موسى بن جعفر
علي بن محمد الأمين بن موسى بن حيدر
علي بن محمد الأمين بن موسى بن حيدر
السيد علي ابن السيد محمد الأمين ابن السيد أبي الحسن موسى ابن السيد حيدر ابن السيد أحمد جد مؤلف الكتاب الأدنى لأبيه
كان عالما من فحول العلماء المحققين وعظماء الفقهاء المدققين انتهت إليه الرياسة في البلاد العاملية وجمع بين الرياستين الدينية والدنيوية وكان زاهدا ورعا تقيا متواضعا عالي النفس رفيع الهمة مهيبا عند الحكام والأمراء وجميع الخلق جريا على الحكام عظيما في نفوسهم قرأ في صغره النحو والصرف والمنطق والبيان وغيرها في جبل عامل على علمائها ففاق أقرانه وظهرت عليه خمائل النباهة والنجابة ثم لما حدثت فتنة الجزار ووضعه أبوه رهينة عند الجزار كما فصل في ترجمة أبيه جعل يختلف إلى حاشية الجزار حتى اتصل بشاب مقارب له في السن يقال له عبد الله بك بن علي باشا الخوندار وهو الذي صار أميرا على عكا بعد ذلك ودعي عبد الله باشا، كان مع أمه في عكا وعنده خزانة كتب فاطلع الجد عليها وأنس به وتأكدت المودة بينهما وجعل يدخل معه إلى دار الحرم وأحبته أمه لمحبة ولدها إياه فجعل يطالع في تلك الكتب وأخذ ولدها يقرأ عليه وكان ممن مارس العلم فقرأ عليه في المنطق حاشية ملا عبد الله على تهذيب التفتازاني وكان الجد فرع من قرائتها قبل مجيئه لعكا وفي غيره من العلوم فلم يزل يقرأ عليه حتى رجع أبوه السيد محمد الأمين بأداء ما طلبه الجزار وأخرجه من عكا. ثم أنه سافر إلى العراق مع أخيه السيد حسن ابن السيد محمد الأمين واشتغلا بطلب العلوم حتى صارا ممن يشار إليهما بالبنان وقرأ الجد في النجف على العلامة السيد جواد صاحب مفتاح الكرامة وعلى السيد علي الطباطبائي صاحب الرياض وعلى الشيخ جعفر الجناجي صاحب كسف العطاء وكان له اتصال تام بالشيخ جعفر وأولاده وعلى المحقق الشيخ أسد الله التستري الشهير صهر الشيخ جعفر على ابنته وعلى السيد عبد الله شبر وعلى غيرهم من فحول العلماء حتى بلغ الغاية في جميع العلوم إلى درجة الاجتهاد فرجع إلى البلاد العاملية فعلا ذكره وانتشر صيته وصار مرجع الكل في الكل وقصدته طلاب العلم من كل صوب وامتلأت شقراء بطلاب العلوم وكان الجزار قد هلك وولي بعده سليمان باشا ثم ولي عبد الله باشا صديق الجد في الصبا كما مر بعد سليمان باشا فوفد عليه الجد فبالغ عبد الله باشا في إكرامه وإعظامه وحل عنده محلا لم يصل إليه غيره من العلماء والقضاة وغيرهم وجعل له في كل سنة ألف غرش وهي تعد في ذلك العصر مالا جزيلا وسيفا وبنشا جبة مخصوصة وعبدا ما يحبوه به من العطايا ثم إن الجد قال له إن هذا الذي تعطينيه ينقطع بموت أحدنا فأحب إن تقطعني عوضه ضيعة تكون لي ولذريتي من بعدي فقال له اختر ضيعة كثيرة الغلة فاختار قرية الصوانة فكتب له بها صكا باسم العامل في ذلك القطر فارس الناصيف وذلك في سنة 1237 شدد فيه على من خالف ذلك وانتزعها منه أو من ذريته وجعل على من يفعل ذلك لعنة الله والناس أجمعين. وأراد بعض العمال في بعض السنين أخذ الخراج منها فكتب الجد إلى الباشا في ذلك أبياتا يقول فيها:
أبيت اللعن أنت رسمت لعنا | لأخذها إلى يوم المعاد |
فكتب له الباشا صكا آخر بردها فردت، وهي في يد بعض ولده إلى اليوم وطالما جمع عبد الله باشا بينه وبين العلماء والقضاة في عكا فتجري بينه وبينهم أبحاث في كلها يكون له الفلج عليهم. وحكي أنه أعجزهم الجواب عن بعض المسائل فقالوا له أمهلنا ساعة فقال أمهلتكم إلى قيام الساعة.
وذاكرهم مرة بحضرة الباشا في آية الوضوء فاعترفوا بما يقوله بعد بحث طويل كما أشار إلى ذلك في شرحه على منظومة بحر العلوم ولا باس بإيراد ما كتبه الجد في الاحتجاج لوجوب مسح القدمين دون غسلهما في شرحه على منظومة العلامة الطباطبائي لما فيه من الفوائد. قال العلامة الطباطبائي في بحث واجبات الوضوء:
إن الوضوء غسلتان عندنا | ومسحتان والكتاب معنا |
فالغسلتان الوجه واليدان | والمسحتان الرأس والرجلان |
وقال الجد رحمه الله في شرحه: اتفقت كلمة الإمامية رضوان الله عليهم على إن الوضوء ثلاث غسلات وثلاث مسحات وأخبارهم بذلك متواترة معنى قولا وفعلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فضلا عن الأئمة (عليه السلام) أصحها رواية يونس بن أبي إدريس الثقفي من طريق العامة أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم، أتى كضامة قوم بالطائف فتوضأ ومسح على قدميه وعن علي عليه السلام أنه مسح على نعليه وقدميه ثم دخل المسجد وصلى عن ابن عباس أنه قال ما أجد في كتاب الله إلا غسلين ومسحين وذكر انس بن مالك قول الحجاج بغسل القدمين فقال انس صدق الله وكذب الحجاج، قال الله تعالى فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الآية وقال الشعبي مغسولان وممسوحان وعن حذيفة قال أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، سباطة قوم فبال عليها ثم دعا بماء فتوضأ ومسح على قدميه ذكره أبو عبيدة في غريبة الحديث ومنها ما روى عن أوس بن أبي أوس أنه قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، توضأ ومسح على نعليه العربيان الغير الساترين لظاهر القدم الذين لا يمنعان المسح على ظاهر القدمين نزل جبرائيل (عليه السلام) بالمسح ومنها ما روي عن ابن عباس أنه وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمسح على رجليه وروي أنه قال في كتاب الله المسح ويأبى الناس إلا الغسل وقال الوضوء غسلتان ومسحتان وقال قتادة افترض الله غسلين ومسحين إلى غير ذلك مما يطول ذكره وبه قال ابن عباس وقتادة وأنس بن مالك وعكرمة وأبو العالية والشعبي وقال الحسن البصري بالتخيير بين الغسل والمسح واليه ذهب الطبري والجبائي إلا أنهما قالا يجب مسح القدمين ولا يجوز الاقتصار على مسح ظاهر القدم وقال الحق من أئمة الزيدية يجب الجمع بين الغسل والمسح وقال باقي الجمهور بوجوب الغسل لأن عثمان لما وصف وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأى قوما يتوضؤن وأعقابهم تلوح فقال ويل للأعقاب من النار ورد الأول بمعارضته بالأخبار المتقدمة التي هي أكثر رواية وأوضح إسناد ولا أقل من التساوي فيجب التساقط والرجوع إلى كتاب الله وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله وأما الثاني فلا دلالة فيه على الغسل بوجه من وجوه الدلالات ولو سلمنا فالمراد من غسل الأعقاب النجاسة لأنهم كما روي عنهم يبولون وهم قيام فيشر شر البول على أعقابهم وأرجلهم فلا يغسلون ويدخلون المسجد وكان ذلك سببا لهذا الوعيد هذا ما يتعلق بالسنة وأما الكتاب فهو ظاهر بل صريح في وجوب المسح على القدمين لا يرتاب فيه ذو بصيرتين قال الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين ووجه الدلالة على قراءة الجر ظاهرة ولا تنافيها قراءة النصب لجواز العطف على موضع الجار والمجرور فان مثله كثير في كلام العرب قالوا ليس فلان بقائم ولا ذاهبا وانشدوا فلسنا بالجبال ولا الحديدا وقال تأبط شرا.
هل أنت باعث دينار لحاجتنا | أو عبد رب أخا عون بن مخراق |
فعطف عبد النصب على دينار ومثله قول الشاعر:
جئني بمثل بني بدر وقومهم | أو مثل أخوة منظور بن سيار |
فعطف مثل الثانية بالنصب على مثل الأولى إلى غير ذلك ويمكن جعل الواو للمعية أيضا وعلى كل حال فلا تعارض بين القراءتين ووجه الاستدلال بالآية على الغسل عند الجمهور قراءة النصب في أرجلكم فجعلوها معطوفة على الوجوه والأيدي المغسولة وحمل بعضهم قراءة الجر في الأرجل على المجاورة للرؤوس وبعضهم جعلها معطوفة على الرؤوس قال المراد بالمسح هو الغسل وقال المسح خفيف الغسل وقال الزجاج إذا قرأ بالجر يكون عطفا على الرؤوس فيقتضي كونه ممسوحا قال والخفض على الجوار في كتاب الله تعالى ولكن المسح على هذا في القرآن كالغسل قال الأخفش هو معطوف على الرؤوس في اللفظ مقطوع عنه في المعنى كقول الشاعر أعلفتها تبنا وماء باردا ويرد عليهم إن العطف على القريب أولي من العطف على البعيد إن لم يكن متعينا لان الجملة الأولى الإمرة بالغسل قد انقطعت وبطل حكمها باستئناف الجملة الثانية المخالفة لها فلا يجوز إن يعطف عليها أحد جزئي الجملة الثانية فان ذلك يجري مجرى قولهم ضربت زيدا وأكرمت عمروا وبكرا فان عطف بكر على خالد هو الذي لا يسوع سواه ولا يجوز عطفه على عمرو المضروب الذي قد انقطع حكمه ولو جاز ذلك لكان العطف على القريب أولى وأرجح وأما حمل قراءة الجر على الجوار فقد تقدم عن الزجاج جواز ذلك في الكلام فإنما يجوزه مع فقد حرف العطف وكلما استشهد به عليه فهو من هذا الباب كما في: جحر ضب خرب وقول امرئ القيس.
كأن ثبيرا في عرانين وبله | كبير أناس في بجاد مزمل |
وأيضا فجواز ذلك مشروط بارتفاع اللبس كما في الأمثلة وليست الآية من هذا الباب. وثالثا فان جماعة من النحويين منعوا الجر بالمجاورة فهو في الحقيقة موافق لنا من حيث لا يدري وأما من جعله مثل قول الشاعر علفتها تبنا وماء باردا فهو أبعد من الجميع فان ذلك إنما يجوز إذا استحال حمل الكلام على ظاهره وأما مع الإمكان فلا. وإنما أطلنا الكلام في هذا المقام لنرد به شبه المخالفين وقد جرى بين الحقير وبين كثير من علمائهم أبحاث طويلة عريضة في هذا وأمثاله وكانت الغلبة من فضل الله تعالى لي عليهم وشهد بها جماعة منهم في حضرة ملك قطرنا انتهى ومراده بملك قطره هو عبد الله باشا المذكور، قوله فان ذلك يجري مجرى الخ لا يخفى إن ذلك هو عين التعقيد المعنوي الذي ذكره أهل البيان في مثل قول الفرزدق:
وما مثله في الناس إلا مملكا | أبو أمه حي أبوه يقاربه |
وهو يخل ببلاغة الكلام وفصاحته ومثله المثال الذي ذكره الجد في كلامه. ويقال أنه كان لعبد الله باشا امرأة يحبها فقال لها أنت طالق ثلاثا لأمر أغضبه منها فسال العلماء عن ذلك فأجابوه بتحريمها حتى تنكح زوجا غيره فعظم ذلك عليه وسال الجد عن أمرها فأبان له المخرج من ذلك بدون إن تنكح زوجا غيره ويمكن إن يكون أفتاه ببطلان الطلاق لعدم الشهود العدول كما هو رأي الشيعة وكما يدل عليه قوله تعالى واشهدوا ذوي عدل بعد آية الطلاق والأمر للوجوب وإن قوله ثلاثا لا يجعل الطلاق ثلاثا ولا يخرج عن كونه طلقة واحدة بعد فرض صحته. كما يحكى مثل ذلك عن العلامة الحلي قدس الله روحه أنه لما طلبه السلطان الجايتو محمد المغولي الملقب بشاه خدابنده على ما حكاه التقي المجلسي في شرح الفقيه وذلك إن السلطان غضب على إحدى زوجاته فقال لها أنت طالق ثلاثا ثم ندم فسال العلماء فقالوا لا بد من المحلل فقال لكم في كل مسالة أقوال فهل يوجد هنا اختلاف قالوا لا فقال أحد وزرائه: في الحلة عالم يفتي ببطلان هذا الطلاق إلى آخر القصة حين استدعاه الملك وسأله عن الطلاق فقال أنه باطل لعدم وجود الشهود العدول وجرى البحث بينه وبين العلماء حتى ألزمهم جميعا مما أدى إلى إن تشيع الملك وخطب بأسماء الأئمة الاثني عشر في جميع بلاده وأمر فضربت السكة بأسمائهم وأمر بكتابتها على المساجد والمشاهد قال والموجود بأصبهان في الجامع القديم في ثلاثة مواضع بتاريخ ذلك الزمان وفي معبد يرمكران لنجان ومعبد الشيخ نور الدين من العرفاء وعلى منارة دار السيادة التي تممها السلطان المذكور بعد ما ابتدأ بها أخوه غازان كله من هذا القبيل وكان من جملة القائمين بمناظرته الشيخ نظام الدين عبد الملك المراغي أفضل علماء الشافعية فغلبه العلامة واعترف المراغي بفضله كما عن تاريخ الحافض الأبرد من علماء السنة وغيره.
وحكي إن العامل في تبنين من قبل عبد الله باشا ويسمى يومئذ المتسلم صدر منه بعض التقصير في شأن الجد ولم يكن يعلم بمنزلته عند الباشا فاتفق إن جاء عبد الله باشا إلى تبنين وحضر لزيارته وكان خط المتسلم إن يقف مع الخدم فلما دخل الجد على الباشا ورأى المتسلم اعظام الباشا له خاف خوفا شديدا وظن أنه لا بد إن يخبر الباشا بتقصيره معه فقال الباشا للجد كيف رضاكم عن المتسلم وهل هو قائم بما يلزم من خدمتكم فقال نعم ومدح المتسلم كثيرا فسر الباشا من المتسلم ولما انقضى المجلس جاء المتسلم إلى الجد وجعل يقبل يديه ويعتذر ويقول أنه لم يصدر مني إليكم ما استحق به المدح وإنما صدر ما استحق به الذم ومع ذلك مدحتني عند الباشا كثيرا فقال له الجد هكذا أمرنا إن نحسن إلى من أساء إلينا فكان المتسلم بعد ذلك لا يعدو أمره في كل شيء وكان جريا على أمراءجبل عامل مهيبا في صدورهم يحتملون منه ما لا يحتملون من غيره وكان غاية في علو النفس وإباء الضيم فمما هو معروف عنه من هذا القبيل أنه كان كما مر يكتب إلى الفقراء من تلامذته إلى بعض القرى باعطائهم من الزكاة فسمع مرة عن بعض أهل تلك القرى أنه قال ما تكفينا خيل الحكام حتى تجيبنا تلامذة السيد علي الأمين فلما بلغه ذلك قال لتلامذته من كان عنده كفاية فليبق عندي ومن ليس له كفاية فليذهب يكسب لا أكلف أحدا لكم بعد اليوم شيئا ومنها أنه رأى جمالا محملة فسال عنها فقيل إنها مرسلة من قرية الجميجمة لأخيك السيد أحمد فأعطاه مزرعة دوبيه ونهاه إن يقبل من أحد شيئا وتقلد منصب الإفتاء من قبل السلطان بعنوان مفتي بلاد بشارة كما كان هذا المنصب لأبيه ولولده بعده السيد محمد الأمين كما يأتي ويقال أنه لما بلغه وفاة شيخه الشيخ جعفر صاحب كشف الغطاء قدس سره ورجوع الناس بعده إلى تلامذته قال الآن وجب علي الإفتاء لأني اعلم أنه لم يكن في تلامذته من هو أفضل مني وقيل أنه لما بلغه وفاة الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر قال الآن وجبت علينا الفتيا. وكان من رأيه وجوب تقليد الأعلم وعن الشيخ خضر شلال رحمه الله من تلامذة الشيخ جعفر أنه قال سافر السيد علي الأمين إلى جبل عامل وهو أفضلنا وبقي مدة عمره مشغولا بالتدريس والتصنيف والحكم بين الناس وإفتاء المستفتين. وكانت مدرسة شقرا التي أسسها جده السيد أبو الحسن حافلة في عهده بالطلبة والعلماء وتخرج عليه جملة من أفاضل العلماء منهم الشيخ علي زيدان والشيخ علي مروة والشيخ صادق والشيخ إبراهيم بن يحيى وغيرهم. مؤلفاته
له من المؤلفات شرح منظومة بحر العلوم لم يكمل وهو مع اختصاره يدل على فضل عظيم وتبحر في الفقه كثير واختار فيه كفاية الثلاثة أشبار في الأبعاد الثلاثة في الكسر قائلا والإنصاف ترك الإنصاف ولما شرح المنظومة المذكورة قال بعض تلامذته وهو الشيخ علي مروة يمدحه من قصيدة تذكر في ترجمته:
أبا معشر الطلاب قرت عيونكم | فقد برزت من خدرها درة المهدي |
وقد لبثت حينا من الدهر في الخبا | محجبة تشكو من اليتم في المهد |
وله رسالة في التوحيد ورسالة في الحيض وحواش على شرح الصغير مختصر شرح الكبير المعروف بالرياض كلاهما لأستاذه السيد علي الطباطبائي وعلى تلك النسخة خط أستاذه المذكور وقد وقفها عليه وكتابات أخر رأيتها بخطه لم تكمل ولم تخرج إلى المبيضة.
من ذكره من المؤلفين
ذكره صاحب الجوهر المجرد الشيخ علي سبيتي فقال:
كان من العلماء المحققين والفضلاء المدققين علامة عاملة وشمس فضلها على الإطلاق ارتقى أعلى درجات المعارف حتى غدت ساحة فضله كعبة لكل قاصد بجلالة ووقار وشرف واعتبار وكان هذا السيد مرموقا بالمهابة والتبجيل من جميع أهالي عاملة مشهودا له بالفضل الأول ومن حينما وفد من العراق كانت أمور البلاد مشوشة لما لحقها من الوهن بأيام الحاج أحمد باشا الجزار فعبد الله باشا اعتنى بأمر السيد ومسك بضبعه وقدمه وأكرمه واحترمه ولما تعلق بالسيد أعطاه مزرعة الصوانة إقطاعا وكتب له بها صكا وكتب في آخره فمن عارضه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين وكان ذلك سنة 1237 والمرسوم باسم فارس الناصيف. ولما تنمر الأمير بشير الشهابي لأهل جبل عامل وأغرى بعضهم ببعض تقدم لالتزام قرى المعيشة التي أعطتهم الدولة إياها عوضا عن أملاكهم وكان من جملة اللذين أصابهم ذلك السيد بالصوانة فعندها ركب السيد إلى عكا وطالبه بعهده وكان شديد الجرأة عليه ومدحه بقصيدة منها:
أبيت اللعن أنت رسمت لعنا | لأخذها إلى يوم المعاد |
فردها عليه بمرسوم ثان وكتب اللعنة على من أخذها منه وهي الآن بيد ابنه السيد محمد.
وقال أيضا: إن السيد علي الأمين بعد خروجه من حبس عكا (الصواب أنه لم يكن محبوسا بعكا وإنما كان رهينة عند الجزار) هاجر إلى العراق وقرأ على الشيخ جعفر وعلى صهره الشيخ أسد الله حتى مهر وأقر له بالفضل الشيوخ الكبار فرجع إلى البلاد وتمت له الرياسة ولم يكن حينئذ في البلاد أحد ينازعه فسلمت إليه المقاليد وانتهت إليه الرياسة ودرس في العلم فهاجر إليه الطالبون فسمع من بعض أهالي البلاد كلمة أغاظته فترك التدريس واستراح إلى تعليم الشيخ علي الزيداني لأولاده وكان دائما في زيارة أخوانه والكلمة التي سمعها أنه كان يكتب للطلبة إلى بعض القرى بإعطاء شيء من الزكوات فقال رجل نريد إن نكفي خيالة حمد بك وتلامذة السيد علي الأمين فلما بلغه ذلك قال للطلبة من كان يقدر على معاشه فليبق ومن كان لا يقدر فإني لا اكتب إلى أحد بعد هذا فتفرق أكثر الطلبة.
وذكره السيد محمد بن معصوم في تلامذة السيد المتبحر السيد عبد الله شبر الكاظمي فقال: ومنهم العالم العامل الفاضل المدقق الكامل المتبحر الماهر التقي النقي السيد علي العاملي فإنه لما هاجر من بلاد الجبل إلى العراق للاشتغال ورد إلى مشهد الكاظمين (عليه السلام) فقرأ جملة من العلوم على سيدنا المذكور وله شرح منظومة السيد محمد مهدي الطباطبائي. وفي تكملة أمل الآمل: وبيت السيد الشريف السيد علي الأمين في شقراء من قرى جبل عامل بيت علم وجلالة وفضل وسيادة خرج منهم جماعة من العلماء والفضلاء، والعلم والفضل باقيان بعد في هذا البيت الشريف.
وفي بعض المخطوطات العاملية في التاريخ أنه في جمادى الأولى سنة 1203 زوج السيد محمد الأمين ولده السيد علي بنت الشيخ إبراهيم تاج الدين.
مرسوم عبد الله باشا
ومرسوم إبراهيم باشا
وكان لأبيه السيد محمد أمين أربعة فدن في شقرا معاشا من الحكومة بصفته مفتيا لبلاد بشارة معينا من قبل الحكومة وبعد وفاة والده المذكور عين هو أيضا مفتيا لبلاد بشارة من قبل الحكومة وأعطي الأربعة الفدن المذكورة معاشا فطلب أخوته إن يشاركوه فيها بزعم إنها ميراث من أبيهم فكتب له عبد الله باشا مرسوما بها هذه صورته:
قدوة الأمائل والأقران متسلمنا في تبنين وهونين حالا الحاج إبراهيم آغا زيد قدره. بعد السلام التام بمزيد الإعزاز والإكرام المنهي إليكم بخصوص الأربعة فدن مطلق الذي كانوا إلى المتوفى السيد محمد أمين العالم في قرية شقرة وبعد وفاته بأيام سلفا المرحوم طاب ثراه صاروا العام إلى ولده رافع مرسومنا هذا السيد علي أمين بموجب مرسوم من سلفنا المشار إليه وبوقته أخوته نازعوه بهذا المطلق وتعين لهم بالمرسوم إن يكون هذا الإنعام إلى السيد علي المومئ إليه وحده وما لأخوته معه معارضة به حيث أنه إن وجد مفتي القرية المذكورة فلزم الآن إصدار مرسوما إليكم تأكيدا لأمر سلفنا ويكون معلوم إن هذه الأربعة فدن مطلق القرية المذكورة للسيد علي المذكور وحده ليس لأخوته بهم حق ومرسومنا هذا بعد اطلاعكم عليه تبقوه بيده لأجل عدم معارضته من أحد ولدي في 4 م سنة 1236: الختم
السيد عبد الله والي صيدا
ويافا وطرابلس والشام
ولما جاء إبراهيم باشا ابن محمد علي باشا من مصر وحاصر عكا وأخرج عبد الله باشا منها طلب منه مرسوما بذلك فكتب له هذا المرسوم له صورته:
قدوة الأماثل والأقران الحاج عثمان آغا متسلم تبنين وهونين بعد السلام التام إليكم إن رافع مرسومنا هذا افتخار العلماء الكرام السيد علي أمين العالم اعرض لمن معنا مراسيم بيده من حضرات أسلافنا الوزراء العظام آخرهم محرر في 7 رجب سنة 1246 مضمونهم بخصوص مشد المطلق في قرية شقرة التابعة بلاد بشارة إن يكون متصرفا به السيد علي المذكور والتمس منا تجديد المراسيم المشروحة وقد قبلنا التماسه فيقتضي أنه يتصرف به أنعاما له والى أولاده من بعده بدون أحد يعارضهم أو ينازعهم فيه بناء على ذلك اقتضى إصدار مرسومنا هذا من ديوان معسكر عكة لتعملوا بموجبه وتعتمدوه في 10 ش سنة 1247.
الحاج إبراهيم والي جده
الختم
سلام على إبراهيم
وكلمتا والي وجدة لم تكونا منقوطتين وبجنب ياء والي همزة تحتها كسرة وكذلك في توقيع له آخر ولم نتحقق المراد منها.
ما جاء في وصيته
عثرنا له على وصية بخطه قد ذهب بعضها فأثبتنا هنا ما وجد منها لكونها أثرا في الجملة ولا يخلو إثباتها عن فائدة وعبرة وهي هذه:
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
الحمد لله الذي أمر بالوصية قبل حلول المنية وصلى الله على سيدنا محمد وآله خير البيرة وبعد فان الفقير الحقير المعترف بالذنب والتقصير عبد الله وابن عبديه علي بن محمد يشهد إن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلها واحدا، أحدا أفرادا صمدا حيا قيوما لم يتخذ صاحبة ولا ولدا قديما أزليا دائما أبديا عليما قديرا لطيفا خبيرا سميعا بصيرا مدركا مهلكا مريدا كارها آمرا ناهيا متكلما صادقا حليما كريما عدلا حكيما رؤوفا رحيما جامعا لصفات الكمال منزها عن صفات النقص لا شريك له ولا وزير ولا شبيه ولا نظير وانه بكل شيء عليم وعلى كل شيء قدير وانه ليس بمركب ولا جسم ولا جوهر ولا عرض وليس بمحل للحوادث وليس بمرئي لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار بلا عين ولا أذن مجردا في ذاته أوحديا في صفاته وإنها عين ذاته لا تعرف له معنى ولا حالا سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علو كبيرا.
ويشهد إن سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم، عبده المجتبى ورسوله المرتضي أرسله بالهدى ودين الحق لا ينطق عن الهوى وانه أفضل خلق الله وخاتم رسل الله سيد الكونين وأفضل الثقلين وعلة الوجودني وسقط هنا ما يتضمن الشهادة بإمامة الأئمة (عليه السلام) وأوصى إذا نزل به القضاء الذي لا بد منه ولا محيد لاحد عنه إن يغسل ويحنط بأربعة عشر درهما من الكافور (كذا).
حنوطه وإن يغسل بالسدر الذي وضعه بالكفن وإن يؤتى بورق سدر أخضر من الحولة ومن رأس العين بأجرة لمن يأتي به فلا بد منه وأن يدفن بكفنه المكتوب المعد له وإن يحبر بوجه لحاف إن أمكن وإلا فبغيره وأن يقرأ على القبر ستة أيام بلياليها قراءة عارفين مع الأحكام وإن يطعم كفاية الحاضرين ويخرج عنه لأربعين مؤمنا ركعات الهدية مع الإمكان وإلا تكرر حتى تبلغ الأربعين ليلة الدفن وإن يخرج عنه ثلاثون سنة صلاة أربع سنين منها صلاة سفر مقصورة وثلاثون شهر صوم وإن يعمر القبر ويعمر حائط من الغرب بحيث تدخل القبور إلى جهة المسجد وإن يخرج زيارة رضوية بخمسين قرشا وأئمة العراق ثلاثون قرشا وأئمة البقيع رمضان من كل سنة ثلاث ختومة القرآن إلى عشر سنين تهدى له قراءة عارف ولو في الجملة وإن يخرج عنه حجة وإن يحفر بئر في داره لأولاده الذكور وأوصى إن في ذمته إلى بنت حسين فرحات من عشرون ستمائة قرش ولأولاد أخيه حسن ستمائة قرش وإن يخرج عنه عشرون كفارة كبيرة وأربعون صغيرة من قمح أو شعير وإن يقام عنه تعزية الحسين في عشر المحرم ويطعم كل ليلة أقلها ثلاثة أنفس وفي يوم العاشر أكثر يقيم ذلك أولاده عنه الذين أكبرهم أبو الحسن إلى عشر سنين أو أكثر مع الإمكان. .
شعره ونثره
قال هذه القصيدة يعاتب بها الشيخ محمد الناصيف على تلك زيارته له بعد قدوم جدنا من الحج على إن الجد كان قد مر عليه يوم وصوله وبعد ذلك جاء الشيخ محمد الناصيف إلى عند الحاج إبراهيم آغا ولم يمر على الجد وعرض فيها زيارة الآغا له وطلب من الشيخ محمد الناصيف المحاكمة عند الشيخ صادق بن الشيخ إبراهيم بن يحيى وعمه الشيخ عطوي وجعل الشهود ناصيفا وابن عمه أسعد فقال:
أيا ليت شعري ما أقول وإنني | خبير بأقوال من العتب جمة |
أيحسن منكم إن تمر بقربنا | وتبخل في وصل علينا وزورة |
وتمنعني عن نظرة يشتفي بها | فؤاد محب صادق في المحبة |
وقد زرتكم من فرط شوقي إليكم | على بعد أسفاري قبيل أحبتي |
ألم تر إبراهيم من صدق وده | تشرفت فيه مرة بعد مرة |
وكان جديرا إن يزار بربعه | ولكنه سباق كل كريمة |
فيا رب متعنا بطول بقائه | وانبت به زرع الهدى في البسيطة |
واني لأرضى صادق الود والوفا | وإن كان خصما حاكما في القضية |
وفي عمه نرضى وإن كان خصمنا | إذا كان هذا حظنا في البرية |
وناصيف أيضا نجلكم وابن عمه | وكل الورى من كل دين وملة |
وناهيك رب دونه كل حاكم | إذا وقف الخصمان يوم القيامة |
فيا ربنا احكم بيننا ثم نجهم | ومن عليهم يا كريم بتوبة |
على إنني لا أدعي نقض ودهم | ولكن حظي ناقص في المودة |
فلما وصلت إلى الشيخ محمد الناصيف أجاب معتذرا عن التخلف وطالبا للحكومة عند الآغا فقال:
سلام وأشواق وخير تحية | إلى من سما في المجد أرفع رتبة |
أتاني كتاب منه كالمسك عرفه | تضمن ودا خالصا في المحبة |
وحقكم لست الذي مل صاحبا | ولا نقض ميثاق الأخلاء خلتي |
وتذكر مسعاك الشريف لدارنا | وزورة أخوان ولقيا أحبة |
وحكمت فينا صادق الود والولا | على أنه خصم لنا في الخصومة |
نعم ارتضي في حكمه كل عارف | وإن كان لي خصما وشيب بتهمة |
واحزم رأي إن نولي قضاءنا | كريما حليما عادلا في القضية |
أبا يوسف الشهم الهمام أخا العلى | أبا العرف من يرجى لكل ملمة |
سمي خليل الله يحكم بيننا | وحسبي به قاض إذا النعل زلت |
ذكرت وفاه مرة بعد مرة | وليس عجيبا فهو سباق غاية |
لئن كان هذا حاكما في قضائكم | وصادقنا المفتي لكم في الحقيقة |
ونجلي وصنوي شاهدين لديكم | علينا بتقصير فما وجه حيلتي |
وناهيك من رب البرايا محكما | على عاجز تعلوه أضعف نملة |
واني عن حق الصديق لعاجز | فكيف بحق الله باري البرية |
وما كان هذا الصد هجرا ولا قلى | ولكن ربي عالم كيف محنتي |
وأنت بقلبي ساكن بل بناظري | وودكم ذخري ليوم المثوبة |
وإذا ما جنى زيد فما عمرو غارم | وليس يجازى غير رب الجريرة |
زيارتكم فرض علينا وواجب | بها نرتجي الحسنى وتكفير زلة |
وحظكم واف من الله وافر | فلا غرو إن بلغت أرفع رتبة |
وسمع المرحوم الشيخ علي مروة أحد تلامذة جدنا بهاتين القصيدتين فعززهما بثالثة تتضمن الصلح فقال مخاطبا الجد أولا:
أيا سيدا أنشأ كتابا بطيه | عتاب على الماضي وترك الزيارة |
إلى الماجد الحر الذي في هواكم | يقاسي الجوى في كل حين وساعة |
سمي حبيب الله من خير سادة | له الشيمة الغرا وكل فضيلة |
هو البارع الندب الأديب أخو العلى | وفي صفي صادق في المحبة |
إذا رمت خلا في الأنام شبيهه | فلست الذي تلقاه بين البرية |
وأمست تحاكي المزن جودا يمينه | ويروي الصوادي إن شكت حر غلة |
ولكنه يعطي العطا وهو باسم | ويبكي سحاب المزن عند العطية |
وتبغي القضا من صادق الود والوفا | وقد كان خصما جانيا للجريرة |
وعم له ترضاه للحكم بينكم | وكل الورى من كل دين وملة |
وانك من نجليه ترضى شهادة | لدى عارف في الناس حكم الشريعة |
ويبغي لدى الندب الكريم حكومة | سمي خليل الله رب الحكومة |
أبو يوسف الليث الهمام أخو الحجى | كفيل اليتامى عند فقد الكفالة |
وأنت جدير بالقضاء وفصله | وأحرى به من دون كل البرية |
سليل النبي الهاشمي محمد | وهاد إلى نهج التقى والهداية |
فلا غرو إن فقت الأنام جميعها | فبالشمس يخفى النجم حين تجلت |
ولا زلت يا بحر العلوم مؤيدا | وتجلو دياجي المشكلات الخفية |
ومن نثره هذه المكاتبة جوابا عن كتاب:
سلام كانفاس الخزامي إذا باكرها الغيث تحدوه النعامى وسلام أوسع الدهر العبوس ابتساما يعربان عن شوق مبرح بمن لولاه لم أدر ما معنى الغرام.
دعوا لي أطباء الشام لينظروا | لداء دوي في الحشاشة واللب |
وهيهات إن يدروا بدائي ويعلموا | دوائي وما يغني الأطباء في الحب |
يطيلون جس النابضين ضلالة | ويسقونني كأسا من البارد العذب |
فضلوا عن الداء الدخيل لجهلهم | ولو علموا جسوا النوابض من قلبي |
هذا وبينما نحن على أحر من جمر الغضا نتعلل بلعل وعسى إذ ورد علينا الكتاب المستطاب المحتوي على النظم الرائق والنثر الفائق الحاكي قلائد العقيان على نحور الخرد الحسان فأين منه بشار ومهيار وحسان فنبه لوعات المشوق وأرقه وأجج في القلب نار الوجد المحرقة:
وسرى نسيمهم فقلت لمهجتي | يا نار مسك نافح فتأججي |
فحتام هذا البعد والنوى عمن لم يضمر السلوان ولا نوى وقد نسجنا في هذا المقال على منوال من قال:
إذا لم يكن في الحب عتب ولا جنى | فأين حلاوات الرسائل والكتب |
ومن شعره ما أرسله إلى أمير عصره عبد الله باشا المقدم ذكره:
أفرعها أم ظلام الليل معتكر | ووجهها أم ضياء الصبح مشتهر |
ما إن رأيت ولا أذني به سمعت | شمسا تطلع من أزرارها قمر |
دنت فنفرها عن وصلنا نفر | واعتاد طرفي لما صدت السهر |
عهدي بها والتصابي غصنه نضر | ما إن تغيرها عن ودي الغير |
مت لعمري عقد الوصل حين رأت | بعارضي صباح الشيب ينتشر |
قالوا كبرت وغصن الحب منك ذوي | أجل ولكنما في الغاية الثمر |
والدمع من مقتلي والدر في فمها | ضدان جاءا فمنضود ومنتثر |
لها المودة إن صدت وإن وصلت | فما لقلبي عنها اليوم مصطبر |
قالوا استعار الدجى من شعرها ومن آلوجه | استعارت سناها الأنجم الزهر |
فقلت مهلا فان الأمر متضح | فما سواء عيان المرء والخبر |
إن التي تشرق الدنيا ببهجتها | شمس النهار وعبد الله والقمر |
مولى لنا في الدجى من وجهه قمر | وفي المحافل من ألفاظه درر |
سوار زند المعالي وابن بجدتها | وفرع آل بهم يستنزل المطر |
شهم إذا عاينت عيناك صورته | عاينت شخصا به قد جمع البشر |
لقد كسا العدل أثواب الشباب فما الـ | ـفخار إلا شذا في برده عطر |
غيث خلا أنه بالبيض منسكب | ليث ولكنما أنيابه السمر |
فتى تناهى إليه المجد وائتلفت | لعدله في الورى الآساد والعفر |
من ابن خاقان من عبد العزيز ومن | عزيز مصر ومن من قبلهم غبروا |
طالوا وطلت ولكن أين منك هم | والبدر لا يستوي والأنجم الزهر |
حلم وعلم وإقدام ومكرمة | ونائل نال منه البدو والحضر |
وسؤدد لو حوته الشمس ما أفلت | حباكه دون هذا الخلق مقتدر |
وقال يرثي شيخه وأستاذه الشيخ جعفر صاحب كشف الغطا:
أتطلب دنيا بعد فقدك جعفرا | وتطمع فيها إن تكون معمرا |
وتركن للدهر الخئون سفاهة | وتغفل عما كنت تسمع أو ترى |
وتعذلني يا جعفري على البكا | وتعجب من محمر دمعي إذا جرى |
أ لم تدر إن العلم جب سنامه | وأصبح ركن الدين منفصم العرى |
فتى كان عزا للذليل وناصرا | ويسرا لمن قد كان في الناس معسرا |
له الشيم الغر التي لو تجسمت | لكانت لنا شمسا من الشمس أنوار |
وان عدا أهل الفضل كان إمامهم | جميعا وكل الصيد في جانب الفرا |
هو الدهر إلا أنه غير خائن | هو البحر إلا أنه ما تكدرا |
هو الشمس لم تكسف هو البدر لم يغب | هو الليث إلا أنه ليس أبخرا |
هو الدين والدنيا هو العلم والتقى | هو الغيث إلا أنه العلم أمطرا |
فقدناه فقدان النبي وصنوه | علي فيا لله من فادح عرا |
فقدناه فقدان الوليد كفيله | فهلا متم بناه وكان المعمرا |
ونغبط سكان القبور لأنه | أقام بواديهم وجاور حيدرا |
فوا عجبا للبحر يحويه قبره | ووا أسفا للبدر يغرب في الثرى |
لئن غاض بحر العلم فينا فإنه | أفاض من العلم الإلهي أبحرا |
فموسى هو البحر المحيط بعلمه | فيا لك بحرا في الأنام وجعفرا |
حسودهم خفض عليك فإنهم | بحور ندى من جانب الله في الورى |
سقى الغيث قبرا ضم أعظم جعفر | وروى ثراه رائحا ومبكرا |
وقال مخمسا هذه الأبيات وهي للشيخ إبراهيم بن يحيى:
إذا ما دهاك الدهر يوما بهمه | وأسقاك كأسا من مرارات سمه |
فقل كي تنال الروح من كرب غمه | إلهي بحق المصطفى وابن عمه |
هم الخمسة الأبرار طاب ثناؤهم | وعم الورى طرا لعمري عطاؤهم |
تمسك بهم إن الكمال رداؤهم | وبالتسعة الغر الذين ولاؤهم |
بني أحمد خير الخلائق بعده | فما سائل إلا بهم نال قصده |
فناد بصدق مالك الملك وحده | أنلني بهم قبل الممات وعنده |
وقال مشطرا لها:
إلهي بحق المصطفى وابن عمه | أبي الحسن الكرار يوم حنين |
وصي رسول الله عيبة علمه | علي وبالزهراء والحسنين |
وبالسادة الغر الذين ولاؤهم | وحبهم ارثي من الأبوين |
وعقد ولاهم والمودة فيهم | وطاعتهم فرض على الثقلين |
إنني بهم قبل الحساب تكرما | ومن بعده يا رب قرة عين |
وقال مخمسا هذه الأبيات المنسوبة للشهيد رحمه الله:
لقد صار كسب المال للناس في الدنا | وهجر علوم الدين دأبا وديدنا |
ونحن بحمد الله مالك أمرنا | شغلنا بكسب العلم عن طلب الغنى |
كما شغلوا عن مطلب العلم بالوفر | أما علموا إن المال إلى الفنا |
وإنا جميعا للحساب مردنا | وإن علوم الدين أفضل مقتنى |
فصار لهم حظ من الجهل والغنى | وصار لنا حظ من العلم والفقر |
وقال:
رضيت بما قد قدر الله في القضا | وفوضت أمري للعليم بحالي |
إلى الله أشكو من زمان تكثرت | نوائبه ما للزمان ومالي |
وقد شبت في رق العبودية التي | يفك لها رق العبيد موالي |
فيا رب بالهادي النبي وآله | وعترته الأطهار أكرم آل |
تفضل على العبد الضعيف بتوبة | تميط بها ذنبي وسوء فعالي |
وله في أهل البيت (عليه السلام) وقد شطرها الشيخ صادق بن يحيى:
سقى حكيم يا خيرة الله ديمة | من المزن تحدوها النعامى وترعاها |
ولا زالت الأيام تهدي إليكم | من العز والاقبال خير هداياها |
ورشتم جناحي في ظلال رياضكم | فطرت إلى الدار التي كنت أهواها |
ولم أطلب المجد الأثيل برحلتي | ولا طلبت نفسي غنا لا ولا جاها |
ولكنما الأقدار تهتف بالنوى | فصبرا على تشتيتها وبلاياها |
وان زماني مولع بانعكاسه | مقاديره تجري بلا متمناها |
فدعها إلى حكم الإله وأمره | فيقضي كما شاء الحكيم قضاياها |
وان كنت في شك من الأمر فأجتهد | وبادر إلى الآثار وأحك حكاياها |
أ لم تر إن الشمس وهي رفيعة | لتجري وأفلاك السما عكس مجراها |
وان رسول الله راح بنفسه | إلى الغار خوفا من قريش وأخفاها |
وان أمير المؤمنين أقامه | لامته يوم الغدير ليرعاها |
فينجح كل منهم ثم ضيعوا | وصيته فيه وما خيف عقباها |
بني أحمد يا خيرة الله في الورى | وعروته الوثقى وعلة مبداها |
متى يظهر المهدي منكم محكما | فيأخذ أوتارا لها عند أعداها |
فيا رب عجل بالقيام لنصره | وإلا فقربني إليك بتقواها |
وله:
ألا يا رسول الله يا خير من له | تشد المطايا والمطهمة الجرد |
ويا علة الإيجاد والكعبة التي | تحج ولم يبرح بساحتها الوفد |
ويا أول الخلق الذي قد دعا به | أبوه وقد أودى به الذنب والجهد |
ويا بضعة المختار فاطمة التي | على الناس من بعد النبي لها المجد |
أجيبا دعا عبد وكونا لذنبه | شفيعين إذ لا مال ينجي ولا ولد |
فان له منكم ذماما ونسبة | وحبا شديدا ما لغايته حد |
فلا تخرجاه من حريم رضاكما | فان له حقا بفضلكما يبدو |
وقوله:
خبرت بني الدنيا فلم أر فيهم | سوى حاسد أو شامت أو منافق |
فأبعد حماك الله عنهم ولا تكن | بغير اله العرش يوما بواثق |
وسلم إلى الرحمن أمرك كله | إذا خفت يوما من نزول المضايق |
وثق بولاء المصطفى وابن عمه | وعترته الغر الكرام الحقائق |
تجد خير كهف من حماهم ومعقل | يقيك لدى الدارين شر البوائق |
وله قصيدة في الرد على مروان بن أبي حفصة هذا ما وجدناه منها وهي أطول من هذا:
فيا راكبا أما عرضت فبلغن | سلامي على خير الورى أكرم الرسل |
وبث لهم حزني فاني بحبهم | أجادل أقواما لئاما ذوي جهل |
وألأمهم مروان ذو الجهل والعمى | وأكذبهم في القول منه وفي الفعل |
فتى باع أبناء النبي محمد | بأبناء عباس ذوي الجبن والبخل |
فدونك آباتي فجئني بمثلهم | إذا ما تفاخرنا وهيهات من مثل |
أهارونها كالكاظم الغيظ في الحجى | ومنصوركم كالصادق القيل في النبل |
علية منكم أم علية منهم | وكان لكم شيخ الغناء أم لهم قل لي |
فهذا الأسى والله لا خطبة النساء | إذا صح ما لفقت من كاذب النقل |
فكيف يهم المرتضى بمحرم | وكيف يسوء المصطفى طلب الحل |
لئن كان والشورى أباه لجهله | فخير الورى طرا أباه أبو جهل |
وأصحاب هارون أبوه جميعهم | عنادا وظلوا عاكفين على العجل |
وتحكيمه للحاكمين كليهما | دعاه إليه غدر قوم ذوي غل |
وما ضره لو خالفوه وحكموا | عدوين كانا بالحكومة والفصل |
وما باعها سبط النبي محمد | معوية إلا بخائنة الكل |
وقلة أنصار لديه تفرقوا | ومالوا عن العليا جميعا إلى السفل |
وفاته
توفي سنة 1249 شهيدا بالسم وكان سبب سمه إن عبد الله باشا أرسل إليه بالحضور، فبعث الجد إلى بعض أعيان البلاد وكانوا سبعة أشخاص فاستصحبهم معه إلى عكا، فعاجله الحساد بالسم لما كان يفعله معه عبد الله باشا من التعظيم ولما كان يظهر له من الغلبة على علماء تلك الديار، فوضعوا له السم في قهوة البن فشرب منه هو وأصحابه إلا واحدا منهم فمات كل من شرب، ورجع الجد من فوره حين أحس بالسم فمات في صور ونقلته زوجته أم السيد محمد أمين، وحمل على أعناق الرجال إلى شقرا فدفن بها في مقبرة كان أعدها لنفسه غربي المسجد الكبير جعل نصفها لنفسه وعائلته وأدار عليه حائطا والنصف الآخر لسائر أهل القرية، وأول من دفن فيها ولده السيد جواد الذي توفي في حياته. وكون وفاته في عهد عبد الله باشا وهو الذي سمعناه من شيوخ العائلة، لكن الظاهر أنه اشتباه لان سوريا في هذا التاريخ كانت في حكم إبراهيم باشا وقد ذهب إليه الجد وأخذ منه مرسوما سنة 1247 من ديوان معسكر عكا كما مر، والظاهر أنه بعد خروج عبد الله باشا منها وسفره إلى مصر لأنه كان في تلك السنة، ولم يذكر المؤرخون أنه أعيد إليها. فالظاهر إن ذهابه إليها وسمه كان في عهد إبراهيم باشا والله أعلم.
مراثيه
قال الشيخ صادق بن الشيخ إبراهيم بن يحيى راثيا له ومؤرخا عام وفاته:
لله من فادح عم الورى جلل | ونكبة طوحت بالعلم والعمل |
اليوم قوض طود العلم من مضر | وطبق الكون رزء غير محتمل |
هذا العميد المفدي قد جرين به | نجب المنايا لظل غير منتقل |
من للرواية أو من للدراية أو | من للهداية في حل ومرتحل |
أو للعلوم إذا ما ضل طالبها | يهدي المريدين منها أوضح السبل |
هذي معالم دين الله قد طمست | وغودرت أيما لم تلف من بدل |
هل الليالي درت أي امرئ فقدت | وجيدها من رماه اليوم بالعطل |
وهل درى العالم العلوي أي فتى | لفقده العالم السفلي في وجل |
على الليالي العفا من بعد إن عدمت | قطب الأواخر بل والقادة الأول |
فالكل ينشد في تاريخه لهف | لقد تهدم ركن الدين بعد علي |
وقال تلميذه الشيخ علي زيدان يرثيه:
ألا إنما الأيام شيمتها الغدر | فأولها مد وآخرها جزر |
وفي صحوها سكر وفي صفوها قذا | وفي أمنها غدر وفي طيها نشر |
لعمر أبي ما المرء إلا كعابر | سبيلا وأيام الحياة له جسر |
فدع زهرة الدنيا ولين قناتها | إذا لاح من وجه الزمان تلك البشر |
فكم أسد غضبان يبدي ابتسامة | ورب رماد كن من تحته جمر |
لك الله قل لي هل سمعت بحادث | قضى خطبه إن ليس يعقبه صبر |
وذلك فقدان الذي كان كعبة | تحج إلى ساحاته البدو والحضر |
فتى كان للإسلام والثغر حائطا | فأضحى وفي الاسم من بعده ثغر |
فتى كان عضبا كلما هز في يده | من الحق كانت دونه البيض والسمر |
فتى كان رحب الباع في حلبة العلى | ورب جواد في العلى باعه شبر |
فتى كان للأعناق من فضله حلى | وللدر والعقيان من لفظه نثر |
فتى كان من وفر المعالي تلاده | وما كان في أيدي الرجال له وفر |
إذا ذخر الأقوام وفرا لحاجة | فما كان إلا المكرمات له ذخر |
فتى فل عضب الموت منه مهندا | وكسر المنايا ليس يوما له جبر |
فتى كبر الملبوس يوم وفاته | على أنه ما كان يوما به كبر |
وما كان ممن سامه الدهر حادث | ولكن يسام الضيم من بعده الدهر |
فتى كان أمضى من حسام مهند | إذا جل خطب الدهر أو فدح الأمر |
فتى كان مشهور المساعي إلى العلى | ويا رب سعي ليس يعقبه الشكر |
فتى ذاق مر الدهر حتى حلا له | ولولا سواد الليل ما طلع الفجر |
وما مات حتى مات من بعده الهدى | وإن لم يكن واراه لحد ولا قبر |
وضوق أعناق الليالي فضائر | كأفراد عقد الدر زين به النحر |
فضائل لا يخفى مدى الدهر نورها | يروح بها سفر ويغدو بها سفر |
سقى الغيث قبرا قد ثوى فيه سيد | له السؤدد المشهور والنائل الغمر |
فقد صار بدر التم في فلك العلى | وبحرا وقطرا دونه القطر والبحر |
هو السيد السامي إلى كل غاية | تقاعس عن إدراكها العبد والحر |
فقدناه فقدان الصبا كلما مضى | به ذكر عهد جاء من بعده ذكر |
كان ثناه العنبر الورد كلما | تضوع للأقلام من طيه نشر |
فما البدر ما ذا لشمس في رونق الضحى | لديه وما البحر الخضم وما القطر |
لقد كنت أرجو إن تنال يدي به | نجوم الثريا لو تراخى له العمر |
فلا ورد إلا صفوه اليوم لي قذا | ولا عيش إلا طمعه في فمي مر |
فمن لي على الأيام يسطو حسامه | وأدعوه للجلى إذا راعني الدهر |
ومن ذا لأفراد الرجال يبيدها | إذا ما جلت في حلبة دونها النسر |
ووراد علم واردين حياضه | إذا سدرت عنها وأحقابها سفر |
فمن ذا يحلي اليوم نحر العلا ومن | تزان به الدنيا |
ومن أمره الأمر ومن مبلغ عني نزارا بأنه | هوى بالثرى من بين أنجمه البدر |
ومن مبلغ عني لويا بأنه | أصيب لعمر الله من مجدها النحر |
وان العلا منها لعمر أبي غدت | وإظفار ريب الدهر من دمها حمر |
بعينك هل ترقى لعينيك عبرة | وهل يطيبها الغمض ما بقي العمر |
فلا تعذلي يا جارتا ذا صبابة | يبيت أخا وجد وأدمعه غزر |
فمن لي بطرف ذا شؤون بعيدة | ومن لي بقلب تحت أحشائه صخر |
أرى بعدك الأيام يا ابن محمد | عوابس لا يفتر يوما لها ثغر |
وان زمانا عال مثلك لم يزل | على كبد الإسلام من فعله حر |
إما وأبي ما نيط عقد من العلى | بعاطلة إلا وأنت له در |
ولا اجتمعت أبناء مجد وسؤدد | على موكب إلا وأنت له صدر |
سرت تخبط الظلماء من بعدك الورى | غداة ثوت في لحدك الشمس والبدر |
فلا عين إلا مسها عائر القذا | ولا أذن إلا قد ألم بها وقر |
لئن أوترت منك الليالي فطالما | على ما أرى أضحى لديك لها وتر |
وان سرت من فوق الرقاب فطالما | سرى يتحرى من فضائلك السفر |
وان خلعت منك الحياة يد الردى | فثمة مجد ليس يخلعه الدهر |
وان غاب بدر من علاك فإنما | ينوب مناب البدر أنجمه الزهر |
بني هاشم صبرا إذا ناب حادث | فأي اصطبار ليس من بعده أجر |
إذا ما ذوي غصن السماح فأنتم | بني هاشم روض السماحة والزهر |
وأي حمى تزهو به أغصن العلى | إذا ما ذوي من روضه الغصن النضر |
إذا فاخرت عدنان قحطان من على | فما كان إلا من علاكم له فخر |
فهل أنتم إلا بدور أغرة | إذا خر بدر لاح من بعده بدر |
كذاك ما زالت نزار ويعرب | إذا مات حبر قام من بعده حبر |
ورب حسود راح يغضي على قذى | وفي صدره وغر وفي قلبه غمر |
رأى منك نجم العلى غير آفل | فراح وفي الأحشاء من حقده حر |
فقولا له مهلا فما أنت والعلى | فما لك منها لا عوان ولا بكر |
بقيتم مدى الدنيا ونلتم بها المنى | ولا نالكم للدهر ناب ولا ظفر |
هو الربع من سلمى سقى دارها القطر | نأى ساكنوه فهو مستوحش قفر |
برغم المعالي إن ألم به الردى | وحك على ثاويه كلكله الدهر |
فيا طالما أشرقن في جنباته | نجوم معال لاح في أفقها البدر |
أما والهجان البزل تدمى خفافها | إذا جاب أعراض الفلاة بها السفر |
عليها رجال لا يملون من سرى | نشاوى من الادلاج تهويمهم نزر |
يؤمون قبرا دونه الشمس رتبة | ثوى فيه مولى الكل والعلم الوتر |
لقد فجع الإسلام منه بأروع | تزول به الجلي ويستدفع الضر |
شأى الكل في كل فراح مقدما | وإن كان في الأزمان أخره العصر |
همام نماه الشم من آل يعرب | به القطر يستسقى إذا أجدب القطر |
فمن مبلغ الأقيال من آل هاشم | بان العميد الفذ غيبه القبر |
له الله من خطب فقدنا به الأسى | وأمست نفوس الخلق قد عزها الصبر |
ونادى ذوو الأحلام في كل بقعة | كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر |
فيا راحلا لأمسك السوء إنني | أرى دوني الخنساء إذ فاتها صخر |
وليس البكا إن تسكب العين إنما | أحر البكا ما كابد القلب والصدر |
ويا قبره طلت السماوات رفعة | ومن دون حصبا تربك الأنجم الزهر |
ولا زال منهل الغمام ونوءه | يحييك منه الدهر مرتجز عمر |
وقال تلميذه الشيخ علي زيدان أيضا يرثيه ويرثي أخاه السيد أحمد والشيخ جعفر كاشف الغطاء ونجله الشيخ علي ويعزي السيد محمد الأمين ويمدحه ويعزي أخاه السيد محسن وابن عمه السيد كاظم ويرثي الحسين (عليه السلام):
منازل أروى كيف أقفرت من أروى | تبدلت طلح الغور من بانتي حزوى |
منازل أقمار أفلن وطالما | حبسن على ساحات أعتابها نضوا |
وقفنا بها نستنجد الدمع والأسى | عليها بأحشاء على البين لا تقوى |
وقد قلن للوجناء جدا فإنما | خلقت لغير الشيخ والحوض والمثوى |
وللركب أنضاء نشاوى من السرى | وقوفا بأطلال المرابع من أروى |
وللظاعن العجلان طارت به النوى | حنانيك سربي عن منازلكم رهوا |
عزيز على من عزة الصبر إن يرى | منازل من يهوى على غير ما يهوى |
وذا مرة غير إن مهلا فإنني | أراك غداة البين من لوعة خلوا |
وهاتفة في الروض تشكو من الجوى | تعالى أقاسمك الصبابة والشكوى |
لك الويل فات الأمر بالعلم الذي | غداة ثوى في الترب ربع العلا أقوى |
فتى فقدت فقدان خطباء ثاكل | فتاة المعالي من فضائله كفوا |
واعدت عليه للزمان حوادث | وكانت على ريب الزمان له دعوى |
فاقسم بالبزل الهجان مشيحة | تجوب الفلا أو تبلغ الغاية القصوى |
وجرد تجوب البيد تطوي بساطها | رواحا إلى حوز الأماني أو غدوى |
لقد حل بالإسلام خطب وصوحت | رياض من المجد النزاري والجدوى |
فيا قبره ما ذا تضمنت من تقى | سناه أضاء الخافقين ولا غروا |
فلو ضل ركب قاصدوك لقادهم | شذا تربك المشتق من جنة المأوى |
سقتك على رغم الحول سحائب | من الدمع إن ضن الغمام بان تروى |
فيا نجله صبرا إذا ناب حادث | فاني رأيت الصبر درعا من التقوى |
فمن ذا له يوما على الدهر أمرة | وأي فتى في الناس خلو من البلوى |
ألم ترى إن الموت دين على الورى | إذا ما تقضاه الغريم فلا يلوى |
فان إمام الكل في الكل جعفر | إليه الردى قبلا بأظفاره أهوى |
فتى جوهري المجد فردا غدا وفي | خصوص معاليه عموم العلى يطوى |
لقد كان للداعي حمى للتقى ابنما | أبا للمعالي للندى للهدى صنوا |
وان عليا نجله عيبة الهدى | قضى والمعالي عنه أخبارها تروى |
وان أمين الدين من آل هاشم | علي سنام المجد والغاية القصوى |
إليه انبرى ريب المنايا فحلقت | على الرغم عنفا بالرواية والفتوى |
رياض هدى صوحن بعد غضارة | وساحات مجد طاب في دوحها المثوى |
برغم المعالي إن تخطى إليهم | مصاب الردى والدهر نال الذي يهوى |
بعيشك هل يوما نرى بعدهم فتى | يجدد من رسم الشريعة ما أقوى |
خليلي قوما عللاني فقد صحا | بقلبي داء كنت من خطبه خلوا |
فمن مبلغ عدنان عنا وهاشما | وقحطانها إن الردى بالهدى ألوى |
بني أحمد مهما رزيتم فمجدكم | على مجد أبناء المعالي له العلوي |
بحسب العلى منكم عميدا محمد | فتى لا نرى في كل مجد له كفوا |
وحسب المجارية مغذا إلى من | علاء علمه إن ليس يرقى له شاوا |
إمام له القدح المعلى من العلى | على كل خصم في لباب العلى ألوى |
تعفت مباني الفضل لولا بنانه | ومخضل أغصان المنى كاد إن يذوى |
إذا ما عزت قوم طريفا وتالدا | رأيت سوام المكرمات له عزوى |
ومن كان بالبيض الكواعب لاهيا | فما برحت بيض المساعي له تهوى |
ومن كان ذا صبو إلى عادة الحمى | فان إلى خود المعالي له صبوى |
له في بني همدان دعوى مكارم | كبير دوي تصديق هاتيكما الدعوى |
لئن أنكر القالي علاه فعاذر | إذا أنكرت بدر الدجى مقلة عشوى |
كذبتكما إن قلت إن محمدا | على ظهرها في الخافقين له شروى |
ويا محسنا ما زلت فيما ينوبكم | شريك عنان لا يرى عنكم سلوى |
تاس احتسابا للرزايا فأنتم | لعمري جبال الحلم أوفت على رضوي |
ألا ثكلت أم الليالي فإنني | أرى ثائرا منهن لا يعرف العفوا |
ألحت بأظفار عليهم خطوبها | فلم تبق وردا من مواردهم صفوا |
فخوف ولا أمن ووجد ولا أسى | وبعد ولا قرب وطرد ولا مأوى |
هم القوم شبت في حجورهم العلى | وعيبة أسرار الإمامة والنجوى |
إليهم تناهى كل علم فلم يكن | ليعلم إثباتا سواهم ولا فحوى |
لئن ثارت منهم يد الدهر فانبرى | يشن على أحسابهم غارة شعوا |
وان ضحكت سن المنى من أمية | وأوسعت الآذان أوتارها شدوا |
وطارت بأحلام لهم طاعة الهوى | فجهلا ولا حلما وسكرا ولا صحوا |
لقد راح هذا الدين يغضي على قذى | وباتت على جمر جوانحه تطوى |
بني هاشم إن الزمان محارب | فسخطا على هذا الزمان ولا عفوا |
إلى كم نعاني ما نعانيه من جوى | وحتام تطوينا الخطوب ولا نطوى |
ولولا مصاب السبط ما راعني أسى | ولا شفني خطب ولا سامني شجوا |
وكيف يراع المرء من حادث عرا | وقد صار طعم الموت في فمه حلوا |
ويا قاتل الله الزمان فإنني | أرى من دم الإسلام أسيافه تروى |
هو الخطب لا أطلال هند ولا حمى | خلا من رشا ألمى ومن شادن أقوى |
بني هاشم ما ذا بلغتم من العلى | شأيتم بني الدنيا ولم تسرعوا الخطوا |
وجر نداكم في سما المجد ذيله | فبذ الفريقين الحضارة والبدوا |
متى يستقر الأمر في مستقره | وتجري مقاليد الزمان كما نهوى |
إما وأبيكم يا بني المجد إن لي | عنان هوى عنكم مدى الدهر لا يلوى |
سقى الرائح الغادي حماكم وإن يكن | لعمر أبي جهد الحيا عندكم عفوا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 318