أبو أحمد عبد الله بن محمد بن ورقاء الشيباني هو عم جعفر بن ورقاء بن محمد بن ورقاء المتقدم في محله كان من أمراءبني ورقاء وشعرائهم ويدل على أنه عم جعفر المذكور قول أبي فراس في أبياته الآتية من ظلم عمك يا ابن عم وقول جعفر بن ورقاء في أبياته الآتية أيضا وجور ما قد قال عم كما نبهنا عليه في ترجمة جعفر المذكور قال في اليتيمة: أبو محمد جعفر وأبو أحمد عبد الله أبناء ورقاء الشيباني من رؤساء عرب الشام وقوادها المختصين بسيف الدولة وما منهما إلا أديب شاعر جواد ممدح وبينهما وبين أبي فراس مراسلات ومجاوبات. ولما قتل الصباح مولى عمارة المحرفي وكان سيف الدولة قلده قنسرين فقصد قاتليه مطالبا لهم بدمه ثم كف عنهم عن قدرة وأقرهم بالجزيرة بتوسط أبي فراس وسمع أبو أحمد بن ورقاء الشيباني الخبر في ذلك فقال قصيدة يهنيء بها سيف الدولة بغزوته هذه ويفاخر مضر بأيام بكر وتغلب في الجاهلية والإسلام أولها.
ارسما بسابروج أبصرت عافيا | فأذكرك العهد الذي كنت ناسيا |
إلا ليت شعري والحوادث جمة | وما كنت من دهري إلى الناس شاكيا |
أمخترمي ريب المنون بحسرة | تبلغ نفسي من شجاها التراقيا |
إلى الله أشكو إن في الصدر حاجة | تمر بها الأيام وهي كما هيا |
وإنهم لما استهاجوا صياله | وما كان عن مستوجب البطش دانيا |
لعل خيال العامرية زائر | فيسعد مهجور ويسعد هاجر |
فقل لبني ورقاء إن شط منزل | فلا العهد منسي ولا الود داثر |
وكيف يرث الحبل أو تضعف القوى | وقد قربت قربى وشدت أواصر |
أبا أحمد مهلا إذا الفرع لم يطب | فلا طبن يوم الافتخار العناصر |
أ تسمو بما شادت أوائل وائل | وقد غمرت تلك الأوالي الأواخر |
وتطلب العز الذي هو غائب | وتترك العز الذي هو حاضر |
يسر صديقي إن أكثر واصفي | عدوي وإن ساءته تلك المفاخر |
نطقت بفضلي وامتدحت عشيرتي | وما أنا مداح وما أنا شاعر |
أشاقك بالخال الديار الدواثر | روائح مجت آلها وبواكر |
عمرن بعمار من الأنس برهة | فهاهن صفر ليس فيهن صافر |
أ خلت بمغناها دمى وخرائد | وحلت بأقصاها مها وجاذر |
أ هن عيون باللحاظ دوائر | على عاشقيها أم سيوف بواتر |
ضعائف يقهرن الأشداء قدرة | عليهم وسلطان الصبابة قاهر |
ألا يا بن عم يستزيد ابن عمه | رويدك إني لانبساطك شاكر |
تصفحت ما أنفذته فوجدته | كما استودعت نظم العقود الجواهر |
وذكرني روضا بكته سماؤه | وضاحكه مستأسد وهو زاهر |
عرائس يجلوها عليك خدورها | ولكنما تلك الخدور دفاتر |
فعدلا فان العدل في الحكم سيرة | بها سار في الناس الملوك الأساور |
قل لابن ورقا جعفر | حتى يقول بما علم |
هل أنت يوما منصفي | من ظلم عمك يا ابن عم |
أبلغه عني ما أقول | فأنت من لا يتهم |
إني رضيت وإن كرهت | أبا محمد الحكم |
أنتم كما قد قلت بل | أعلى وأشرف يا ابن عم |
ولكم سوابق كل فخر | واللواحق من أمم |
لم يعل منكم شامخ | فوق الشواهق والقمم |
إلا ولاحقه ينيف | على ذراه كالعلم |
ودعوت شيخك وابن | عمك جعفرا فيما ألم |
من عدل قولك حين قلت | وجور ما قد قال عم |
فقضى عليه وقد قضى | بالحق لما إن حكم |
إن الذي أبدى الفخار | لسادة ملكوا الأمم |
في عصرهم وزمانهم | ولهم قديم في القدم |
ليسوا كمن لا يبلغ الـ | ـعلياء إلا بالرمم |
هذا قضائي إن نحا | للحق عم والتزم |
أحسنت والله العظيم | نظام بيتك حين تم |
فيما ذكرت من السيوف | وما ذكرت من النعم |
حتى كان بنظمه | للحسن درا ينتظم |
وشكوت أشواقا إلي | تحسن قلبك بالألم |
أفديه قلبا عاليا | فوق الفضائل والهمم |
قد فاض فيضا بالسماح | وقد تحرك بالكرم |
فسيول جدواه تحر | ك بالشهامة عن ضرم |
وقد انبرى لي منعما | يا طيب ذلك في النعم |
وأزل لي من بره | أزكى وأطيب ما قسم |
فلأشكرن صنيعه | حتى أغيب في الرجم |
قلوب فيك دامية الجراح | وأكباد مكلمة النواحي |
وحزن لا نفاد له ودمع | يلاحي في الصباية كل لاحي |
أ تدري ما أروح به وأغدو | فتاة الحي حي يني رياح |
ألا يا هذه هل من مقيل | لفتيان الصبابة أو مراح |
فلو لا أنت ما قلقت ركابي | ولا هبت إلى نجد رياحي |
ومن جراك أوطنت الفيافي | وفيك غذيت ألبان اللقاح |
رمتك من الشام بنا وجايا | قصار الخطو دامية الصفاح |
تجول نسوعها وتبيت تسري | إلى غراء جائلة الوشاح |
إذا لم تشف بالغدوات نفسي | وصلت لها غدوي بالرواح |
يقول صحابتي والليل داج | وقد هبت لنا ريح الصباح |
لقد أخذ السرى والليل منا | فهل لك إن تريح بجو راح |
فقلت لهم على كره أريحوا | وفي الذملان روحي وارتياحي |
إرادة إن يقال أبو فراس | على الأصحاب مأمون الجماح |
فكم أمر أغالب فيه نفسي | ركبت فكان أدنى للجناح |
أصاحب كل خل بالتجافي | وآسو كل داء بالسماح |
وأنا غير اثام لنحوي | منيع الدار والمال المراح |
وأنا غير بخال لنحمي | جمام الماء والمرعى المباح |
لاملاك البلاد علي ضرب | يحل عزيمة الدرع الوقاح |
ويوم للكماة به عناق | ولكن التصافح بالصفاح |
وما للمال يزوى عن ذويه | ويصبح في الرعاديد الشحاح |
لنا منه وإن لويت قليلا | ديون في كفالات الرماح |
لسيف الدولة القدح المعلى | إذا استبق الملوك إلى القداح |
لأوسعهم مذانب ماء واد | وأغزرهم مدافع سيب راح |
أتاني من بني ورقاء قول | ألذ جنى من الماء القراح |
وأطيب من نسيم الروض حفت | به اللذات من روح وراح |
تبكي في نواحيه الغوادي | بأدمعها فتبتسم الأقاحي |
عتابك يا ابن عم بغير جرم | أشد علي من وخز الرماح |
وما أرضى انتصافا من سواكم | وأغضي منك عن ظلم صراح |
أظنا إن بعض الظن إثم | أمزجا رب جد في مزاح |
أريتك يا ابن عم بغير عذر | عدوت عن الصواب وأنت لاحي |
أ أجعل في الأوائل من نزار | كفعلك أم بأسرتنا افتتاحي |
أ من كعب نشأ بحر العطايا | وأكرم مستغاث مستراح |
وصاحب كل عضب مستبيح | أعاديه ومال مستباح |
وهذا السيل من تلك الغوادي | وهذي السحب من تلك الرياح |
وكيف أعيب مدح شموس قومي | ومن أضحى امتداحهم امتداحي |
ولو شئت الجواب أجبت لكن | خفضت لكم على علم جناحي |
ولست وإن صبرت على الأسايا | الاحي عصبتي وبهم الاحي |
ولو إني اقترحت على زماني | لكنتم يا بني ورقا اقتراحي |
أ صاح قلبه أم غير صاح | وقد عنت له عفر البطاح |
ظباء الوحش تحكي مائلات | ظباء الأنس بالصور الملاح |
يدرن مراض أجفان صحاح | فيا عجبي من المرضى الصحاح |
وما زالت عيون العين فينا | تؤثر فوق تأثير السلاح |
أ مطلعة الهلال على قضيب | ومسدلة الظلام على الصباح |
عدتني عن زيارتك العوادي | ودهر للأكارم ذو اطراح |
أ مدرة تغلب لسنا وعلما | ومصقع نطقها عند التلاحي |
لقد أوتيت علما واضطلاعا | بآداب وألفاظ فصاح |
يا هلالا يدعى أبوه هلالا | جل باريك في الورى وتعالى |
أنت بدر حسنا وشمس علوا | وحسام عزما وبحر نوالا |
اللوم للعاشقين لوم | لأن خطب الهوى عظيم |
كيف ترجون لي سلوا | وعندي المقعد المقيم |
ومقلتي ملؤها دموع | وأضلعي حشوها كلوم |
يا قوم إني امرؤ كتوم | تصحبني مسلة نموم |
الليل للعاشقين ستر | يا ليت أوقاته تدوم |
نديمي النجم طول ليلي | حتى إذا غارت النجوم |
أسلمني الصبح للرزايا | فلا حبيب ولا نديم |
برملتي عالج رسوم | يطول من دونها الرسيم |
أنخت فيهن يعملات | ما عهد ارقالها ذميم |
أجدبها قطع كل واد | أخصبه نبته العميم |
ردت على الدهر في سراها | ما اذهب النجم والنجوم |
تلك سجايا من الليالي | للبؤس ما يخلق النعيم |
بين ضلوعي هوى مقيم | لآل ورقاء لا يريم |
يغير الدهر كل شيء | وهو صحيح لهم سليم |
امنع من رامه سواهم | منه كما يمنع الحريم |
وهل يساويهم قريب | أم هل يداينهم حميم |
ونحن من عصبة وأهل | يضم أعضاءنا الأروم |
سمت بنا وائل وفازت | بالعز أخوالنا تميم |
ودادهم خالص صحيح | وعهدهم ثابت مقيم |
ذاك لنا منهم حديث | وهو لآبائنا قديم |
نرعاه ما طرقت بحمل | أنثى وما أطفلت بغوم |
ندني بني عمنا إلينا | فضلا كما يفعل الكريم |
أيديهم في كل خطب | يثنى بها الفادح الجسيم |
لم تنا عنا لهم قلوب | وإن نأت منهم جسوم |
فلا عدمنا لهم ثناء | كأنه اللؤلؤ النظيم |
يبقى ويبقون في نعيم | ما بقي الركن والحطيم |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 90