الشيخ علي ابن الشيخ حسن ابن الشيخ مهدي بن حسن بن حسين بن محمود بن محمد آل مغنية العاملي والد شيخنا الفقيه الشيخ حسين مغنية الشهير المعاصر
ولد سنة 1256 وتوفي سنة 1278 أو سنة 1283 عن اثنتين وعشرين أو سبع وعشرين سنة وكان أبوه قد توفي في العراق مهاجرا إلى طلب العلم كما ذكرناه في بابه وتخلف بصاحب الترجمة وأخيه مصطفى قرأ المترجم أولا في جبل عامل على الشيخ الجليل الشيخ محمد علي عز الدين وعلى غيره ثم ذهب سنة 1271 مع عمه الشيخ حسين إلى النجف الأشرف لطلب العلم على سنة آبائه وأجداده وأهل بيوتات العلم العاملية فنبغ نبوغا فائقا وظهر عليه من مخائل النجابة وحدة الفهم وسرعة الانتقال ما بهر العارفين وبلغ من العلم والفضل في المدة القصيرة ما لم يبلغه غيره في السنين الكثيرة حتى تبرم به معلموه من كثرة ما يورد عليهم من الأسئلة والاعتراضات التي لا يجدون لها جوابا بحيث لا يترك اعتراضا ولا سؤالا ولا دقيقة من الدقائق يمكن إيرادها إلا تنبه لها وسال عنها ثم وافاه حمامه ولم يمهله زمانه وعمره سبع وعشرون سنة وكان قد تزوج كريمة ابن عم والدي العلامة المتبحر السيد كاظم ابن السيد أحمد العاملي وكانت من فضليات النساء وحيدة في تقواها ومحاسن أخلاقها وأمها بنت الشيخ مشكور العالم الفقيه النجفي المشهور فرزق منها ولدا وهو الفقيه القدوة الشيخ حسين مغنية الشهير المعاصر وبنتا فتوجه بها وبولديها أخوها السيد أحمد ليوصلهم إلى جبل عامل وفي أثناء الطريق خرج عليهم الأعراب فقتل السيد أحمد وعادت أخته وولداها إلى العراق ثم رجعوا إلى جبل عامل.
ذكره عمه الشيخ محمد آل مغنية في كتابه جواهر الحكم ودرر الكلم فقال: نشأ آية في هذا القرن قرأ القرآن لأربعة أشهر ونصف بدون زجر ولا تشديد عليه ولما بلغ العشر سنين كان قد أتقن علمي النحو والصرف فلما كمل عمره اثنتي عشرة سنة كان أحق الناس بالتقدم اجتمع وهو في هذه السن في صيدا ببعض قضاة ماهرين درسوا في الجامع الأزهر فأبهرهم ما رأوا من علمه وفضله وتحدثوا عنه واثنوا عليه في بيروت بمحضر أمير أمراء سوريا حمد البك ولما حضر إلى مركزه تبنين زرناه جميعا فسأله البك مسائل نحوية أجاب فيها أحسن جواب فاثنى عليه واعتنى بشأنه وبعد ما كان في دائرتنا انحزنا لدائرته وانجررنا بإضافته وزادت عنايته بنا وكثر سؤاله عنا وخيره إلينا ولما بلغ خمس عشرة سنة عزمنا على إرساله للعراق فاستخرنا الله جل شانه فخار الله له ولأخي حسين فجمعت لهما ما لزم وسافرا إلى العراق سنة 1271 وشيعتهما إلى قبيل كفر رمان من عمل الشقيف ورجعت إلى طارفي وتالدي واشتغلت بإصلاح شؤون العائلة فوصلا إلى النجف واشتغلا بالتحصيل وسرى ذكرهما في العراق والشام وبعد مضي أربع سنين توفي أخي الأكبر حسين وبقي ابن أخي يجد في طلب العلم سمعت ممن يوثق به من أهل الفضل والتقوى إن صاحب الترجمة كان يلقب في النجف بالشهيد لأنه نبغ على صغر سنه بحيث لم تباره الشيوخ الأفاضل وكذلك سمعت من العلامة شيخنا الشيخ موسى شرارة أنه سمع منه أبحاثا حين قراءة الدروس وتحقيقات ما سمعت من علماء هذا العصر وقد فات الكل وانعقدت على فضله الخناصر ولو بقي لكان المرجع العام وسمعت من أنه سمع من بعض الشيوخ الطاعنين في السن المسلم الرجوع إليهم أنه قال:
جرى ذكر المترجم وما وصل إليه وارتقاه من الدرجات اسمعوا حتى أحدثكم بحديث غريب جاءني الشيخ حسن مغنية ومعه ابن أخيه الشيخ علي والتمسني إن أباحثه درسا في مغني اللبيب فازدريت المباحث لصغر سنه وقلت في نفسي بعد أربعين سنة قضيتها في الأصول والفقه أباحث حدثا مبتدئا في علم النحو فلم اقبل وبعد ثلاث سنين كنت راكبا في الطرادة الزورق متوجها للزيارة ومعي جماعة من الفضلاء ومعنا المترجم فجرت المذاكرة في مسالة أصولية غامضة فذهب القوم فيها كل مذهب فنهض المترجم من بين القوم وأخذ ينقض ويبرم وبين وجه الصواب فيها وفند أقوال الحاضرين فعجبت منه وعظم في عيني وقلت هذه موهبة سماوية ليست من اشتغال سنتين أو ثلاث سنين وقلت بعدها لجماعة إن الشيخ علي مغنية لا يعيش ولا يعمر من فرط ذكائه وحدة فهمه فيخشى عليه.
(وروى) البر التقي الورع الصدوق الشيخ محمد سليمان الزين إن المترجم كان يكتب في العلوم التي يقرأها فيأتي بالعجب العجاب ونقل المذكور أيضا عن مشاهدة وعيان إن المترجم كان يحضر درس فقيه العصر والمرجع العام شيخنا الشيخ محمد حسين الكاظمي نفعنا الله ببره وبركته وكان يباحث في جملة مسائل أثبتها في كتابه الكبير فيعارضه المترجم فيها فيعدل عنها عندما يلوح له الصواب من كلامه جرى ذلك غير مرة وكنا نرجو به أحياء مدارس علوم آبائه بعد ما تعطلت مشاهدها ومعاهدها وسدت مصادرها ومواردها إلى إن فات ما لا بر طالبه وبالضرع حالبه فانتقل لرحمة الله ورضوانه وهو ابن اثنتين وعشرين سنة بعد وفاة عمه الشيخ حسين بثلاث سنوات. فكانت مدة إقامته بالعراق سبع سنوات وذكر في موضع آخر إن عمره كان سبعا وعشرين سنة والله أعلم.
ومن مكارم أخلاقه إن الشيخ علي الفرعي الحجازي الذي هو من عرب الفرع كان يطلب العلم في النجف الأشرف فمرض فقام بخدمته وباشره لأنه غريب ليس له من يباشره وصرف عليه من ماله، وهذا الذي ذكره في حدة ذهن المترجم وامتيازه واشتهاره بالفضل سمعناه مستفيضا بالنقل، ولقد أرسله خاله الحاج حسن عسيران إلى العراق مع ابن أخيه الحاج محمد عسيران وكان ينفق عليهما مدة إقامتهما ولكن الحاج محمد لم يمكث كثيرا فيها بل قفل راجعا إلى بلده صيدا واشتغل بالتجارة وبقي الشيخ علي في النجف مشتغلا بالدرس والتدريس إلى إن صار من المبرزين وكان من أجلة تلامذة الشيخ محمد حسين الكاظمي واشترى له خاله الحاج حسن عسيران كتاب في الفقه والأصول والتفسير والتاريخ والحكمة والكلام ما تبلغ قيمته خمسين ليرة عثمانية ذهبية ولكن الشيخ جعلها تحت يده أمانة لأنه كتب على كل منها، ما هذا صورته: بسم الله تعالى. في ملك جناب الخال الحاج حسن عسيران سلمه الله تعالى وهو عارية بيد محرره الجاني علي مغنية العاملي عفى الله عنه في سنة 1282.
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 185