عبيد الله بن العباس أراد رجل إن يضار عبيد الله بن العباس فأتى وجوه قريش فقال يقول لكم عبيد الله تغدوا عندي اليوم فاتوه فملئت عليه الدار فقال ما هذا فأخبر بما صنع الرجل فأرسل إلى السوق فجيء بالفاكهة وأرسل قوما فذبحوا وخبزوا وشووا فلم ينقض اكلهم الفاكهة حتى جاء الطعام ثم قال لوكلائه فليتغد عندنا هؤلاء في كل يوم. وخرج عبيد الله يريد معاوية فاصابته السماء وهو في أرض قفر ليلا فرفعت له نار فقال لغلامه مقسم اقصد بنا النار فأتاها فإذا شيخ معه أهله وكان عبيد الله من أجمل الناس فلما رآه الشيخ أعظمه وقال لامرأته إن كان هذا قرشيا فهو من بني هاشم وإن كان يمانيا فهو من بني آكل المرار فهيء لنا عنزك اقض بها ذمامه قالت إذا تموت ابنتي من الجوع قال الموت خير من اللؤم فأخذ الشفرة وقام إلى العنز وهو يقول:
قرينتنا لا توقظي بنيه | إن توقظيها تنحب عليه |
وتنزع الشفرة من يديه | أبغض بهذا وبذا إليه |
فذبحها وحدث عبيد الله حتى نضجت فأكل منها عبيد الله وباتا ليلة فلما قرب الرحيل قال لمقسم كم معك من نفقتنا قال خمسمائة دينار قال القها إلى الشيخ قال مقسم سبحان الله إنما كان يكفيه إن تضعف له ثمن عنزة والله ما يعرفك ولا يدري من أنت قال لكني اعرف نفسي وأدري من أنا هذا لم يكن له من الدنيا غير هذه العنز فجاء لنا بها وهو لا يعرفنا فخرج من دنياه وأعطيناه بعض دنيانا فهو أجود منا وسار عبيد الله حتى قدم على معاوية وقضى حوائجه فلما انصرف قال يا مقسم مر بنا على الشيخ ننظر كيف حاله فإذا إبل عظيمة وانشده الشيخ شعرا قال فيه:
توسمته لما رأيت مهابة | عليه وقلت المرء من آل هاشم |
وإلا فمن آل المرار فإنهم | ملوك ملوك من ملوك خضارم |
فقمت إلى عنز بقية أعنز | فاذبحها فعل امريء غير عاتم |
فعوضني منها غناي ولم تكن | تساوي عناقي غير خمس دراهم |
فقالت لعرسي في الخلا ووصيتي | أألحق هذا أو هو أضغاث حالم |
فقالوا جميعا لا بل الحق هذه | يخب بها الركبان وسط المواسم |
بخمس مئين من دنانير عوضت | من العنز ما جادت بها كف حاتم |
فبلغ ذلك معاوية فقال لله عبيد الله من أي بيضة خرج ومن أي عش درج وروي إن عبد الله بن عباس أتى الحسن والحسين فقال إن أخي وأخاكما يريد عبيد الله قد أسرع في ماله إسراعا قد خفت منه على نفاده وله صبية قد خفت إن يدعهم عالة وقد عاتبته في ذلك مرارا ولا أراه يقلع ولا ينزع وأرجو إن يكون لكما مطيعا وإن قولكما عنده مقبولا فلو عاتبتماه فقالا نفعل فصارا إليه فلما دخلا وجداه يطعم الناس فإذا جزر تنحر فقال أحدهما لصاحبه هذا بعض ما شكاه عبد الله فاستقبلهما وأسهل لهما عن فراشه ولقيهما بالإجلال والإعظام وقالا أتيناك في حاجة فقال الحوائج بعد الغداء قالا فهاته فقال ما كنت لأغديكما بنحيرة لغيركما فاحتبسهما حتى نحر لهما فلما طعما قالا إن أخانا وأخاك عبد الله سألنا معاتبتك على إسرافك في مالك وقد رأينا بعض ما شكا ولك بنون ولسنا نأمن عليهم الضيعة بعدك فقال ما لقولكما عندي مرد ولا لي عما تأمراني مدفع لكني أخبركما بقصتي وارد الأمر إليكما فما أمرتماني به أتيته وما نهيتماني عنه وقفت عنده إن الله تبارك وتعالى عودني عادة جميلة فعودتها عباده ولست آمن إن قطعت عادتي عن عباده إن يقطع عادته عني فقالا لا نأمرك في هذا بشيء وانصرفا حامدين لأمره.