الشيخ عبد الله بن عباس البلاغي العاملي كان شاعرا أديبا ظريفا خفيف الروح حاضر الجواب مليح النادرة وكان متصلا بعلي بك الأسعد ويعتمد عليه في مهام أموره وكان له اتصال تام بأعمامنا وأقربائنا في شقراء وبينه وبينهم مراسلات ومحاورات أدبية ذكره صاحب جواهر الحكم في كتابه فقال كان من طراز الأدباء وأعلى أفراد النجباء يعده البك لمهمات أشغاله سفيره الأول ولا رأي مع رأيه كان يرسله إلى الوزراء والولاة والحكام كان سفيرا متكلما عارفا بالفنون والتواريخ حاضر الجواب حاد الفكر ألمعي الفطنة لسنا ذربا ودودا الوفا بارا بأهل حرفته وبعد وفاة حمد البك بقي على حال عند ابن أخيه علي بك من السفارة والوزارة هو المستشار الذي ليس لرأيه رد وله أجوبة حسنة مع الوزراء وكان صاحب رأي وتدبير وله في الأدب الباع الطويل وإن لم يقرأ العربية’’اه’’. فمن نوادره أنه كان في بيروت في منزل بعض أعيانها وفي المجلس رجل من أكابر كسروان فقال وهو لا يعرف البلاغي كل المذاهب قد عرفت إلا مذاهب الشيعة فقال له البلاغي:
أنا أعرف مذهبهم قال: ما هو قال: يقولون إن الآلهة ثلاثة قال: ومن هم قال: إله السما وإله الأرض وإله لكسروان فإذا فرغ إله السماء من تدبير الكواكب والرياح والغيوم والأمطار والملائكة نزل إلى الأرض فيعين إلاهها على تدابير أمر الجبال والبحار وغيرها فإذا فرغا من ذلك أتيا إلى كسروان فوجداه لم يصنع مع كسروان شيئا وهو في جدال وخصام فيتعاون الثلاثة على أهل كسروان إلى نصف ولا يقدرون أن يصنعوا معهم شيئا لغلط عقولهم فخجل الكسرواني واعتذر إلى البلاغي (ومن نوادره) إن مدحت باشا والي سوريا كان يوما في دعوة على نهر القاسمية والشيخ عبد الله البلاغي حاضر فقال له الباشا: يا شيخ تريد أن تكون في الجنة أو في النار فقال: بل في النار قال: لماذا قال: لأكون من الباشوات والبكوات أصحاب الشأن الكبير أمثال دولتكم وما أصنع بالكون في الجنة مع المشائخ والفقراء فضحك الباشا وإجازة.
(ومن نوادره) لأنه قدم على علي بك في الزرارية وقت الغداء فقال علي بك: البلاغي لا يتغدى لأنه شبعان فقال الطعام حكم بيننا. ولما سافر عمنا السيد عبد الله إلى العراق أرسل إلى الشيخ عبد الله قصيدة فأجابه الشيخ عبد الله بهذه القصيدة وأشار إلى سفرة سافرها معهم إلى بيروت فماتت فرسه في قرية (بريقع) من أعمال الشقيف وهي هذه:
سلامي مدى الأيام لن يتصرما | على من عليه الله صلى وسلما |
أبي الحسن المولى الذي صار حجة | على الخلق في الدنيا وفي الدين قيما |
عليه سلامي ما حييت وما همى | سحاب وما طير الغصون ترنما |
أناديك يا خير الوصيين من به | نجاتي ومن فوق المسا قدره سما |
فكن لعلي نجل أسعد مسعدا | وحصنا إذا الدهر الخؤون تبرما |
وكن لأخي يا داحي الباب صالب | معينا وفي الدارين من خطبه حمى |
ومن بتوفيق إلى حسن أخي | وكن حرزه من كل خطب تجهما |
ووفق سميي العالم الفاضل الذي | أتاك وفي حجر السيادة قد نما |
وفي لي على بعد ومنن فيض فضله | حباني قريضا كالدراري منضما |
تشعشع من نحو العراق ضياؤه | فأشرق في لبنان ما كان مظلما |
ذكرت به العهد القديم وأعصرا | تقضت بشقرا وعيشا تصرما |
الأهل أرى من بعدما أقفر الحمى | ليالي أنس كنت فيها منعما |
ليالي كنا والسرور يحوطنا | سرادقه والهم ولى وأحجما |
ومن فوق أشجار من التين نرتقي | ولا نبتغي والحمد لله سلما |
فنأكل (عجرا) لوبه كنت ضاربا | على رأس حاخام اليهود لا سلما |
نروع من أبناء أروى عصائبا | ونضرب بالأحجار فذا وتوأما |
ونقتلع البطيخ مع أصله معا | ونأكله قهرا ولو كان علقما |
ويا لك من يوم ببيروت كلما | تذكرته تجري الدموع له دما |
فقدت به خرجا جديدا وجبة | وثوبا وسروالا وخفا ومحزما |
أتذكر إذ كنا نياما وتحتنا | قبور وما نلنا غطاء سوى السما |
ولما إلى الدامور جئنا وقد أبت | به فرسي في السير إن تتقدما |
ففاتت خيول القوم عني ولم أجد | سواكم يواسيني إذا الليل أظلما |
وغير الفتى (المهدي) فينا أخيكم | فبالنفس واسانا وجاد تكرما |
وأصبحت الشقرا تجود بنفسها | وقد جمعت رأسا وذيلا ومنسما |
أحطنا بها نبغي هناك قيامها | ونرفعها حملا وقد كظنا الظما |
إلى أن بلغنا بعد جهد (بريقعا) | لذا صغروها حيث أردت مطهما |
وملنا إلى المعاز نلتمس القرى | فكان قراه للضيوف تبرما |
وأقسم أن الزاد من تسعة مضت | عليه سوى الخروب كان محرما |
فعدنا إليها آملين نهوضها | وهل حيلة في الحكم إن كان مبرما |
فماتت وفات الأمر واستحكم القضا | وكان الذي في علم ربي تقدما |
وكنت إذا أجريتها نحو غاية | أصول بعزم حده لن يثلما |
وجئنا إلى نحو البلاد ثلاثة | وأصبحت الشقراء شلوا مقسما |
فيا سيدا قد كان للقلب مالكا | وقد كان لي كفا وزندا ومعصما |
لقد نعمت نفسي زمانا بقربه | ففارقني نحو العراق ميمما |
فكن لي فدتك النفس كهفا وناصرا | على الزمن العادي إذا سهمه رمى |
وبلغ أخي عني سلامي وبثه | شكاية من أضحى عميدا متيما |
ووسع له عذري وإن كنت جانيا | فكان أخي مني أبر وأكرما |
فشوقي إليه صير القلب ذائبا | ودمع عيوني من دم القلب قد هما |
سألتك بالمختار إن كان ساخطا | على عبدكم ترضيه عني بكلما |
فديتك ما أرضى فؤادي بكلما | حكمت وما أحلاه حكما وأقوما |
فهذا أخي والله يرشد أمره | رأى حكما عدلا يرى العدل مغنما |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 58