عبد الله بن هاشم المرقال ابن عتبة بن أبي وقاص الزهري
كان من أصحاب علي عليه السلام وشهد معه صفين وقتل أبوه هاشم بصفين وكان معه لواء علي عليه السلام فلما قتل أخذ اللواء ولده عبد الله بن هاشم وهو يقول:
أ هاشم بن عتبة بن مالك | أعزز بشيخ من قريش هالك |
تخبطه الخيلات بالسنابك | في أسود من نقعهن حالك |
ابشر بحور العين في الأرائك | والروح والريحان عند ذلك |
قال نصر ثم إن عبد الله حمد الله وأثنى عليه ثم قال أيها الناس إن هاشما عبدا من عباد الله الذين قدر أرزاقهم وأحصى أعمالهم وقضى آجالهم فدعاه الله ربه الذي لا يعصى فأجابه وسلم لامر الله وجاهد في طاعة ابن عم رسول الله وأول من آمن به وأفقههم في دين الله المخالف لأعداء الله المستحلين ما حرم الله الذين عملوا في البلاد بالجور والفساد واستحوذ عليهم الشيطان فزين لهم الاثم والعدوان فحق عليكم جهاد من خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعطل حدود الله وخالف أولياء الله فجودوا بمهج أنفسكم في طاعة الله في هذه الدنيا تصيبوا الآخرة والمنزل الأعلى والملك الذي لا يبلى فلو لم يكن ثواب ولا عقاب ولا جنة ولا نار لكان القتال مع علي أفضل من القتال مع معاوية ابن آكلة الأكباد فكيف وأنتم ترجون ما ترجون.
قال نصر ولما انقضى أمر صفين وسلم الأمر الحسن (عليه السلام) إلى معاوية اشخص معاوية عبد الله بن هاشم إليه أسيرا فلما أدخل عليه مثل بين يديه وعنده عمرو بن العاص فقال يا أمير المؤمنين هذا المختال ابن المرقال فدونك الضب المضب فاشخب أوداجه على أثباجه فقال له ابن هاشم فهلا كانت هذه الشجاعة منك يا ابن العاص أيام صفين حين ندعوك إلى النزال وقد ابتلت أقدام الرجال من نقع الجريال وقد تضايقت بك المسالك وأشرفت فيها على المهالك وأيم الله لولا مكانك منه لنشبت لك مني خافية أرميك من خلالها أحد من وقع الاثاقي فإنك لا تزال تكثر في هوسك وتخبط في دهسك وتنشب في مرسك تخبط العشواء في الليلة الحندس الظلماء فاعجب معاوية ما سمع من كلام ابن هاشم فأمر به إلى السجن وكف عن قتله فبعث إليه
عمرو بأبيات يقول فيها:
أمرتك أمرا حازما فعصيتني | وكان من التوفيق قتل ابن هاشم |
وكان أبوه يا معاوية الذي | رماك على جد بحز الغلاصم |
فما برحوا حتى جرت من دمائنا | بصفين أمثال البحور الخضارم |
وهذا ابنه والمرء يشبه أهله | ستقرع إن بقيته سن نادم |
فبلغ ذلك ابن هاشم وهو في محبسه فكتب إلى معاوية:
معاوي إن المرء عمرا أبت له | ضغينة صدر غشها غير سالم |
يرى لك قتلي يا ابن حرب وإنما | يرى ما يرى عمرو ملوك الأعاجم |
على إنهم لا يقتلون أسيرهم | إذا كان منهم منعة للمسالم |
وقد كان منا يوم صفين نغرة | عليك جناها هاشم وابن هاشم |
قضى الله فيها ما قضى ثم ما انقضى | وما ما مضى إلا كأضغاث حالم |
هي الوقعة العظمى التي تعرفونها | وكل على ما قد مضى غير نادم |
فان تعف عني تعف عن ذي قرابة | وإن تر قتلي تستحل محارمي |
وروى أبو عبد الله محمد بن موسى بن عبد الله المرزباني إن معاوية لما تم الأمر له بعد وفاة علي عليه السلام بعث زيادا إلى البصرة ونادى منادي معاوية أمن الأسود والأحمر بأمان الله إلا عبد الله بن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص فمكث معاوية يطلبه أشد الطلب ولا يعرف له خبرا حتى قدم عليه رجل من أهل البصرة فقال له أنا أدلك على عبد الله بن هاشم بن عتبة أكتب إلى زياد فإنه عند فلانة المخزومية فدعا كاتبه فكتب من معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاعمد إلى حي بني مخزوم ففتشه دارا دارا حتى تأتي إلى دار فلانة المخزومية فاستخرج عبد الله ابن هاشم المرقال منها فاحلق رأسه والبسه جبة شعر وقيده وغل يده إلى عنقه واحمله على قتب بعير بغير وطاء ولا غطاء وانفذ به إلي. قال المرزباني فأما الزبير بن بكار فإنه قال إن معاوية قال لزياد لما بعثه إلى البصرة إن عبد الله ابن المرقال في بيوت بني ناجية بالبصرة عند امرأة منهم يقال لها فلانة فأنا أعزم عليك إلا حططت رحلك ببابها ثم اقتحمت الدار واستخرجته منها وحملته إلي فلما دخل زياد البصرة وسال عن بني ناجية وعن المرأة فاقتحم الدار واستخرجه منها فأنفذه إلى معاوية فوصل إليه يوم الجمعة وقد لاقي نصبا كثيرا ومن الهجير ما غير جسمه وكان معاوية يأمر بطعام فيتخذ في كل جمعة لأشراف قريش ولأشراف الشام ووفود العراق فلم يشعر معاوية إلا وعبد الله بين يديه وقد ذبل وسهم وجهه فعرفه معاوية ولم يعرفه عمرو بن العاص فقال معاوية يا أبا عبد الله أ تعرف هذا الفتى قال لا قال هذا ابن الذي كان يقول بصفين:
أعور يبغي أهله محلا | قد عالج الحياة حتى ملا |
لا بد إن يغل أو يغلا
قال عمرو وأنه لهو دونك الضب المضب فاشخب أوداجه ولا ترجعه إلى أهل العراق فإنهم أهل شقاق ونفاق وله مع ذلك هوى يرديه وبطانة تغويه والذي نفسي بيده لئن أفلت من حبائلك ليجهزه إليك جيشا تكثر صواهله بشر يوم لك فقال عبد الله وهو في القيد يا ابن الأبتر هلا كانت هذه الحماسة عندك يوم صفين ونحن ندعوك إلى البراز وتلوذ بشمائل الخيل كالأمة السوداء والنعجة القرداء أما إن قتلني قتل رجلا كريم المخبرة حميد المقدرة ليس بالجبس المنكوس ولا المثلب المركوس فقال عمرو دع كيت وكيت فقد وقعت بين لحيي لهذم فراس للأعداء يسعطك اسعاط الكودن الملجم قال عبد الله أكثر ائتمارك فاني أعلمك بطرا في الرخاء جبانا في اللقاء هيابة عند كفاح الأعداء ترى إن تقي مهجتك بان تبدي سوءتك أ نسيت صفين وأنت تدعى إلى النزال فتحيد عن القتال خوفا إن يغمرك رجال لهم أيد شداد وأسنة حداد ينهبون السوح ويذلون العزيز قال عمرو لقد علم معاوية إني شهدت تلك المواطن فكنت فيها كمدرة الشول ولقد رأيت أباك في بعض تلك المواطن تخفق أحشاؤه وتنق أمعاؤه قال أما والله لو لقيك أبي في ذلك المقام لارتعدت منه فرائصك ولم تسلم منه مهجتك ولكنه قاتل غيرك فقتل دونك فقال معاوية أ لا تسكت لا أم لك قال يا ابن هند أ تقول لي هذا والله لئن شئت لأعرقن جبينك ولأقيمنك وبين عينيك وسم يلين له أخدعاك أبأكثر من الموت تخوفني فقال معاوية أوتكفي يا ابن أخي وامر به إلى السجن فقال عمرو: امرتك امرا حازما فعصيتني الأبيات المتقدمة فقال عبد الله الأبيات المتقدمة.
ثم قال له معاوية أتراك فاعلا ما قال عمرو من الخروج علينا قال لا تسأل عن عقيدات الضمائر لا سيما إذا أرادت جهادا في طاعة الله قال إذ يقتلك الله كما قتل أباك قال ومن لي بالشهادة فأخذ عليه معاوية موثقا إن لا يساكنه بالشام فيفسد عليه أهله.