرجال: هو كتاب رجال الكشي الموسوم بمعرفة الناقلين لأبي عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي معاصر بن قولويه المتوفى سنة 369 والراوي كل منهما عن الآخر، وكان كتاب رجاله كثير الأغلاط كما ذكره النجاشي لذلك عمد شيخ الطائفة إلى تهذيبه وتجريده من الأغلاط وسماه بذلك، وأملاه على تلاميذه في المشهد الغروي وكان بدء إملائه يوم الثلاثاء 26 صفر سنة 456 كما حكاه السيد رضي الدين بن طاووس في فرج المهموم والنسخة المطردة المعروفة برجال الكشي هي عين اختيار شيخ الطائفة، وأما الأصل فلم نجد له أثرا.
(3) الاستبصار فيما اختلف من الأخبار: هو أحد الكتب الأربعة والمجاميع الحديثة التي عليها مدار استنباط الأحكام الشرعية عند الفقهاء الاثني عشرية منذ عصر المؤلف حتى اليوم، جزءان منه في العبادات والثالث في بقية أبواب الفقه من العقود والإيقاعات والأحكام إلى الحدود والديانات، وهو مشتمل على عدة كتب التهذيب غير إنه مقصور على ذكر ما اختلف فيه من الأخبار وطريق الجمع بينهما، والتهذيب جامع للخلاف والوفاق، وقد حصر الشيخ نفسه أحاديث الاستبصار في آخره 5511 حديثا، وقال: حصرتها لئلا تقع فيها زيادة أو نقصان الخ. وقد طبع في المطبعة الجعفرية في لكهنو الهند سنة 1307 وطبع ثانيا في طهران سنة 1317 وطبع ثالثا في النجف الأشرف سنة 1375 على نفقة الفاضل الشيخ علي الآخوندي، وقد قوبل بثلاث نسخ مخطوطة، وفاتهم مقابلة النسخة المقابلة بخط شيخ الطائفة نفسه الموجودة في مكتبة الشيخ هادي آل كشف الغطاء في النجف الأشرف.
(4) أصول العقائد
(5) الاقتصاد الهادي إلى طريق الرشاد: وهو فيما يجب على العباد من أصول العقائد والعبادات الشرعية على وجه الاختصار
(6) الآمالي: في الحديث، ويقال له المجالس لأنه أملاه مرتبا في عدة مجالس، وقد طبع في طهران عام 1313 منضما إلى كتاب آخر اسمه الأمالي أيضا شاعت نسبته إلى الشيخ أبي علي الحسن ابن الشيخ الطوسي، وليس كما اشتهر بل هو جزء من أمالي والده شيخ الطائفة أيضا، إلا إنه ليس مثل جزئه الآخر مرتبا على المجالس
(7) انس الوحيد: كذا ذكره في ترجمته عند عد تصانيفه في كتابه الفهرست وقال: إنه مجموع.
(8) الإيجاز: في الفرائض، وقد سماه بذلك لأن غرضه فيه الإيجاز، وأحال فيه التفصيل إلى كتابه النهاية
(9) التبيان في تفسير القرآن: وهو أول تفسير جمع فيه مؤلفه أنواع علوم القرآن، وقد أشار إلى فهرس مطوياته في ديباجته ووصفه بقوله: لم يعمل مثله واعترف بذلك أمام المفسرين أمين الإسلام الطبرسي في مقدمة كتابه الجليل مجمع البيان في تفسير القرآن فقال: إنه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحق، ويلوح عليه رواء الصدق، وقد تضمن من المعاني الأسرار البديعة، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة، ولم يقنع بتدوينها دون تبيينها ولا بتنسيقها دون تحقيقها، وهو القدوة استضئ بأنواره، وأطأ مواقع آثاره.
وكان الشيخ محمد بن إدريس العجلي المتوفى سنة 598 كثير الوقائع مع شيخ الطائفة، دائم الرد على معظم مؤلفاته، وهو أول من خالف أقواله كما أسلفناه إلا إنه يقف عند كتابه التبيان ويعترف له بعظم الشأن، واستحكام البنيان
(10) تلخيص الشافي: في الإمامة، أصله لعلم الهدى السيد المرتضى رحمة الله عليه، وقد لخصه تلميذه شيخ الطائفة، وطبع التلخيص في آخر الشافي بطهران، سنة 1301
(11) تمهيد الأصول: شرح الكتاب جمل العلم والعمل لأستاذه المرتضى لم يخرج منه إلا شرح ما يتعلق بالأصول كما صرح به في الفهرست، توجد منه نسخة في "خزانة الرضا عليه السلام" بخراسان كما في فهرسها.
(12) الجمل والعقود: في العبادات، وقد رأيت منه عدة نسخ في النجف الأشرف، وفي طهران ألفه بطلب من خليفته في البلاد الشامية، وهو القاضي عبد العزيز بن نحرير بن عبد العزيز بن البراج قاضي طرابلس المتوفى سنة 481، كما صرح في أوله بقول: فإني مجيب إلى ما سال الشيخ الفاضل أطال الله بقاءه. وقد صرح في هامش بعض النسخ القديمة بان القاضي المذكور هو المراد بالشيخ
(13) الخلاف في الأحكام: ويقال له مسائل الخلاف أيضا، وهو مرتب على ترتيب كتب الفقه وقد صرح فيه بأنه ألفه قبل كتابيه التهذيب والاستبصار وهو في مجلدين كبيرين، يوجدان تماما في مكتبة السيد ميرزا باقر القاضي في تبريز
(14) رياضة العقول: شرح فيه كتابه الآخر الذي سماه مقدمة في المدخل إلى علم الكلام
(15) شرح الشرح: في الأصول، قال تلميذه الحسن بن مهدي السليقي: إن من مصنفاته التي لم يذكرها في الفهرست كتاب شرح الشرح في الأصول، وهو كتاب مبسوط وأملى علينا منه شيئا صالحا، ومات رحمه الله ولم يتمه ولم يصنف مثله. (16) العدة في الأصول، ألفه في حياة أستاذه السيد المرتضى، وقسمه قسمين الأول في أصول الدين والثاني في أصول الفقه، وهو ابسط ما ألف في هذا الفن عند القدماء طبع ببمبئي في سنة 1312 وطبع في إيران ثانيا سنة 1314 مع حاشية المولى خليل القزويني المتوفى سنة 1089
(17) الغيبة:
(18) الفهرست: ذكر فيه أصحاب الكتب والأصول، وأنهى إليهم واليها أسانيده عن مشايخه، وهو من الآثار الثمينة الخالدة، وقد اعتمد عليه علماء الإمامية على بكرة أبيهم في علم الرجال، وقد شرحه الشيخ سليمان الماحوزي المتوفى 1121 وسماه معراج الكمال إلى معرفة الرجال ورتبه على طريقة الرجال كل من الشيخ علي المقشاعي الأصبغي البحراني المتوفى سنة 1127 والمولى عناية الله القهبائي النجفي المتوفى بعد سنة 1126 وغيرهما.
طبع الفهرست في ليدن قبل سنين متطاولة ولا أذكر الآن عام طبعه وطبع ثانيا في كلكته عام 1271 فجاء في 373 صفحة وقد تولى نشره وتصحيحه أ. سبرنجر والمولى عبد الحق، وقد طبع في ذيل صفحاته نضد الإيضاح يعني إيضاح الاشتباه للعلامة الحلي تأليف علم الهدى محمد بن الفيض الكاشاني المتوفى بعد سنة 1112.
وفي سنة 1356 طبعه في النجف الأشرف السيد محمد صادق آل بحر العلوم مع مقدمة إضافية عن الشيخ وتعاليق مفيدة، تدارك فيها ما فات في طبعتيه الأولى والثانية.
وللفهرست ذيول وتتمات من أنفس الكتب الرجالية، منها فهرست الشيخ منتجب الدين المتوفى بعد سنة 585 ذكر فيه المصنفين بعد عصر الشيخ إلى عصره، وقد طبع مع الجزء الأخير من بحار الأنوار ومنها معالم العلماء للشيخ رشيد الدين محمد بن علي بن شهراشوب السرري صاحب المناقب المتوفى سنة 588 وقد زاد هذا الأخير على ما ذكره شيخ الطائفة من أسماء المصنفين ثلاثمائة مصنف.
ولقد لخص الفهرست الشيخ نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الهذلي الشهير بالمحقق الحلي صاحب الشرايع والمتوفى سنة 676 لخصه بتجريده عن ذكر الكتب والأسانيد إليها، والاقتصار على ذكر نفس المصنفين وسائر خصوصياتهم مرتبا على الحروف في الأسماء والألقاب والكنى،
(19) ما لا يسع المكلف الإخلال به: في علم الكلام
(20) ما يعلل وما لا يعلل: في علم الكلام أيضا
(21) المبسوط: في الفقه من أجل كتب هذا الفن، يشتمل على جميع أبوابه طبع في إيران 1270
(22) مختصر أخبار المختار بن أبي عبيد الثقفي: ويعبر عنه ب " أخبار المختار أيضا
(23) مختصر المصباح: في الأدعية والعبادات، اختصر فيه كتابه الكبير مصباح المتهجد
(24) مختصر في عمل اليوم والليلة: في العبادات،
(25) مسالة في الأحوال
(26) مسالة في العمل بخبر الواحد وبيان حجيته
(27) مسالة في تحريم الفقاع
(28) مسالة في وجوب الجزية على اليهود والمنتمين إلى الجبابرة
(29) مسائل ابن البراج
(30) الفرق بين النبي والإمام: في علم الكلام
(31) المسائل الالياسية
(32) المسائل الجنبلائية: في الفقه
(33) المسائل الحائرية في الفقه،
(34) المسائل الحلبية: في الفقه أيضا
(25) المسائل الدمشقية في تفسير القرآن،
(36) المسائل الرازية: في الوعيد،
(37) المسائل الرجبية: في تفسير أي من القرآن
(38) المسائل القمية
(39) مصباح المتهجد: في أعمال السنة كبير، وهو من أجل الكتب في الأعمال والأدعية،
(40) المفصح: في الإمامة، وهو من الآثار الهامة توجد نسخة منه في مكتبة راجة فيض آباد في الهند، وحصلت نسخة منه للميرزا حسين النوري، وجدها مع النهاية وهي بخط أبي المحاسن بن إبراهيم بن الحسين ابن بابويه كان تاريخ كتابته للنهاية الثلاثاء 15 ربيع الآخر سنة 517
(41) مقتل الحسين عليه السلام
(42) مقدمة في المدخل إلى علم الكلام
(43) مناسك الحج في مجرد العمل
(44) النقض على ابن شاذان في مسالة الغار
(45) النهاية في مجرد الفقه والفتوى: من أعظم آثاره واجل كتب الفقه ومتون الأخبار
(46) هداية المسترشد وبصيرة المتعبد: في الأدعية والعبادات ذكره الشيخ في (الفهرست).
(وفاته وقبره)
لم يبرح شيخ الطائفة في النجف الأشرف مشغولا بالتدريس والتأليف، والهداية و الإرشاد، مدة اثنتي عشرة سنة، حتى توفي ليلة الاثنين الثاني والعشرين من المحرم سنة 460، عن خمس وسبعين سنة، وتولى غسله ودفنه تلميذه الشيخ الحسن بن مهدي السليقي، والشيخ أبو محمد الحسن بن عبد الواحد العين زربي، والشيخ أبو الحسن اللؤلؤي، ودفن في داره بوصية منه وأرخ وفاته بعض المتأخرين بقوله مخاطبا مرقده الزاكي كما هو مسطور على جدار المسجد، وقد ذكره الشيخ جعفر نقدي في كتابه ضبط التاريخ بالأحرف أيضا صلى الله عليه وسلم 13:
يا مرقد الطوسي فيك قد انطوى | محيي العلوم فكنت أطيب مرقد |
إلى إن قال:
أودى بشهر محرم فأضافه | حزنا بفاجع رزئه المتجدد |
إلى إن قال:
بك شيخ طائفة الدعاة إلى الهدى | ومجمع الأحكام بعد تبدد |
إلى إن قال:
وبكى له الشرع الشريف مؤرخا | (أبكى الهدى والدين فقد محمد) |
وتحولت الدار بعده مسجدا في موضعه اليوم حسب وصيته أيضا، وهو مزار يتبرك به الناس من العوام والخواص، ومن أشهر مساجد النجف، عقدت فيه منذ تأسيسه حتى اليوم عشرات حلقات التدريس من قبل كبار المجتهدين وأعاظم المدرسين فقد كان العلماء يستمدون من بركات قبر الشيخ لكشف غوامض المسائل ومشكلات العلوم، ولذلك كان مدرس العلماء ومعهد تخريج المجتهدين إلى عصر شيخ الفقهاء الشيخ محمد حسن (صاحب الجواهر) الذي كان يدرس فيه أيضا، حتى بعد إن بنوا له مسجده الكبير المشهور باسمه.
واستمرت العادة كذلك إلى عصر الشيخ محمد كاظم الخراساني صاحب الكفاية فقد كان تدريسه فيه ليلا إلى إن توفي، وقد أحصيت عدة تلامذته في الأواخر بعض الليالي فتجاوزت الألف والمائتين، وكذلك شيخ الشريعة الأصفهاني، فقد كان يدرس فيه عصرا إلى إن توفي،
كما أن تلميذ الخراسان الشيخ ضياء الدين العراقي كان يدرس فيه صبحا إلى إن توفي. وموقع مسجد الشيخ في محلة المشراق من الجهة الشمالية للصحن المرتضوي الشريف وسمي باب الصحن المنتهى إلى مرقده ب" باب الطوسي، وقد طرأت عليه بعد عمارته الأولى عمارتان، حسبما نعلم إحداهما في حدود سنة 1198 وذلك بترغيب من السيد مهدي بحر العلوم كما ذكره في الفوائد الرجالية فقد قال: وقد جدد مسجده في حدود سنة 1198 فصار من أعظم المساجد في الغري، وكان ذلك بترغيبنا بعض الصلحاء من أهل السعادة.
وبني لنفسه مقبرة في جواره دفن فيها مع أولاده وجملة من أحفاده.
والثانية في سنة 1305 كما ذكره السيد جعفر آل بحر العلوم في كتابه تحفة العالم ج 1 صلى الله عليه وسلم 204 وكانت بعناية السيد حسين آل بحر العلوم المتوفى سنة 1306، كما قاله، فإنه لما رأى تضعضع أركانه وأنها آلت إلى الخراب رغب بعض أهل الخير في قلعه من أساسه، فجدد وهي العمارة الموجودة اليوم.
وفي سنة 1369. هدمت الحكومة ما يقرب من ربع مساحته فأضافتها إلى الشارع الذي فتحته بجنبه في نفس العام، وسمته بشارع الطوسي أيضا، فصار للمسجد بابان أحدهما وهو الأكبر والأوجه على الشارع الجديد العام من جهة الشرق، والثاني وهو الباب الأول من جهة الغرب على الطريق القديم مقابل (المدرسة المهدية).
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 9- ص: 159