أبو القاسم علي بن الحسين الأزدي المعروف بالوزير المغربي
قال ابن أبي الحديد في شرح النهج: حدثني أبو جعفر يحيى بن محمد بن زيد العلوي نقيب البصرة قال لما قدم أبو القاسم علي بن الحسين المغربي من مصر إلى بغداد استكتبه شرف الدولة أبو علي بن بويه وهو يومئذ سلطان الحضرة وأمير الأمراء بها والقادر خليفة ففسدت الحال بينه وبين القادر واتفق لأبي القاسم المغربي أعداء سوء أوحشوا القادر منه وأوهموه أنه اتفق مع شرف الدولة في القبض عليه وخلعه من الخلافة فأطلق لسانه في ذكره بالقبيح وأوصل القول فيه والشكوى منه ونسبه إلى الرفض والقدح في السلف والى كفران النعمة وانه هرب من يد الحاكم صاحب مصر بعد إحسانه إليه.
قال النقيب أبو جعفر أما الرفض فنعم وأما إحسان الحاكم إليه فلا. كان الحاكم قتل أباه وعمه وأخا من أخوته وافلت منه أبو القاسم بخديعة ولو ظفر به لألحقه بهم، قال أبو جعفر وكان أبو القاسم المغربي ينسب في الأزد ويتعصب لقحطان على عدنان وللأنصار على قريش وكان غاليا في ذلك مع تشيعه وكان أديبا فاضلا شاعرا مترسلا وكثير الفنون عالما وانحدر مع شرف الدولة إلى واسط فاتفق إن حصل بيد القادر كتاب بخطه شبه مجموع قد جمعه عن خطه وشعره وكلامه مسودا أتحفه به بعض من كان يشنا أبا القاسم ويريد كيده فوجد القادر في ذلك المجموع قصيدة من شعره فيها تعصب شديد للأنصار على المهاجرين وفيها تصريح بالرفض مع ذلك فوجدها القادر ثمرة الغراب وأبرزها إلى ديوان الخلافة فقريء المجموع والقصيدة بمحضر من أعيان الناس من الأشراف والقضاة والمعدلين والفقهاء ويشهد أكثرهم أنه خطه وإنهم يعرفونه كما يعرفون وجهه وأمر بمكاتبة شرف الدولة بذلك فإلى إن وصل الكتاب إلى شرف الدولة بما جرى اتصل الخبر بأبي القاسم قبل وصول الكتاب إلى شرف الدولة فهرب ليلا ومعه بعض
غلمانه وجارية كان يهواها ويتحظاها ومضى إلى البطيحة ثم منها إلى الموصل ثم إلى الشام ومات في طريقه فأوصى إن تحمل جثته إلى مشهد علي فحملت في تابوت ومعها خفراء العرب حتى دفن بالمشهد بالقرب منه (عليه السلام)، وكنت كل برهة أسال النقيب أبا جعفر عن القصيدة وهو يدافعني بها حتى أملاها علي بعد حين وقد أوردت هنا بعضها لأني لم أستجز إيرادها على وجهها وهو يذكر في أولها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقول أنه لولا الأنصار لم تستقم لدعوته دعامة ولا أرست له قاعدة فمن جملتها:
نحن الذين استجار فلم يضع | فينا وأصبح في أعز جوار |
بسيوفنا أمست سخينة بركا | في بدرها كنحائر الجزار |
ولنحن في أحد سمحنا دونه | بنفوسنا للموت خوف العار |
فنجا بمهجته فلولا ذبنا | عنه تنشب في مخالب ضاري |
وحمية السعدين بل بحماية | السدين يوم الجحفل الجرار |
في الخندق المشهور إذ ألقى بها | بيد ورام دفاعها بثمار |
قالا معاذ الله إن هضيمة | لم نعطها في سالف الأعصار |
ما عندنا إلا السيوف واقبلا | نحو الحتوف بها بدار بدار |
ولنا بيوم حنين أثار متى | تذكر فهن كرائم الآثار |
لما تصدع جمعه فغدا بنا | مستصرخا بعقيرة وجوار |
عطفت عليه كماتنا فتحصنت | منا جموع هوازن بفرار |
وفدته من أبناء فيلة عصبة | شروى البقير وجنة البقار |
ما الأمر إلا أمرنا وبسعدنا | زفت عروس الملك غير نوار |
لكنما حسد النفوس وشحها | وتذكر الأذحال والأوتار |
أفضى إلى هرج ومرج فانبرت | عشواء خابطة بغير نهار |
ثم ارتدى المحروم فضل ردائها | فغلت مراجل أحنة ونفار |
فتآكلت تلك الجذى وتلظمت | تلك الظبا ورقى أجيج النار |
تالله لو ألقوا إليه زمامها | لمشى بهم سمحا بغير عثار |
ولو إنها حلت بساحة مجده | بادي بدا سكنت بدار قرار |
هو كالنبي فضيلة لكن ذا | من حظه كأس وهذا عاري |
والفضل ليس بنافع أربابه | إلا بمسعدة من الأقدار |
ثم امتطاها عبد شمس فاغتدت | هزؤا وبدل ربحها بخسار |
وتنقلت في عصبة أموية | ليسوا بأطهار ولا أبرار |
ما بين مأفون إلى متزندق | ومداهن ومضعف وحمار |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 187