الشيخ عبد المحسن الكاظمي بن محمد بن علي بن المحسن
ولد سنة 1288 في حي الدهانة ببغداد. هاجر سنة 1897 م إلى إيران فالهند وانتهى به المطاف إلى مصر سنة 1899 م وتوفي فيها سنة 1354 ه. قال رفائيل بطي: روى في شيخوخته للصحفي المصري طاهر الطناحي عن حياته ما خلاصته: أخذني أهلي في طفولتي إلى كتاب فقيهة في البلد، انتقلت من عندها إلى معلم إيراني يعلمني الفارسية، لأن أبي تاجر، ولتجار العراق صلات وثقى بإيران والأفغان والهند، والمكاتبة التجارية بهذا اللسان، فدرست عنده ستة أشهر حتى إذا ترك مهنته قصدت إلى مدرس عربي، لم أثابر على التعلم عنده طويلا، وقادني ولعي بالقراءة إلى تطلب المخطوطات العربية والفارسية وتصفحها، وكانت من حولي في الكاظمية كثيرة. أما كيف هوى العلم والأدب، وأبوه يتعاطى التجارة، فيقول أنه رأى تكريما عظيما لرجل في مجلس جده فسال من يكون؟ فأجيب بأنه عالم، فعلقت نفسه بالعلم والأدب، ومال عن تجارة أبيه، وقد أعانه أخوه محمد حسين على المسلك الأدبي، وكان أخوه يقول الشعر، وأكثر ما انساق إلى كتب الأدب. وأخذ يعب من المعين الأدبي، يقرأ ويحفظ الأشعار التي يستملحها، في غفلة من أقاربه، حتى فضحته مطارحة شعرية مع أخيه وزملاء له، وقد بدأ يقول الشعر في السادسة عشرة من سنيه.
ولم يفد مع الفتى الموهوب إغراء أبيه بالتجارة، ولا أفلح صرفه إياه عن تعاطي صناعة لا سوق لها، ثم عالج زمنا الزراعة بوحي البيئة أيضا، فالقوم كانوا منشغلين في ذلك العهد بالزراعة، وقليل منهم بالتجارة حتى إذا باء بالفشل تاجرا ومزارعا انكفا إلى كتبه ودفاتره. وانكب على القراءة والكتابة والنظم. وهيأت له الأيام شاعرا كبيرا انتجع الكاظمية مستروحا، هو السيد إبراهيم الطباطبائي النجفي، فتتلمذ عليه وأخذ عنه وحاكاه في سرعة البديهة.
بهذا الهوس انهمك عبد المحسن في حفظ الشعر العربي القديم، وأسعفته حافظته فوعى أكثر من اثني عشر ألف بيت من مختار القصيد، وكانت تواتيه ذاكرته أيضا، فبرز راوية يشار إليه بالبنان، حتى غدت له سليقة في محاكاة الفحول من الشعراء الذين حفظ آثارهم، بل كان يذكر ويروي قصائده ومعظمها من المطولات، بينها ذات المئين، مع إن بعض كبار الشعراء، لم يكن يحفظ قصيدته الواحدة بتمامها. فما بلغ العشرين ربيعا إلا وقد احتل في ديوان الأدب مكانا ملحوظا.
ولما وفد على العراق السيد جمال الدين الأفغاني منفيا من إيران تعرف الشاعر الفتى بجمال الدين ولازمه، وأخذ عنه طرفا من العلوم، وتوجيها في التفكير، واعتنق مبادئه. ثم نفي الأفغاني من العراق، ولاحقت النقمة من كان يلوذ به من شباب الجيل، فتحرج موقف الكاظمي، فتناولته عيون السلطة، وضايقته السعاية والكيد حتى بين ذوي قرباه. ولو لم يتداركه قائد عسكري شهم هو رجب باشا لإصابة المكروه. وفقد في أيام المحنة وهو يشاغل الأرصاد والمتعقبين رزمة من كتب وأوراق فيها شعره وكتاباته رماها في النهر صديق أشفق عليه من يد الجند واعتزم الهجرة. ولئلا يقع في الفخ لاذ بالقنصلية الإيرانية ببغداد، ولبيته فيها شأن مرموق، إذ كان أحد أجداده يتاجر بالجلود في إيران فسمي بالفارسية بوست فروش ولصق هذا اللقب بأسرته دهرا طويلا. ومن هذا المخبأ تسلل إلى البصرة وجنح إلى أبو شير حيث صرف أشهرا، ثم عاد إلى بغداد اعتمادا على تحسين صديق بزوال المانع، فلم يصدق فاله. فرحل ثانية إلى إيران عام 1897، وشخص إلى الهند وتوجه إلى مصر على إن يبرحها إلى إسطنبول، ثم يرجع إلى مسقط رأسه. وفي مصر مرض فقعد عن السفر، وكتب له إن يتوطنها إلى غاية العمر، وقد ضعف بصره، وكاد إن يفقده في أخريات أيامه.
قدم عبد المحسن الكاظمي مصر أديبا مكتمل الأداة، وشاعرا جيد النظم. في شعره رصانة، وفي بداهته مثار إعجاب وإكبار، وتنسم في ظلال مصر نسيم حرية في الجو الفكري، ومجالا للقول الصريح، وصحائف تنطق بالكلمة الحرة فيدوي صداها في المجتمع ومن مصر اتصل اتصالا وثيقا بالشيخ محمد عبده وقد كانت حياته في مصر حياة ضيق مالي شديد.
ورغما عن ذلك فان منزلته الاجتماعية لم يمسها إعوازه المال فشارك في المساعي للدعاية العربية وأرسل القوافي وأنشد القصائد هز بها المحافل، وكانت حياته على ضفاف النيل ترضى طموحه الأدبي.
ومن بدء إذاعة الصحف المصرية شعره استحسنه الناس واستجاده الأدباء وأفسح لقائله مجال الاتصال بأعيان البيان، فانعقدت أواصر الصداقة بينه وبين البارودي وصبري وحافظ ومطران، وهم في الرعيل الأول بين فرسان البلاغة، كما إن بين كبار الأدباء المصريين من أعجب به وأفاد منه كثيرا في مقدمتهم مصطفى صادق الرافعي، وإن مزاياه الشعرية بميزان ذلك الطور رفعته إلى مقام عال فعدوه في الطبقة الأولى بين الشعراء، ومما يؤثر إن أدباء العراق لم يكونوا يرون له هذا الفضل الكبير، كما أثبت هذه الملاحظة الأفاضل العامليون الثلاثة الذين جمعوا المختار من شعره عشرة شعراء عراقيين، وطبعوه في صيدا بعنوان العراقيات ولكن هذا لم يحل دون اتساع شهرة الكاظمي في مضمار الشعر الرصين ونعته بشاعر العرب وإن يظل قرابة خمسين سنة ينشد الجزل الرقيق فيحظى بالسيرورة في العالم العربي، ويتناقل شعره الرواة مستجيدين، ويعده المصريون ترجمان العروبة الصادق، ويهول المتصفح لفيض طبعه ودعوته الصارخة هذا الأمد الطويل إلى احياء مجد العرب، واستجلاء ألواح تاريخهم المجيد.
تزوج عام 1915 فتاة مصرية، وهي عائشة محمود التونسي، وأنجب منها بنين وبنات، لم يعيشوا إلا أياما، فما خلف غير بنت هي السيدة رباب، التي كان يحبها حبا جما، وقال فيها شعرا رقيقا، تغزل بها صبية تغزلا معجبا نم عما تشغله من قلبه الثاكل.
وكانت خاتمة حياته في مصر الجديدة من ضواحي القاهرة يوم الخميس في 2 مايو سنة 1935 ودفن فيها، وانتبهت حكومة العراق بعد حين، قررت إن تكرم شاعر الشطين بعد إن غيبته الصفائح، فشيدت له ضريحا لائقا في مقبرة الإمام الشافعي في العاصمة المصرية، نقلت رفاته إليه في حفل يوم 1 مايو سنة 1947. والمزية التي تفرد بها، بحيث سبق الأنداد والنظراء، هي طول النفس في الشعر، والارتجال على البداهة. لا يقف عند ارتجال البيتين أو الأبيات الأربعة، بل يتجاوز إلى العشرات بل المئات، وقد سجل له تاريخ الحركة الأدبية في هذا الميدان تفوقا مميزا.
واختص بطريقة في تغنيه بشعره تغنيا بدويا، وقد أخذ عنه حافظ إبراهيم هذا التغني بمنظومه.
أما شعره وقيمته الفنية فتعلو على الأكثر من ناحية الأسلوب الجزل وروعة الديباجة ومكان الابداع في صدق لهجته وانطباعه على القول. وأكثر نظمه من وحي الساعة. ومن جماع ظروفه ونشأته وثقافته العربية تولدت عنده هذه الخصائص، فمشى على غرار قدماء الشعراء الذين اكتنزت حافظته روائعهم. فاحتذاهم في الطراز، ولم يقلدهم في معانيهم، وإن تميزت ألفاظهم وتعابيرهم في نسج قصائده، فذلك محصوله من اللغة وفصيح العبارة.
ولكنه لم يكن يتقعر أو يغرب في التلفظ أو التصوير. وعبد المحسن وإن لم يحلق بعيدا في أجواز الشعر فهو لم يسف أيضا إلى درك الابتذال.
ويظهر أنه قد عالج التأليف في فجر شبابه، فألف كتاب البيان الصادق في كشف الحقائق في وصف بعض أدواء المجتمع. وكتاب تنبيه الغافلين وليسا موجودين الآن، ولعلهما من جملة ما فقد من آثاره أوقات الحرج قبل إن يغادر وطنه الأول. وقد طبع له بعد وفاته ديوان كبير. انتهى.
وروى سليم سركيس في مجلته عندما احتفى بالشاعر الكاظمي، إن الدكتور شدودي تلا قصيدة مدح بها الشاعر المحتفى به فلما فرع من تلاوتها أجابه الكاظمي عليها مرتجلا قصيدة كبرى من بحر القصيدة التي مدحه بها الطبيب شدودي، ويقول سركيس: كنا أكثر من كاتب نسجل ما ينظم فلا نلحق به.
فمن هذه القصيدة قوله يخاطب الشاعر الطبيب:
أ ذكيت يا آسي العيون | فؤاد صب مكتئب |
أ ذكرتني عهد الشباب | وما قضيت من الإرب |
فمن الرباع إلى اليفاع | إلى التلاع إلى الكثب |
ومن الخصور إلى النحو | ر إلى الثغور إلى الشنب |
حيث الهوى غض تهز | خطاه اعطاف القضب |
والروض تصقل زهره | أيدي الرباب المنكسب |
والسرب من عفر الظبا | يبدو وآخر ينسرب |
أرأيت كيف العلم اطلع | من شموس لم تغب |
ركبوا الهواء ومهدوا | طرق الهواء لمن ركب |
وتناولوا هام السماء | ومزقوا شمل السحب |
باتوا وبات وليدهم | في المهد يهزأ بالنوب |
فمن المهاد إلى النجاد | إلى الطراد إلى الغلب |
ومن الأديم إلى الغيوم | إلى النجوم إلى القطب |
ولما نقلنا للبواخر رحلنا | وعفنا المطايا وهي عجفاء ظلع |
هجمنا على جيش من الموج ضارب | بزخاره نحو السما يترفع |
يطالعنا من كل فج كأنه | جبال شروري أقبلت تتقلع |
ولما تبينت السويس وسار بي | إلى النيل سيار من البرق أسرع |
فكم قائل سر نحو مصر تر المنى | وأنت على كل البلاد أمير |
فقلت لهم والدمع مني مطلق | أسير وقلبي بالعراق أسير |
ردد الذكرى وحيا البطلا | ومضى في قوله مسترسلا |
شاعر مطلقة أدمعه | وجد الدنيا له معتقلا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 93