الشيخ علي ابن الشيخ مهدي ابن الشيخ علي شمس الدين توفي سنة 1373 في قرية مجدل سلم من جبل عامل عن سن عالية.
فاضل، شاعر من أبرز شعراء جبل عامل في عصره، أديب ظريف ذو نكتة وفكاهة ومرح، كان فترة من الوقت قاضيا شرعيا في صور ثم في جديدة مرجعيون، وفي أواخر أيامه كف بصره.
شعره
من شعره ما أرسله إلى المؤلف:
ان فاتني شرف المثول امام من | هو في الحقيقة كعبة الإسلام |
ما فاتني شرف الولاء لمن له | نفس أحلته أجل مقام |
ولو استطعت نزول حي ضمه | للثمت منه مواطئ الاقدام |
سمعنا زئير أسود الشري | و قد بارحت غيلها للكفاح |
فردت إلى الناس أرواحها | و قالت لقد جاء دور الصلاح |
ودبت باقذاذنا نخوة | غنينا بها عن صليل الرماح |
فيا هل ترى والليالي حبا | لي نرى بعض بارقة من نجاح |
ونمشي إلى النجح في موكب | يقول لغاصبنا لا براح |
ونستعمل الحزم إذ عله | يضمد ما بالحشا من جراح |
عرفنا الزمان وأبناءه | و أفعال أهل الوجوه الوقاح |
ومرت علينا السنون الطوال | نقاسي العنا في الحمى المستباح |
نحمل فوق الذي نستطيع | و نحلب كالشاة وسط المراح |
اما آن للدهر أن يرعوي | فقد بحنا منه طول الصياح |
كانا نصيح بواد عميق | يرد صداه هبوب الرياح |
إلى م طماعة هذا الزمان | بنا ويتاح لنا ما يتاح |
ونصبر والصبر مر المذاق | على مضض عز عنها البراح |
يسوموننا الخسف في كل آن | و نخفض بالرغم منا الجناح |
ونلقى اضطهادا يشق القلوب | و ليس عليهم به من جناح |
هوانا للبنان أودى بنا | و ما الحب الا هوى وافتضاح |
فكم عاشق مات في دائه | و معشوقه في هنا وارتياح |
أطعنا الزمان وشان المطوع | بان لا يجاب وان لا يراح |
وقد يبلغ الغاية المستميت | و يحمي الحقيقة كبش النطاح |
وتردي الذئاب قطيع الخراف | و غيل الضراغم لا يستباح |
بهاب الشجاع ولو كبلته | القيود وسدت عليه النواح |
يفوز سوانا بلذاته | و نحرم شربة ماء قراح |
وتمطر أمثالنا عسجدا | و نصفق للبؤس راحا براح |
تعبد للغير سبل السلوك | و نفري على الرجل حزن البطاح |
وتبنى المعاهد الا لنا | كانا خلقنا لغير الفلاح |
وتعطى المعاشات للاغبياء | و منا جبايتها بالسلاح |
نخوض البحار لنيل الرغيف | و يسلب منا بكل ارتياح |
كانا خلقنا لهم مغنما | و ما يجتنى لسوانا مباح |
متى يا زمان نرى العدل منك | و نسعد منك بغض الجماح |
تشوقني العرب وآدابها | و قهوة البن وشرابها |
وقبة ترفع في مهمه | قد وشجت في الأرض أطنابها |
لا يخرس الجرن لديها ولا | تغلق دون الضيف أبوابها |
ترى عتاق الخيل من حولها | مربوطة قطع الفلا دأبها |
والسمر سمر الخط قد صانها | للغارة الشعواء أربابها |
ان أظلم الليل أضاءت لهم | نار تشتد بها طلابها |
لا ينبح الكلب على نازل | فيها ولا تغلب انجابها |
ولا يخاف الجار ضيما بها | ان فر عند الخوف هيابها |
وأسد لم تتخذ موطنا | سوى العلى سمر القنا غابها |
فكنها سرج على سابح | و الكور في الغارة محرابها |
لا تعرف البطء بما تبتغي | و لا تمس الأرض أثوابها |
لا تألف الشبع وجيرانها | جفت بعام الجدب أوطابها |
وترتضي بالقت قوتا إذا | ثارت إلى البطنة أصحابها |
عهدي الحفاظ المر درعا لها | و عفة النفس جلبانها جلبابها |
ما بالها قد أصبحت عرضة | يطرقها الذل وينتابها |
ما بالها قد جانبت رشدها | و امتلأت بالغي أكوابها |
تفرقت شتى كان لم تكن | أخلاقها الغر وآدابها |
بعد سبعين من سني وخمس | أتصابى جهلا بظبية انس |
ذهبت لذة الحياة وقد بدل | حلو النعيم في مر بؤس |
كنت قبل السبعين شيئا فلما | صرت بعد السبعين أنكرت نفسي |
فكان الحياة وهي ربيع | مرض مؤلم يؤول لنكس |
خلني من بني الزمان قديما | و حديثا فليس يومي كامسي |
فاجعل الكوخ موطنا وتخلى | عن جميع الأنام جن وانس |
ما استلانت للغمز مني قناة | لا ولا أضعفت يد الدهر حسي |
أنا من قد علمت صعب قيادي | مستحيل على المناوين مسي |
لو عراني الظما وفي الورد ذل | و امتهان طويت خمسا بخمس |
قل لمن غره من الدهر لين | فبنى ما بنى على غير أس |
خل عنك الغرور بالدهر فالدهر | يعيد الزاهي نموا ليبس |
ثم يهوى بالمرء بعد صعود | من عل واسع إلى ضيق رمس |
فتن في البلاد ضيقت السبل | كان الورى أصيبت بمس |
وعيون الحكام عنها نيام | فكان الحكام من غير حس |
ففتى في الجراح أثخن جورا | و عتوا وآخر وسط حبس |
دولة وسط دولة وعتاة | لضعاف وفتك جنس بجنس |
قد حفظتم حق البلاد وأسلمتم | ثرى أهلها لبلع ولحس |
أ وليست لكم إذا عمها الخير | منكم إذا أصيبت بعكس |
كل راع عن الرعية مسئول | و يأبى صلاحها كل جبس |
وطن عاشت الأجانب في مغناه | و ابتاعت الثمين ببخس |
عيرتني بالبؤس مي وقالت | بائس يائس وغر مغامر |
قلت أغرقت في ملامك نزعا | أنا لو تعلمين يا مي شاعر |
لي نفس سمت إلى الأفق الأعلى | فمن دون شوطها كل طائر |
أدركت كل غامض وتولت | تتوخى سبر النجوم الزواهر |
فهي ملك محجب فوق كرسي | شعور مقرها في الضمائر |
جندها الخمسة اللطاف وعنها | تتلقى الخمس اللطاف الأوامر |
وتقيم اليراع وهو جماد | فوق طرس يخط شهد المحابر |
راسما وحي ذلك الملك الروحي | بالحرف في متون الدفاتر |
وإذا أعوز الزمان لنطق | عند أمر تحار فيه البصائر |
قال للمقول استشط فلقد آن | بان تعتلي صدور المنابر |
عجبت مي من مقالي وقالت | أنا مما سمعت منك بحيرة |
ظاهر مزعج وسمت مشين | حدواني على اقتحام الجريرة |
وثياب رثت عليك ولكن | تحت تلك الثياب نفس كبيرة |
ملئت حكمة فهان عليها | و هي لطف حمل الأمور الخطيرة |
سخرت بالحياة لما رأتها | انها ان تطل ليال قصيرة |
قرأت سفرها فلم تر الا | زجها بعد برهة في حفيرة |
فأرادت بقيا تراث حميد | ترشد الضال شمسه المستنيرة |
هكذا هكذا الحياة وخير الناس | من أبقى من بعد موت ذخيرة |
فإذا عاش عاش في الناس حرا | طيبا ذكره كريم السريرة |
وإذا مات قالت الناس خلفت | تراثا فنم بعين قريرة |
قل لزيد لا تخلها حلوة | هذه الدنيا فبعد الحلو مر |
لا تخل ان الليالي نوم | عنك فالدنيا لها خير وشر |
كم ملوك سوقة صاروا وكم | من عتات قبل أيامك مروا |
عرفتك الناس يا زيد بما | أنت فيه أظهروا أم أسروا |
فتعامى ان بدت بادرة | و تصامم أن يفه بالحق حر |
وامسح الكل بجنبيك وقل | ليس يكون من به في الإبل عر |
مزق القوم وفرقهم تسد | هكذا في عصرنا الأتقى الابر |
لا تخف صولة ذي طول ولا | تختش أمرا فليث القوم هر |
وتحكم فالبرايا غنم | بيد رغما إلى الحتف تجر |
واغتنمها فرصة ميمونة | فهي كالحلم على المرء تمر |
منهم خيرا وعدهم فالمنى | شرك فيه أخو الجهل يفر |
واكنز المال ولو مات الورى | عدما أو شتت العالم ضر |
وانشر الاشباك واصطد ما تشا | قد خلا من لائم بحر وبر |
بوعيد ومواعيد يرى | حول مغناك لهم كر وفر |
لا تهمنك ضوضاؤهم | فعلى الجبن ولو ماتوا استقروا |
فلك النعمى ففز في نيلها | و لنا يا زيد العيش الأمر |
وعلينا حرم القوت ودع | لسوانا ضرع نعماك يدر |
فزمان البؤس لا يبقى ولا | لمليك فوق عرش مستقر |
فكم شاهد الناس من مزعج | يذيب الحشى ويشق الشغف |
وكم أنه بعدها زفرة | و كم لب ذي نجدة قد خطف |
براكين نار تشق الثرى | كزمجرة الراعد المنقصف |
وصوت البنادق من حولنا | تطير له مهجة المرتجف |
ترى الخلق ما بين باك أسى | و آخر يمشي ذليلا أسف |
يصر على الناب من رعبه | و يصفق للهول كفا يكف |
فلا طود الا من الرعب طار | و لا قلب الا لخوف أسف |
فكم ربوة أصبحت وهدة | و كم جبل شاهق قد نسف |
وكم من كريم كرضوى ثباتا | من الرعب خوفا على النفس خف |
ففي البر نشر كيوم النشور | و في الحبر أفعى حتوف تلف |
إذا ابتسمت في ثغور البحور | ترى البر من رعبه يرتجف |
وفي الجو ظلت مناطيدهم | لاتلافنا كتفا في كتف |
وفوق الثرى جيش حتف يسير | يحاكي الجراد إذا ما زحف |
وكم من فؤاد بسهم الردى | غدا وأبيك مكان الهدف |
وكم من همام كريم النجار | غدا لعوادي الضواري علف |
أ يشرب غيري وأبقى ظمي | و أرضي عن الشهد بالعلقم |
وأخضع واليد مكتوفة | و سمهم قد سرى في دمي |
وأخرس والجور ملء البلاد | و لا ماء يمنعني في فمي |
واقعد والذل فينا محيق | و حزمي يقول الا فأقدم |
وأجبن مستسلما للهوان | و لا حق يعطي لمستسلم |
هبوا أنني العير في ذله | أمامكم خشية أرتمي |
وهب أنني أبله قدتموه إلى | الحتف بالرغم قود العمي |
أ لا ترهبون حيال الضعيف إذا | سيم خسفا ولم يرحم |
صببتم عليه مواعيدكم | و قلتم أنست بعز نم |
فلما ظفرتم بما تبتغون | و فزتم بما فيه من أنعم |
نسيتم وقلتم قضى نحبه | و جنز في حلة المحرم |
ودستم على قبره بالنعال | و قلتم أمنا من اللوم |
فلو قام من لحده صارخا | بمن ذا يلوذ ومن يحتمي |
فهبكم ملكتم عليه القياد | و من حيفكم قط لم يسلم |
فهل تملكون عليه اللسان وهل | تحبسون بنات الفم |
هبونا ذبابا فكم للذباب | جروح بناصية الضيغم |
وإن حمل المرء ما لا يطيق | تكلم بالموجع المؤلم |
أ نبقى لكم في مكان الشياة | لنحلب قسرا ولم نطعم |
سناديقكم أفعمت بالنضار | و نحن نموت على درهم |
نكد حفاة عراة الجسوم | لجمع الحبوب ولم نسأم |
وينهكنا الكد في جمعها | بحر الهجير وبذل الدم |
لندخر القوت قبل الهلاك | إلى صبية حوله حوم |
فتسلب منا بسقط المتاع | و لما نراع ولم نرحم |
تعبد للغير سبل السلوك | و فيما رأى الغير لم نحلم |
تحارب منكم أولو الاحتكار | و معظمه لكم ينتمي |
فهل في يد الناس من حاجة | تجر الرغيف إلى معدم |
ولم تجعلوها لكم مغنما | فاقبح بذلك من مغنم |
أقمتم على سبل الارتزاق | رجالا على الحيف لم تندم |
وقلتم لهم ضيقوا سبلهم | و سوقوا البريء مع المجرم |
فافعمتم بالرجال السجون | و حملتموهم على الأدهم |
مصائب شتى إذا عددت | يضيق لايسرها مرقمي |
محاسيبكم وهم الجاهلون | رقت للسماء بلا سلم |
وأهل الكفاءة في عهدكم | كميم لدى أفلح أعلم |
يوزع بينكم حقنا | و لم نتحرك ولم نبغم |
أغركم نومنا برهة | و منا المهاب الابي الحمي |
فاغرقتم النزع لا تأبهون | بشعب على العسف لم يقدم |
خذوا حذركم من إله السماء | و سيروا على السنن الأقوم |
فكم من ملوك مضت قبلكم | و من دهشة الموت لم تسلم |
فأين الفراعنة الأقدمون | و أين عتاة بني جرهم |
استطبتم مهادكم والفقير | على الجمر أعضاؤه ترتمي |
وعمرتم دوركم والبلاد | خراب بعهدكم المظلم |
مصائبنا أنتم لا الزمان | و عن قوسكم (عامل) قد رمي |
فأين الوعود بجر المياه | و نص قراركم المحكم |
أعدل أم أنتم أسرة | بواقعة الحال لم تعلم |
أ ترى الدهر بعد طول عبوسه | و ازدياد العنا وشدة بؤسه |
يمنح الشعب فرصة توصل الشعب | لرفع الثقيل من كابوسه |
أنا فرع من دوح لبنان ذي الارز | و نفسي معدودة من نفوسه |
أ تلظى لما به من عناء | و شقاء قضى بخفض رؤوسه |
أرسل الدمع كالشرار مذابا | بين آساده الحماة وشوسه |
إيه لبنان آن أن تعرف الدهر | و تصغي إلى بليغ دروسه |
وطني (عامل) وقد عشت دهري | تحت أقمار أفقه وشموسه |
فسعودي منه إذا رمت سعدا | و نحوسي ماخوذة عن نحوسه |
كيف أرضى بان أراه شقيا | و لبوس الارهاق بعض لبوسه |
كلما نال واحد منه فلسا | ضمه ظالم لداخل كيسه |
وإذا رام شربة الماء منه | رافع الرأس جد في تنكيسه |
وإذا ما بكي الزراعة يوما | صر غيظا على متين ضروسه |
وإذا ما شكا المظالم في السر | تلقى الأنباء عن جاسوسه |
(عامل) مات تحت نير من الجور | و لكن مازج في ناووسه |
فيه مثل ما استطعت يا دهر | فالتمثيل أحرى باتنه وتيوسه |
خشب أهله المساكين والخشب | الملقى دماره من سوسه |
أي شعب أعمى يقاد إلى الحتف | بحبل يبتاعه بفلوسه |
كل شعب في الأرض لو كان يدري | موت مرءوسه بنوم رئيسه |
ما استفاد الحزين (عامل) نجحا | لا بمرئية ولا محسوسه |
بل بسيل من المواعيد ينهال | على جرحه الذي لم يوسه |
أ ترى النائب الكريم بلبنان | يفي بالوعود بعد جلوسه |
أم تراه ينسى ولا بدع فالنسيان | للآدمي بعض طقوسه |
سكرة الحكم شد ما جربوها | تشغل المرء عن فراش عروسه |
لا يصدق السيف ما لم تصدق الهمم | فالسيف يصدأ والخطي ينحطم |
وفي شبي العزم عن حد الشبى عوض | إن فارقت كفك الصمصامة الخذم |
فما الشجاعة سيف أنت حامله | و لا قناة ولا درع ولا علم |
بل الشجاعة أقدام يشيعه | حزم تطير به الهامات والقمم |
من لي بذي نجدة في ثوبه بطل | في نفسه شيم في أنفه شمم |
لا يرتضي الذل في حل ومرتحل | و لا تزل له في موطا قدم |
متى أرى ببلاد الشرق مجتمعا | للعلم عن ثغره بالبشر يبتسم |
متى أرى ألفة في أهله ويدا | للحب تجمعهم من بعد ما اقتسموا |
يا شرق حسبك جهل قد أقمت به | أفق ودونك ما ابتزوا وما ظلموا |
فهم كذئبان غاب يوم مسغبة | و نحن بينهم المعزاء والغنم |
سلوا على العرب سيفا من عداوتهم | فما قضى العرب حتى قوض العجم |
هل وثبة في ظهور الخيل مرجعة | من مجدنا اليوم ما اغتالوا أو ما التهموا |
أم هل ترى ترجع الأيام من يدهم | من حقنا اليوم ما ابتزوا وما غنموا |
حيث رباك نسمات السحر | يا ملعبي عند زمان الصغر |
أيام كنا والقضا طوعنا | نلهو مع الغيد بلعب الأكر |
حلواؤنا (البلوط) أنعم به | و وكننا تحت ظلال الشجر |
ومهدنا الممتاز أرجوحة | نغدو عليها بين كر وفر |
ودستنا (الدمنة) من فوقها | نار غدت تقدحنا بالشرر |
ووردنا (الاجران) عند الظما | بالقش نمتص بقايا المطر |
ونقلنا (الشبرق) أنعم به | من طيب الخبر كريم الخبر |
وصيدنا (الكماة) من منبت | سمده السيل برجع البقر |
وخيلنا العيدان نفري بها | عرض الفلا في وردنا والصدر |
بارودها ناعم ترب الفلا | يا شد ما أعمى صحيح البصر |
ندير طاحونا بلا آلة | و لا مياه جبلت في مجر |
ولا بناء محكم سمكه | نفنى به المال ونكدى البشر |
وبندقيات الصبا شوكة | نقدحها بالعود لا بالمفر |
ولا فراش وسطه قطبه | في رأسه فاس لجر الحجر |
ولا (شنقنا الدلو) من فوقه | بحبلة من قنب أو شعر |
بل فوهة نفتحها عنوة | بعودة اللعب بأعلى الحفر |
في الصيف نجثو حولها ركعا | و ناعم الترب علينا يذر |
وفي الدجى (بونا) لنا لعبة | من مغرب الشمس لوقت السحر |
وإن أتى وقت زمان الشتا | و رطب الأرض مسيل المطر |
يشغلنا (المنطاع) في ضربه | فزمر تلهو به مع زمر |
(و الدوش) في الصحو وعند الشتا | و تكتسي الأرض بأسنا الحبر |
نفتر في الحقل بلا زاجر | نستنشق العرف ونجني الزهر |
فمن أقاح كثغور الدمى | عليه في الشكل الجمال اقتصر |
ونرجس عنه عيون الظبا | ازدانت بما زينها من صور |
وأرجوان كشفاه ألمها | و زنبق يذهب عنك الكدر |
وعنبر تصبيك أنفاسه | إذا عدا الريح عليه ومر |
وبعد ما تذوي زهور الربى | و تحسد البدو مقر الحضر |
نهاجم العصفور في عشه | فما لفرخ دوننا من وزر |
فلم نزل نلهو بهذا وذا | نشوي العصافير ونجني الثمر |
حتى تزين التين أوراقه | و يبصر (العجر) صحيح البصر |
نعلو عليه نجتني (عجره) | و في حليب التين بعض الضرر |
فاه ما أحلى أويقاته | فليتما العيش عليه اقتصر |
مضى ولم نشعر به وانقضى | بالأطيبين من هنا أو خفر |
مضى وأبقانا نقاسي العنا | رهن الرزايا والقضا والقدر |
نحمل أعباء على كاهل | وا حسرتا أدماه فرط الدبر |
كم أبصرت أعيننا بعده | من عبر في العيش تتلو عبر |
نجاذب النملة أقواتها | و ندأب الكد ببرد وحر |
فعيلة تجهد منا القوى | و تحمل الأثقال بحرا وبر |
كي لا نراها تشتكي حاجة | و وجهها خوف الزمان اكفهر |
والطفل من أبنائنا إن بكى | يقتلنا عليه فرط الحذر |
وبيضاء لم تبلغ سوى قيد إصبع | من الطول لكن قد أطالت تسهدي |
تعشقها دهري فلم أر راحة | و لم يك عنها الصبر يوما بمقعدي |
هوى قد دعا جسمي نحيلا كجسمها | و أوردني من أجلها شر مورد |
مضى نصف قرن وهي عندي وحيدة | و مسكنها جيبي وملعبها يدي |
وكانت بحجم الرمل أو هي دونه | و لون كما شاء الإله مورد |
فأودعتها بطن الثرى وسقيتها | مياه الحيا عند المساء وفي الغد |
فما زال يهتز الثرى وهي تحته | و يربو، وأرياح تروح وتغتدي |
إلى أن بدت للعين في ميعة الصبا | على ظهره تزهو بلون زبرجدي |
ولما اكتست أسنى الغلائل وازدهت | بتاج من الدر النقي المنضد |
علاها اصفرار كاصفراري وبدلت | ملابسها الخضرا بألوان عسجد |
فجردتها منها وأحكمت صنعها | باسلاك قد نيطت بسهم محدد |
وحولتها للريح والشمس فانزوى | إلى اليبس منها ذلك الناعم الندي |
وسلمتها بعد الجفاف لزاجر | له سطوة البازي وحد المهند |
فقام إليها وانحنى فوق جسمها | بسيف على حز الرقاب معود |
وقمت بست من بناني لشدها | ببرد رقيق الجسم يحكي تجلدي |
بأبيض لم تجبر على غزله يد | و لا نسجته كف شيخ وأمرد |
ولست مجوسيا ودنت بحرقها | فاضرمتها في راحتي عن تعمد |
لتانس نفسي في لذيذ دخانها | كما أنست عيني وفي لمسها يدي |
سيجمعنا الحشر الذي هو جامع | و تنصفنا عن يومنا وقفة الغد |
وأشكو، وتشكو، والحوادث جمة | و كل على عذر يروح ويغتدي |
تقول: لقد أودعتني الحتف ظالما | بصنعك فارضخ للعذاب المؤبد |
فقلت لها: كم علة قد لقيتها | بانفاسك الحرى فقري أو اجحدي |
سعالي، ضعفي، ضيق صدري، رعشتي | خفوق فؤادي، طول ليلي، |
فقالت: من الجاني على نفسه فقل | فأنت لي المردي بلا شك والردي |
إذا جن ليلي ضاجعتني ضئيلة | من الهم في جنبي يعلق نابها |
أراشت هموم الدهر نحوي سهامها | و قد عز أن يمضي سليما مصابها |
فيا لك من قلب غريق بوجده | و يا لك من نفس سريع ذهابها |
وما زالت الأيام تجري بعكس ما | أرجيه والأيام تجري بعكس ما |
أرجيه والأيام صعب غلابها | فما مزجت إلا بريق مواردي |
وللغير يصفو وردها وشرابها | أ أصبح فيها طعاما وقد انطوت |
على غير ما تبدي إلى عيابها | أعاتبها والذنب لا شك ذنبها |
وما أن عسى يجدي علي عتابها | و إني لحرب لليالي ولو غدا |
أيها المقيم رهن سباته | قم فناج الأثير عن مغمراته |
قد سبرت الفضاء سبرا دقيقا | و كشفت الدفين من غامضاته |
ثم أبرزتها على الأرض نورا | يستنير الظلام في لامعاته |
معجزا كنت في صنيعك حقا | بهر العالمين في آياته |
مرحبا زرت مسقط الرأس لكن | زورة أغرقته في عبراته |
كنت للشرق خير ما يرتجي الشرق | فسرت الخطير من نكباته |
عمرت بايكة ومعلف | و ربطت طاروسا مكلف |
ثم اكتريت أجيرة | غراء كالغصن المهفهف |
يا ظالمي كلفتني | فوق العنا باهم مصرف |
عودا شريت وسكة | و كذلك يفعل من تطرف |
وأمض من هذا وذا | نير به حنجول كتف |
وبشرعة من وعدكم | حيكتها قد رحت ارسف |
ليت الزناق يشد في | عنق الذي فيكم تعرف |
و... البيور غاب | و زج مساس مشفشف |
وإذا وضعت العود اجمعه | فاني غير مسرف |
هذا جزائي إذ ركنت | لموعد منكم مسوف |
لو كنت قبلا لم تعد | ضنا لكان الضن أشرف |
وأظن أنك لا تفي | حتى يكون الثور خلف |
قسما بمجدك حلفة | و بغير مجدك لست أحلف |
إن عاد مرسالي ولم | يأت بثوركم المزلف |
واليت دين منيرة | و عصيت من لاحى وعنف |
ونحوت حيث نحت لعلمي | أنها أوفى وأرأف |
قف بالديار وحي الأربع الفيحا | و استنشق ألبان والقيصوم والشيحا |
وأعقل ركابك في اطلال (مجدله) | فلي بها أوجه تحكي المصابيحا |
ما إن تذكرتهم إلا بكيت دما | و ازددت من أجلهم هما وتبريحا |
الموت أهون عندي من فراقهم | لو أستطيع لهذي النفس تسريحا |
يا نازلين محاني (مجدل) ذهبت | بالجسم أدواؤه فابقوا لنا الروحا |
أهتز مرتعشا إن مر ذكركم | لكنما كارتعاش الطير مذبوحا |
دخلت إلى الغرفة الرابعة | و عيني من أسف دامعة |
دخلت لها صبح يوم الخميس | و وردي بها سورة الواقعة |
ولما دخلت لها قطبت | كتقطيب زنجية جائعة |
وقالت وقد هالها موقفي | و باتت تخاطبني جازعه |
أراك دخلت بلا قائد | فأين قيودك والجامعة |
فقلت لها عمتي وحدها | من القيد في أرجلي مانعه |
فقالت بعرضي وديني معا | يمينا وبالذمة الواسعة |
بان الحكومة يا ويلتاه | مدى الدهر طاساتها ضائعة |
فقلت لها ليس فوق الذي | أعانيه من نكبة واقعة |
حرمت النسيم ورؤيا النجوم | و أنوار شمس الضحى الساطعة |
فلا فرق ما بين أهل القبور | سوى نفس دائر في الصدور |
وآذان أشباحنا السامعة | و عين ترى كل ما لا تحب |
وأوجه خوف الأذى خاشعة | و نار تصعد من أنفس |
من ألهم ظمانة جائعة | خطوب يبيدهم وقعها |
الناس ما بين سمار وعشار | يا للفضيحة عند الناس والباري |
مدوا حبائلهم في كل ناحية | كأنما أرسلت عن كف سحار |
وأضرموا بالقرى نارا مسعرة | فأهلكت في البرايا كل ديار |
إذا أتى زمن التعشير خلتهم | قطاط مسغبة حنت إلى فار |
ترى كبيرهم يسعى بهمته | على الكفالة من دار إلى دار |
لا در در أناس كلما نظروا | لبصقة حسبوها وجه دينار |
فقل لهم لا أقال الله عثرتهم | أهل لكم عند أهل الأرض من ثار |
كفوا يديكم فقد صارت بلادكم | بصنعكم بين طبال وزمار |
للقوت نسعى وأنتم في مضاجعكم | ما بين ناه بلا حق وأمار |
حتى إذا قبضت كف امرئ فلسا | أخرجتموه من الأيدي بمعصار |
أكلنا تين وعدك وهو فج | فاذانا وطول الوعد يؤذي |
وحين وعدتنا فيه مساء | تحققنا بانك كنت تهذي |
لقد أقذيت أعيننا انتظارا | و طول الانتظار-وقيت-يقذي |
وحقك قبل وعدك ما علمنا | بان الوعد يؤكل أو يغذي |
فلما جدت فيه لنا مساء | ظفرنا منك بالزاد الألذ |
يا معيني وناصري ومجيري | و ثمالي في كل أمر عسير |
وحساما أعددته لخطوب | مفعمات كمثل |
ذاكر أنت أم نسيت زمانا | ذو اغتيال يشيب رأس الصغير |
يوم رحنا كان عيسى خبيرا | بالقضايا أم عالما بالأمور |
أم باطلالكم أقام فرحنا | و لنا كان صاحبا في المسير |
أم ترى أنت يا علي بمكر | و غرور كمنته في الثغور |
ثم علمته مكايد غدر | لم يكن قبلها يرى بخير |
أنت أرشدته إلى كسر رجلي | و لتلك الآلام والتجبير |
ليت شعري وما أسات إليكم | خبروني فان هذا سروري |
أ على مالكم سطوت فقولوا | أم قتلنا لكم رعاة الحمير |
أنت يا ظالمي على غير جرم | و موازي عيسى بشيء خطير |
كيف كلفته هلاكي وحسبي | منك نومي خديعة في السرير |
بل وما جئته من الارز واللحم | دليل ما شك فيه ضميري |
انك الفاعل المسيء إلينا | لم يكن منك مثل ذا بكثير |
من معيني وناصري ومجيري | من دعاة الخنى وأهل الفجور |
وكلام قد زورته أناس | فاغتدى سامعا عديم الشعور |
كامين فلا نسيت أمينا | يوم وفي وافى بقاصمات الظهور |
وأتى نازلا علينا وعيسى | خلفه ساعيا كليث هصور |
وهو مذ حل حينا حل فيه الشؤم | حتى أعاقني عن فطوري |
طمعا منه في مبيع مكينا | نبذتها تجار صيدا وصور |
أظهر الزهد في الطريق رياء | و الريا قد يجر للتدمير |
علم الله فيه سوء نواياه | فأوحى لمنكر ونكير |
إن أقيما على طريق أمين | فاجعلاه من بعض أهل القبور |
جفلا فيه مهره واتركاه | فوق أرضي يجره في الشعير |
لك فيمن مضى التأسي فصبرا | فعسى أن تنال أجر الصبور |
فيزيد من قبل نال الذي نلت | و لكن ولى النار السعير |
ولاجل العذاب أبقاك حيا | و لكسر الأعضاء والتجبير |
فاذكر السطل يا أمين وحمل الصحن | مني وقلة التطهير |
وتذكر مجبرا لك يدعى | علم الكار في عراج الحمير |
وتذكر موسى وحمل عصاه | و ذهابي بأحمد ومسيري |
واغتصابي كريمة القوم قسرا | ضاربا حول دارهم بالنفير |
ومجيئي بالمصطفى وأخيه | و ابن شومان طلعا كالبدور |
بوجت خمسين بوجا في رحابكم | للنصب والنصب عندي أكبر الفلج |
وقد غرست بها ما شئت من شجر | فأثمرت جببا سوداء كالسبج |
ومذ رأى أهل بيتي النصب ذا ثمر | سعى ليغنم مما فيه كل عجي |
فمنهم طالب للخام مجتهد | من شدة البرد حتى ما يطيق يجي |
ورب طالبة للشيث تحسبها | أم النبي بن نون صاحب الحجج |
لما رأت نصبنا الميمون ذا ثمر | راحت تحاكي طيور الايك في الهزج |
وزلغطت أمهم في البيت قائلة | أهلا بمخزننا المملوء بالبقج |
يا قرة العين نحوا عنكم خرقا | عيسى حبانا بها في سالف الحجج |
فقد أتاكم علي بن الأمين بما | تبغون من كسوة في وجه مبتهج |
ومذ رأى فقهاء السوء كسوتنا | جديدة أقبلوا بالاوجه السمج |
وقال قائلهم من أين جئت به | يا بن المذلق هل للرزق من درج |
وإذ رأوني بنعمى لا نظير لها | ماتوا جميعا بداء الغيظ والسحج |
ودفنهم في غد بعد العصير ضحى | فمن يرد منكم أجر الحضور يجي |
ثمن القريض بلا نزاع | عن كل بيت نصف صاع |
والشعر لست أبيعه | دينا وإن قل انتفاعي |
لو لا احتياجي للطحين | لما مددت إليك باعي |
فارات بيتي أصبحت | من جوعها أبدا سواعي |
واستاسد السنور في | بيت وقد خليت قصاعي |
والجوع داع للسؤال | و منعكم في غير داع |
وعلي جمعت الهموم | و قد عجزت عن الجماع |
مرنا بإحضار الحمارة | و الجوالقة الوساع |
وإذا أبيت تركتنا | باذل من فقع بقاع |
إلى كم بسلمى أنت ولهان هائم | تهيجك أطلال لها ومعالم |
إذا ما الصبا هبت تهيم صبابة | و تبدي الجوى ما أن تغنت حمائم |
فهب دارها أضحت لديك قريبة | فمن دونها أسد حماة ضراغم |
وهب ورد خديها زها منك منظرا | فمن دونه في المقلتين صوارم |
وهب أن مسك الخال فاح أريجه | أ ليس حمته بالشعور أراقم |
أيا قاتل الله الغرام فكم له | كئوس بها للوافدين علاقم |
أجل لي دين بالغرام ومذهب | أطارد فرسان الهوى وأصارم |
فكم ليلة فيها خلوت بشادن | لطيف التثني أدعج الطرف ناعم |
يغني بألحان البلابل تارة | و طورا يعاطيني الطلا وينادم |
روى لي عن ماء العذيب رضابه | و ترويه عن وادي العقيق المباسم |
خلوت به والنجم مال مجانحا | إلى غربه والليل أسود فاحم |
خلونا فلم نحفل بواش مفند | و فيه رقيبي هاجع الطرف نائم |
هتكت به ستر الهوى وقناعه | و ذعت من الأسرار ما هو كاتم |
وأدنيته من مهجة هي كنه | و قد وسدته من يدي المعاصم |
وقد أضرمت في مهجتي نار خده | فناديت يا هذا أما أنت راحم |
وبتنا على فرش الهنا نجتني المنى | إلى أن بدت للصبح منه علائم |
وضاء كما ضاءت ماثر جهبذ | له الفضل والعلياء عبد وخادم |
نعم لعلي المجد والحلم والندى | و حسن السجايا والعلى والمكارم |
وفتى قد بنى بيتا من المجد والحجى | له في ذرى هام السماك دعائم |
تقلد أحكام الورى حيث لم يكن | سواه باحكام الرئاسة عالم |
فلم يرض الا منهج الحق منهجا | و لم يخط حكما ما به الله حاكم |
لو أن سجاياه عرضن لآدم | لسر بما فيه من الفضل آدم |
بجدك لم أخطئ إذا قلت أنه | لأكرم من نيطت عليه التمائم |
ففي حلمه مع فضله وسخائه | غدا دونه كسرى وقيس وحاتم |
وإن سل سهما من كنانة فكره | تجندل شجعان الوغى والقماقم |
يحاكم بالحق المبين كأنه | لعمري باحكام البواطن عالم |
الا أيها المقدام والحجة الذي | بامر اله العرش للدين قائم |
أقر التقى فينا بحيث مقركم | و قد زحزحت عنا العنا والمآتم |
فأنت من القوم الذين لفضلهم | لقد خضعت هام العلى والسنائم |
ومن قد زكت أحسابهم وأصولهم | و أفضل من قد توجتهم عمائم |
لعمري لقد أحيوا من الفضل ميته | و ما منهم الا شجاع وعالم |
أ تغني وتقني كاشحا ومواليا | كأنك أرزاق البرية قاسم |
وانك أركان الفضائل قائم | و انك أركان الضلالة هادم |
وأنك من في يمنه يمطر الحيا | و من راحتيه للوفود مغانم |
ومن لفظه للظامئين جداول | و من كفه للساغبين مطاعم |
فدعم في صفا عيش رغيد مؤيد | مدى الدهر ما غنت بايك حمائم |
في أي شرع يحسن الهجر | و هل لديكم في الجفاء عذر |
وصلا فلا صبرا ولا سلوة | فالصبر عنكم طعمه الصبر |
أشمتم الأعداء في واجد | لم يلوه عن حبكم زجر |
زعمتم ملنا إلى غيركم | هيهات لا زيد ولا عمرو |
وقلتم انا غدرنا بكم | إن الغواني شأنها الغدر |
كم ليلة والوعد يغري بنا | سهرتها حتى بدا الفجر |
ويوم زجي العيس أبغي اللقا | عدت وكفي منكم صفر |
حسبكم ما قد مضى من جفا | ففي هواكم قد مضى العمر |
ليهنكم برد باحشائكم | و في فؤادي أضرم الجمر |
ويا بنفسي أفتدي ظبية | عن وصلها لا يحمد الصبر |
طيبة الأردان لكنها | ما شابها ند ولا عطر |
مررت يوما وهي في عيدها | و من دمي أنملها حمر |
فقلت ما شانك قالت لنا | في كل عام للهنا شهر |
ولفت الصبح بنشر الدجى | عمدا فلذ اللف والنشر |
وأرسلت سرا لجاراتها | هيا فقد ساعدنا الدهر |
ثم مشت تهتز من دلها | كأنما مازجها السكر |
وجست العود وغنت لنا | اليوم لا اثم ولا وزر |
العيد لا الأضحى ولا الفطر | بقاء مولى بغضه الكفر |
خير الورى طرا وأنداهم | كفا إذا ما أقلع القطر |
مولى له منزلة في العلا | من دونها العيوق والنسر |
محمد من بسنا هديه | و رشده قد أشرق القطر |
وصنوه علة إيجادها | و من به شد له الأزر |
له المعالي الغر تنمى وما | لغيره من كفها ظفر |
كم رامها والعجز يحدو به | من سودته البيض والصفر |
فنال منها العجز في سعيه | و ما له الغارب والصدر |
كم قلت للساعي لإدراكها | و قد علاه التيه والكبر |
اربع على ظلعك لا تقتحم | هذي لعمري مسلك وعر |
تأتي بغاث الطير مهما علت | مسفه أن حلق النسر |
إن عليا وهو في مهده | أدركها فليشهد المصر |
بنى على ما أسسته له | من العلا آباؤه الغر |
وللعلى البشرى بمن نالها | و للورى في مجده الفخر |
إن قلت علما قلت في صدره | يا سائلي قد طوي البحر |
أو قلت هديا قلت عن وجهه | قد استمد الشمس والبدر |
والديمة الوطفاء يوم الندى | تخجلها أنمله العشر |
فالعروة الوثقى وغوث الورى | و الهدي اما اشتبه الأمر |
ذاتك يا من دونه في العلا | هام السهى والأنجم الزهر |
أنت قوام الدين بل ركنه | و في يديك النفع والضر |
وليهنك العيد فعيد الورى | بقاك ممتدا لك العمر |
وبورك الصوم الذي صمته | يا عزنا وليجزل الأجر |
ودمت في ثوب العلى رافلا | ما لاح في أفق السما بدر |
شيئان قد جلبا إلي حمامي | دل الحبيب وألسن اللوام |
وجوى لبين الظاعنين أقمته | في القلب أوقفني على الاعدام |
اني أصيخ لعاذل سمعا وقد | مزج الهوى بمفاصلي وعظامي |
يا ظبي وجرة لي إليك لبانة | أن لا تميل لحاسد نمام |
أ تبيت ريان الجفون من الكرى | و أبيت محجورا علي منامي |
واما ووفرتك التي بظلامها | طبعت على ظلمي مع الأيام |
وبياض صبح في الجبين ومقلة | باللحظ تسكرني بغير مدام |
وبقوس حاجبك الذي أقصدتني | بالرمي عنه فلا عدمت الرامي |
والقاتلات وهن هدب جفونه | اللاعبات بكل حد حسام |
وأسيل خد كالوذيلة ناعم | فيه اغتدى ماء الشبيبة نامي |
ونضيد در في الثغور منظم | سكنت فرائده غدير مدام |
ما كنت أرغب في القريض وصوغه | لو لا مدائح حجة الإسلام |
أعني أبا عبد الحسين ومن له | في دارة الشرف المقام السامي |
كشاف داجية الخطوب بفكرة | رفع النقاب بها عن الأحكام |
علم تلوذ المعتفون ببابه | مثل الطيور بامنع الآجام |
المرتقي بالجد في طلب العلا | و المجد أرفع غارب وسنام |
لو شام في نهر المجرة مطلبا | لعلا عليه باخمص الاقدام |
نور الهداية من أسرة وجهه | باد يضيء على مدى الأيام |
قل ما تشا فيه فحسبك أنه | خير البرية عصمة الأيتام |
لو رام أن يقفو علاه سميدع | لانصاع وهو منكس الاعلام |
عثرت مطيته به فكبا على | أنف تعوده على الإرغام |
ومذ امتطى هام الأثير بمجده | راموا اللحوق به على الاقدام |
فبهديه نلنا الهدى وبجدة | الرحمن أوجدنا من الاعدام |
لك يا وحيد بني الزمان ماثر | غزر تضيء بجبهة الأيام |
قسما بمجدك وهي أعظم حلفة | ما صغت الا في علاك نظامي |
يا نخبة الحيين هاشم والعلى | و أجل متبع وخير امام |
هلا عطفت وتلك منك سجية | بالعود قبل تهالك الأنام |
لو تستطيع سعت إليك كما سعى | خوف المنية للورود الظامي |
أو أن للأرض المسير لقادها | شوق يطير بها لخير همام |
ولانت فيها يا عميد بني الورى | كالشمس تكشف كل جنح ظلام |
وإذا سقاها در لفظك أعضبت | لو أن أرضا أعشبت بكلام |
قارنت بالتوفيق شمسا لم تزل | باليمن طالعة مدى الأيام |
ولو أنها حاشا لها لي مثلت | جسما أراه بعالم الأوهام |
لجعلت في سامي جميل صفاتها | نظمي مدى عمري بغير ختام |
لكنها حجبت وصين مقامها | عن أن تنال ولو بطيف منام |
وإلى خطير مقامك السامي سعت | عذراء تخرس ألسن النظام |
غيداء حالية بمدحك لم تزل | بالبشر تهتف مدة الأعوام |
يهني علاك زفافك السامي الذي | رحنا به سكرى بغير مدام |
وأسلم على الأيام هضبة عزها | و أهنأ بعيد منك أبلج سامي |
ما لاح بدر في السماء وكوكب | أو غردت في الايك ورق حمام |
ليالي وصل ما يرجى ايابها | و ساعات أنس قد شجاني ذهابها |
ودهر تقضى بين أرام رامة | له سهرت عيني وطال انتحابها |
إذا جن ليلي ضاجعتني ضئيلة | من الهم في جنبي يعلق نابها |
اراشت هموم الدهر نحوي سهامها | و قد عز أن يمضي سليما مصابها |
فيا لك من قلب غريق بوجده | و يا لك من نفس سريع ذهابها |
ولا زالت الأيام تجري بعكس ما | أرجيه والأيام صعب غلابها |
فما مزجت الا بريق مواردي | و للغير يصفو وردها وشرابها |
أ أصبح فيها طامعا وقد انطوت | على غير ما تبدي إلي عيابها |
أعاتبها والذنب لا شك ذنبها | و ما أن عسى يجدي علي عتابها |
فعتبى على الأيام ليس بناقع | غليلي ولا يطفي أوامي سرابها |
أبت جامحات الدهر تعطي شكيمها | لمثلي وقد ذلت لغيري صعابها |
فما الطائر المقصوص منه جناحه | و لا ذات أفراخ شجاها ذهابها |
ولا النازح المجنوب عن دار أهله | و قد ضر فيه نايها واغترابها |
ولا ذات ألف بان عنها فأصبحت | بقفراء تعوي في فلاها ذئابها |
بأوجع مني يوم شالت حمولها | و زمت على عنف لنجد ركابها |
واني لحرب لليالي ولو غدا | لعاب الافاعي القاتلات لعابها |
ولا أنا من يعطي قيادا لغيرها | و لا من يرجيها ولا من يهابها |
وكيف أخاف الحادثات ومنزلي | بساحة عز لا يضام جنابها |
لقد وشجت أعراقها أبعد الثرى | و نيطت على هام الثريا قبابها |
تسير إليها اليعملات كأنما | بإيمانها أرسانها ورقابها |
يعب بها بحر من العلم زاخر | و يمطر في ماء الحياة سحابها |
كان قلوب الخلق نحو رحابها | فراش على نار يضيء شهابها |
ولا عجب إذ حل فيها محمد | إذا ما شات فخرا وطاب ترابها |
فتى هاشم بل غوثها وعمادها | و موئلها بل حصنها وحجابها |
تربى بحجر المجد طفلا وللعلى | تعرض فانقادت اليه صعابها |
ومن لرسول الله نبعة أصله | يفوق على رغم الاعادي انتسابها |
فلا عجب اما سما الناس مفخرا | و دانت اليه شيبها وشبابها |
تحمل أعباء الرئاسة مفردا | فخفت له أعلامها وهضابها |
عليه مدار العلم والحلم والحجا | و ما من علا الا اليه مآبها |
به يهتدي الأنام أن ضل قصدها | و في يده تخليصها وعقابها |
وانك يا خير الأنام مدينة العلوم | و هذا صنوك الفذ بابها |
عنيت أخا العليا عليا ومن غدت | مناقبه يعيي البرايا حسابها |
فأخلاقه أعراقه فيض كفه | رياض كرام عم جودا سحابها |
له الحجة البيضاء في كل مشهد | على أهله حيث العلى وانتسابها |
فلا زال والأعياد تمضي بنعمة | و علياه فوق النجم تعلو قبابها |
ولا زلتم آل الأمين بنعمة | و أبحر علياكم يعب عبابها |
يا غزال الرمل من وادي الأراك | جد على مضنى الحشا بالنظر |
وتعطف فالذي مر كفاك | من صدودي يا شقيق القمر |
صرت من هجرك ذو جسم نحيل | حرقى زادي ودمعي مشربي |
مستهاما لا أرى عنك بديل | و أرى الفوز بنيل الارب |
واجدا اقنع بالنزر القليل | و التسلي لم يكن من مذهبي |
فارفع الحجب عسى عيني تراك | لا تدعها عرضة للخطر |
بالذي في حلل الحسن كساك | جد به قبل انقضاء العمر |
رق لي الشامت يا قاسي الفؤاد | و رثى وجدا لحالي وبكا |
إن تكن ملت لهجري والبعاد | فإلى الله تعالى المشتكى |
عد لو صلى وامنح الطرف الرقاد | يا ظلوما لدمي قد سفكا |
فالحشى أصبح في أسر هواك | ليت قلبي الهوى لم يؤسر |
وأنا أصبحت عبدا لعلاك | فاحتكم ما شئت لي وائتمر |
ان تشا قتلي فالامر إليك | أنا راض بالذي ترضى به |
أو ترى العفو فامري في يديك | لست في أمرك بالمشتبه |
قسما بالمصطلى من وجنتيك | و بنون الصدغ مع عقربه |
وبدر الثغر والشهد لماك | و بجيد مثل جيد الجؤذر |
انني ما ملت يوما لسواك | أو تراني عبرة المعتبر |
كلما حاولت هجرا صدني | قلق فيك ووجد متلف |
وفؤاد من قديم الزمن | بسوى حبك لا يتصف |
وتباريح أسى في بدني | مدة الأيام لا تنصرف |
وشحوب قد علاني من نواك | صرت منه في أشد الخطر |
ليت شعري من إلى الهجر دعاك | فلقد جئت بامر منكر |
قال لي وهو على النطق ضنين | و به عني أبا أي أبا |
لا ومن خص علي بن الأمين | بمزايا أعجزت من طلبا |
وبنور من سناه يستبين | لبني الأيام انى ذهبا |
وبمجد فيه قد طال السماك | و سما فخرا على المفتخر |
لست أهوى ساعة أني أراك | فاطل من عذلي أولا فأقصر |
قلت حسبي بأبي عبد الحسين | عن بني الدهر مدى الدهر غنى |
ذاك مولى حبه في النشأتين | جنة للخلق ان خطب عنا |
لو جنى الجاني ذنوب الثقلين | و تولاه لما نال العنا |
فهو للدين وللدنيا المساك | و معاديه غدا في سقر |
فتمسك فيه ان خطب عراك | فهو امن لك يوم المحشر |
بحر علم ما له من ساحل | قف عليه فيه سفن للنجاة |
عصمة الخلق أمان النازل | مقتداه غوثه عين الحياة |
شمس رشد بزغت في عامل | فسرى النور إلى كل الجهات |
وإذا ما جئته يوما حباك | نعما تثريك عند العسر |
وإذا ما صيب الغيث عداك | قام في الأرض مقام المطر |
علم لا ترتقي الطير ذراه | طاهر الجيب أشم المعطس |
وإذا ما جئته يوما تراه | هو من يعنى بروح القدس |
قل لمن يسال يوما عن علاه | هذه آثاره فاقتبس |
ان تقل غالى بما قال فذاك | مرجع الكل ملاذ البشر |
أو تلمني قلت فض الله فاك | ما لعياه أرى من منكر |
أين عنه في الهدى شمس الضحى | في دجى ليل الخطوب الأليل |
ما ترى الكون به قد أصبحا | باسما عن ثغره في جذل |
وذوو الحاجات تمشي مرحا | زامرا مذ قدم الحبر علي |
فهو اما فادح الخطب دهاك | و تمسكت به لم تعثر |
دام للدين وللدنيا المساك | ما شدا الطائر فوق الشجر |
سرى طيف من أهوى سحيرا وودعا | فاقلع صبري والاسى حين أقلعا |
أقام قليلا خيفة من رقيبه | و سار وقلبي اثر مسراه أزمعا |
له الله من طيف سرى فاستفزني | و حرم طرفي في الكرى أن يمتعا |
فقلت له والركب سكرى من الكرى | أعد مضجعي علي أراك فاسرعا |
وقلت لعيني عاودي النوم عله | يعود فاشفي فيه قلبا تصدعا |
فمالت إلى العصيان عيني وأرسلت | دموعا تعيد الربع في الجدب ممرعا |
فيا طيف ما أعصاك للعين في الكرى | و يا طرف ما أسخاك في الحب أدمعا |
عذرتك من طيف أصابك بعض ما | أصات الحشى إذ صار للوجد مجمعا |
فيا عاذلي كن عاذري يوم بينهم | إذا مت وجدا أو فؤادي تقطعا |
ويا هاجري من غير ذنب جنيته | دع الهجر ما أبقيت في القوس منزعا |
إذا جنني ليلي بكيت صبابة | و أقسم طرفي أن ينام ويهجعا |
يمينا بمن أبلى فؤادي بحبهم | و من طاف بالبيت العتيق ومن سعى |
لئن صار في الأموات شخصي ورافعوا | علي صفيح القبر مع من ترفعا |
لما عدت يوم الحشر الا بحبهم | فهم أصبحوا مرأى لقلبي ومسمعا |
بهم يهتدي الساري إذا ضل قصده | و في هديهم ليل الضلال تقشعا |
هم القوم لا قلبي يميل لغيرهم | و لا أبتغي عنهم مدى الدهر مرجعا |
هم القوم اما في الخطوب فجنة | و في الحشر تلقاهم لدى الخوف شفعا |
لهم تخضع الأسد المغاوير هيبة | و لله تلقاهم مدى الدهر خشعا |
هم القوم لا الدنيا تقود زمامهم | و هل منهم الا وعنها ترفعا |
أعزاء لا بمال عزوا كغيرهم | و لا اتخذوا في باحة الذل مرتعا |
ولا صانعوا في الدين يوما ولا رأوا | سوى طاعة الباري مالا ومرجعا |
ولا خضعوا يوما لتحكيم ظالم | و تلقاهم للحق في الحق خضعا |
بني هاشم سفن النجاة ومفزع العباد | إذا ما الدهر بالخطب أفزعا |
وما منهم الا الذي ان رأيته | تخيلته بدرا بليل تطلعا |
كمثل زعيم المكرمات محمد | به الناس تستسقي إذا الغيث اقلعا |
يشق الدجى لألاء طلعته التي | بها قد غدا نجد الهداية مهيعا |
وهل كعلي صنوه من بمجده | غدا للبرايا مستجارا ومفزعا |
سعت نحوه العلياء إذ نحوها سعى | و في حبه هامت وفيها تولعا |
له انقادت العلياء طوعا فأصبحت | ماثر علياه من المسك أضوعا |
به عز دين الله شرقا ومغربا | و شيد من أركانه ما تضعضعا |
فقل لحسود رام كتمان فضله | بفيك الحصى أو كن على الظلع مربعا |
أ يحجب ضوء الشمس والشمس في الضحى | و يكتم عرف المسك اما تضوء |
فتى لم تزينه الدنا مثل غيره | و لكن بثوب المكرمات تلفعا |
ولو رامها جاءته وهي مطيعة | و لكنه عنها عفا عفافا تورعا |
فلا زال في برد من المجد رافلا | مدى الدهر ما بدر بليل تطلعا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 349