السيد علي آل طاووس ولد سنة 589 وتوفي سنة 664. آل طاووس أسرة عراقية جليلة أخرجت جملة من الأعلام في المائتين السابعة والثامنة، تولوا شؤون النقابة والزعامة الروحية في أواخر عصور الدولة العباسية، ثم من الدولة الإيليخانية المغولية، وعالجوا الكتابة والتأليف في علوم الدين والفقه والشريعة والأنساب وما كان على شاكلتها من المواضيع. وكان من أبرز أعلام هذه الأسرة - السيد النقيب رضي الدين علي بن سعد الدين أبي إبراهيم موسى بن جعفر ابن محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد ابن أبي عبد الله محمد الطاووس ابن إسحاق بن الحسن بن محمد بن سليمان ابن داوود بن الحسن المثنى ابن الحسن السبط ابن علي بن أبي طالب عليه السلام. ولد قبل ظهر يوم الخميس منتصف المحرم سنة 589 بالحلة، وبها نشأ وترعرع وروى بنفسه في بعض مؤلفاته تاريخ نشأته ودراسته فقال: (أول ما نشأت بين جدي ورام ووالدي. . . وتعلمت الخط والعربية وقرأت في علم الشريعة المحمدية. . . وقرأت كتبا في أصول الدين. . . واشتغلت بعلم الفقه، وقد سبقني جماعة إلى التعليم بعدة سنين، فحفظت في نحو سنة ما كان عندهم وفضلت عليهم. . . وابتدأت بحفظ الجمل والعقود. . . وكان الذين سبقوني ما لأحدهم إلا الكتاب الذي يشتغل فيه، وكان لي عدة كتب في الفقه من كتب جدي ورام انتقلت إلي من والدتي (ر ض) بأسباب شرعية في حياتها. . فصرت أطالع بالليل كل شيء يقرأ فيه الجماعة الذين تقدموني بالسنين، وأنظر كل ما قاله مصنف عندي وأعرف ما بينهم من الخلاف على عادة المصنفين، وإذا حضرت مع التلامذة بالنهار أعرف ما لا يعرفون وأناظرهم. . . وفرغت من الجمل والعقود، وقرأت النهاية فلما فرغت من الجزء الأول منها استظهرت على العلم بالفقه حتى كتب شيخي محمد بن نما خطه لي على الجزء الأول وهو عندي الآن. فقرأت الجزء الثاني من النهاية أيضا ومن كتاب المبسوط، وقد استغنيت عن القراءة بالكلية. . . وقرأت بعد ذلك كتبا لجماعة بغير شرح، بل للرواية المرضية. وسمعت ما يطول ذكر تفضليه). وكان له بالإضافة إلى شيخه محمد بن نما السالف الذكر شيوخ كثيرون لا يتسع المجال لذكر جميعهم، نذكر منهم:
1 - أسعد بن عبد القاهر بن أسعد الأصفهاني - كان قد وصل بغداد سنة 635 ه وزار رضي الدين في داره في شهر صفر من تلك السنة وأجازه هناك بالرواية عنه.
2 - الحسين بن أحمد السوراوي، وقد أجازه في شهر جمادى الآخرة 609 ه.
3 - محب الدين أبو عبد الله محمد بن محمود المعروف بابن النجار البغدادي، يروي عنه إجازة كتابه (تذييل تاريخ بغداد).
4 - تاج الدين الحسن بن علي الدربي، يروي عنه صحيح مسلم.
5 - سديد الدين سالم بن محفوظ بن عزيزة السوراوي، قرأ عليه التبصرة وبعض المنهاج.
6 - كمال الدين حيدر بن محمد بن زيد بن محمد ابن عبد الله الحسيني، قرأ عليه أياما كثيرة يوم السبت 16 جمادى الآخرة سنة 620 ه.
كما وقد قرأ عليه وروى عنه كثير من الأعلام، نذكر منهم: الحسن بن يوسف العلامة الحلي، غياث الدين عبد الكريم آل طاووس، جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي، علي بن عيسى الإربلي، الحسن بن داوود الحلي. وهاجر رضي الدين في شبابه إلى بغداد، ويحدثنا عن سبب هذه الهجرة فيقول: (ثم اتفق لوالدي - قدس الله روحيهما ونور ضريحهما - تزويجي. . . وكنت كارها لذلك. . . فأدى ذلك إلى التوجه إلى مشهد مولانا الكاظم (عليه السلام) وأقمت به حتى اقتضت الاستخارة التزويج بصاحبتي زهراء خاتون بنت الوزير ناصر بن مهدي رضوان الله عليها وعليه، وأوجب ذلك طول الاستيطان ببغداد). وعلى الرغم من عدم معرفتنا بتاريخ الهجرة فإن الشيء المتيقن أن رضي الدين كان ببغداد سنة 635ه حيث يروي أن شيخه أسعد بن عبد القاهر قد زاره في داره في شهر صفر من تلك السنة، والظاهر أنه كان قد قدمها قبل ذلك بسنين، لأنه (أقام ببغداد نحوا من خمس عشرة سنة ثم رجع إلى الحلة) في رواية بعض المصادر، وكان رجوعه هذا إلى الحلة في حدود عام 640ه. ولقي ببغداد من ضروب الحفاوة الشيء الكثير، وكان من جملتها إنعام الخليفة المستنصر عليه بدار يسكن فيها، وتقع بالجانب الشرقي عند المأمونية في الدرب المعروف بدرب الجوبة. كما كان من جملتها صلاته الوثقى بفقهاء النظامية المستنصرية ومناقشاته ومحاوراته معهم. وصلاته الوثقى أيضا بالوزير القمي وولده ابن العلقمي وأخيه وولده صاحب المخزن. وكان له مع الخليفة المستنصر، المتوفى سنة 640ه من متانة الصلة وقوة العلاقة ما يعتبر في طليعة ما حفل به تاريخه في بغداد، وكان من أول مظاهرها إنعام الخليفة عليه بدار سكناه، ثم أصبحت لرضي الدين من الدالة ما يسمح له بالسعي لدى المستنصر في تعيين الرواتب للمحتاجين وما يدفع المستنصر إلى مفاتحته في تسليم الوزارة له. ولعل حب المستنصر - كأبيه - للعلويين وعطفه عليهم واهتمامه بشؤونهم هو السبب في هذه العلاقة الأكيدة القوية وفي تدعيمها واستمرارها طوال تلك السنين، ولنترك رضي الدين يحدثنا بقلمه عن تلك العلاقة ويروي لنا نماذج منها فيقول:
(طلبني الخليفة المستنصر جزاه الله عنا خير الجزاء - للفتوى، على عادة الخلفاء، فلما وصلت إلى باب الدخول. . . تضرعت إلى الله عز وجل وسألته أن يستودع مني ديني وكل ما وهبنيه، ويحفظ علي كل ما يقربني من مراضيه، فحضرت فاجتهد بكل جهد بلغ توصله إليه أنني أدخل في فتواهم، فقواني الله جل جلاله على مخالفتهم والتهوين بنفسي). والظاهر أن الوشاة قد حاولوا إفساد علاقته بالمستنصر بعد رفضه منصب الإفتاء حيث يقول: (وجرت عقيب ذلك أهوال من السعايات، فكفاني الله جل جلاله بفضله وزادني من العنايات).
(ثم عاد الخليفة ودعاني إلى نقابة جميع الطالبين على يد الوزير القمي وعلى يد غيره من أكابر دولتهم، وبقي على مطالبتي بذلك عدة سنين، فاعتذرت بأعذار كثيرة، فقال الوزير القمي: ادخل واعمل فيها برضا الله، فقلت له: فلأي حال لا تعمل أنت في وزارتك برضا الله تعالى، والدولة أحوج إليك منها إلي، ثم عاد يتهددني، وما زال الله جل جلاله يقويني عليهم حتى أيدني وأسعدني).
(وعاد المستنصر. . . وتحيل معي بكل طريق. . وقيل لي: إما أن تقول إن الرضي والمرتضى كانا ظالمين أو تعذرهما فتدخل في مثل ما دخلا فيه، فقلت: إن أولئك كان زمانهم زمان بني بويه. . . وهم مشغولون بالخلفاء والخلفاء بهم مشغولون، فتم للرضي والمرتضى ما أرادوا من رضا الله). ثم (اختار الخليفة المستنصر - جزاه الله خير الجزاء - أن أكون رسولا إلى سلطان التتر، فقلت لمن خاطبني في هذه الأشياء ما معناه: إن أنا نجحت ندمت وإن جنحت ندمت فقال: كيف؟ فقلت: إن نجاح سعيي يقتضي أنكم لا تعزلوني من الرسالات. . . وإن لم ينجح الأمر سقطت من عينكم سقوطا يؤدي إلى كسر حرمتي).
و(كنت استأذنت الخليفة في زيارة مولانا الرضا - عليه التحية والثناء - بخراسان، فأذن، وتجهزت وما بقي إلا التوجه إلى ذلك المكان، فقال من كان الحديث في الإذن إليه: قد رسم أنك تكون رسولا إلى بعض الملوك، فاعتذرت وقلت: هذه الرسالة إن نجحت ما يتركوني بعدها أتصرف بنفسي. . وإن جنحت صغر أمري وانكسرت حرمتي. . ثم لو توجهت كان بعدي من الحساد من يقول لكم: إنه يبايع ملك الترك ويجئ به إلى هذه البلاد وتصدقونه فقال: وما يكون العذر؟ قلت: إنني أستخير وإذا جاءت لا تفعل فهو يعلم أنني لا أخالف الاستخارة أبدا فاستخرت واعتذرت).
(ثم عاد الخليفة المستنصر - جزاه الله خير الجزاء - وكلفني الدخول في الوزارة وضمن لي أنه يبلغ بي في ذلك إلى الغاية، وكرر المراسلة والإشارة. . . فراجعت واعتذرت، حتى بلغ الأمر إلى أن قلت ما معناه: إن كان المراد بوزارتي على عادة الوزراء، يمشون أمورهم بكل مذهب وكل سبب، سواء أكان ذلك موافقا لرضا الله جل جلاله ورضا سيد الأنبياء والمرسلين أو مخالفا لهما في الآراء، فإنك من أدخلته في الوزارة قام بما جرت عليه العوائد الفاسدة. وإن أردت العمل في ذلك بكتاب الله جل جلاله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا أمر لا يحتمله من في دارك ولا مماليك ولا خدمك ولا حشمك ولا ملوك الأطراف، ويقال لك إذا سلكت سبيل العدل والإنصاف والزهد إن هذا علي بن طاووس علوي حسني ما أراد بهذه الأمور إلا أن يعرف أهل الدهور أن الخلافة لو كانت إليهم كانوا على هذه القاعدة من السيرة، وإن في ذلك ردا على الخلفاء من سلفك وطعنا عليهم). ولما تغلب التتار(على بلاد خراسان وطمعوا في هذه البلاد ووصلت سراياه إلى نحو مقاتلة بغداد في زمن الخليفة المستنصر - جزاه الله عني بما هو أهله -، كتبت إلى الأمير قشتمر وكان إذ ذاك مقدم العساكر خارج بلد بغداد وهم مبرزون بالخيم والعدد والاستظهار ويخافون أن تأتيهم عساكر التتار وقد نودي في باطن البلد بالخروج إلى الجهاد فقلت له بالمكاتبة: استأذن لي الخليفة وأعرض رقعتي عليه في أن يأذن لي في التدبير ويكونون حيث أقول يقولون وحيث أسكت يسكتون، حتى أصلح الحال بالكلام، فقد خيف على بيضة الإسلام، وما يعذر الله جل جلاله من يترك الصلح بين الأنام، وذكرت في المكاتبة أنني ما أسير بدرع ولا عدة إلا بعادتي من ثيابي ولكني أقصد الصلح، ولا أبخل بشيء لا بد منه، وما أرجع بدون الصلح فإنه مما يريده الله عز وجل ويقربني منه، فاعتذروا وأرادوا غير ما أردناه).
ثم (حضرت عند صديق لنا وكان أستاذ دار وقلت له: تستأذن لي الخليفة في أن أخرج أنا (وآخرون) ونأخذ معنا من يعرف لغة التتار ونلقهم ونحدثهم. . . لعل الله جل جلاله يدفعهم بقول أو فعل أو حيلة عن هذه الديار، فقال: نخاف تكسرون حرمة الديوان ويعتقدون أنكم رسل من عندنا، فقلت: (أرسلوا معنا) من تختارون ومتى ذكرناكم أو قلنا إننا عنكم حملوا رؤوسنا إليكم وأنجاكم ذلك وأنتم معذورون. ونحن إنما نقول إننا أولاد هذه الدعوة النبوية والمملكة المحمدية، وقد جئنا نحدثكم عن ملتنا وديننا فإن قبلتم وإلا فقد أعذرنا. . . فقام وأجلسني في موضع منفرد أشار إليه، وظاهر الحال أنه أنهى ذلك إلى المستنصر. ثم أطال وطلبني من الموضع المنفرد وقال ما معناه: إذا دعت الحاجة إلى مثل هذا أذنا لكم، لأن القوم الذين قد أغاروا ما لهم متقدم تقصدونه وتخاطبونه، هؤلاء سرايا متفرقة وغارات غير متفقة). وعاد بعد ذلك كله إلى الحلة ولا نعلم بالتحقيق متى كان ذلك، ولكنه على الأرجح في أواخر عهد المستنصر فبقي هناك مدة من الزمن حيث ولد له ابنه محمد سنة 643ه، ثم انتقل منها إلى النجف فبقي فيها ثلاث سنين، وولد له هناك ولده علي سنة 746ه، ثم انتقل إلى كربلاء وكان ينوي الإقامة ثلاث سنين، ولا يدري هل تحققت نيته أم لا، ثم عاد إلى بغداد سنة 652ه وبقي فيها إلى حين احتلال المغول بغداد، فشارك في أهوالها وشملته آلامها، وفي ذلك يقول:
(تم احتلال بغداد من قبل التتر في يوم الإثنين 18 محرك سنة 656ه وبتنا في ليلة هائلة من المخاوف الدنيوية فسلمنا الله جل جلاله من تلك الأهوال). ولما تم احتلال بغداد أمر هولاكو (أن يستفتى العلماء: أيما أفضل السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر؟؟ ثم جمع العلماء بالمستنصرية لذلك فلما وقفوا على الفتيا أحجموا عن الجواب، وكان رضي الدين علي بن طاووس حاضرا هذا المجلس وكان مقدما محترما، فلما رأى إحجامهم تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافر على المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده). وكان من فوائد ذلك ما أشار إليه بقوله: (ظفرت بالأمان والإحسان، وحقنت فيه دماؤنا، وحفظت فيه حرمنا وأطفالنا ونساؤنا، وسلم على أيدينا خلق كثير). وفي سنة 661ه ولي رضي الدين نقابة الطالبيين، وبقي نقيبا إلى أن توفي يوم الاثنين خامس ذي القعدة سنة 664ه. رحمة الله ورضوانه عليه.
فضله وآثاره
كان رضي الدين على جانب كبير من العلم والفضل والمعرفة كما تشهد به مؤلفاته وآثاره وأقوال المؤرخين والرجاليين الذين ترجموا له وذكروه حتى آل الأمر ببعض أعلام عصره إلى طلب التصدي منه للفتيا والقضاء الشرعي، اعتمادا على فقهه العميق وورعه الذي لا يتسرب إليه الشك، وفي ذلك يحدثنا فيقول: (وأراد بعض شيوخي أنني أدرس وأعلم الناس وأفتيهم وأسلك سبيل الرؤساء المتقدمين فوجدت الله جل جلاله يقول في القرآن الشريف: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، فما منكم من أحد عنه حاجزين)، فرأيت أن هذا تهديد من رب العالمين فكرهت وخفت من الدخول في الفتوى، حذرا من أن يكون فيها تقول عليه، وطلب رئاسة لا أريد بها التقرب إليه، فاعتزلت).
(ثم اجتمع عندي من أشار إلى أن أكون حاكما بين المختلفين على عادة الفقهاء والعلماء من السلف الماضين، ومصلحا لأمور المتحاكمين، فاعتزلت). ومن الناحية الأدبية ذكر ابن أخيه السيد عبد الكريم غياث الدين أن لعمه نظما ونثرا، وقال الحر العاملي في ترجمته: (وكان أيضا شاعرا أديبا منشئا بليغا)، ولم نعثر على شعر له سوى ما رواه الشيخ شمس الدين محمد ابن مكي حيث قال: كتبت من خط رضي الدين ابن طاووس قدس الله روحيهما:
خبت نار العلى بعد اشتعال | ونادى الخير حي على الزوال |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 358