الشيخ عبد الكريم شرارة ابن الشيخ موسى ولد في النجف سنة 1297 وتوفي في بنت جبيل سنة 1332. وقد تركه والده في النجف عند قدومه إلى جبل عامل وعمره يومئذ عشرة أشهر وقدم بعد وفاة والده إلى جبل عامل وعمره 12 سنة فدرس أولا في مدرسة السيد علي محمود الأمين في شقرا ثم انتقل إلى مدرسة السيد نجيب فضل الله في عيناتا عيناثا ثم توجه إلى النجف سنة 1319 فلبث يدرس على اعلامها إلى سنة 1329 حيث عاد إلى بلاده.
فقدت كتبه وآثاره العلمية وآثار والده عند ما أحرقت بنت جبيل سنة 1920 م فاحترقت في جملة ما حرق وبقي من آثاره بعض تعليقات علمية على قطعة من شرح والده على الشرائع تدل على بعد نظره وقوته العلمية وبعض الصفحات من شرح له على منظومة والده فيأصول الفقه. كان مشهورا بتقواه وصلاحه كثير التواضع معروفا بالوفاء والسخاء وكان عرفانيا وكثيرا ما كان يردد هذين البيتين:
ثقلت زجاجات أتتنا فرغا | حتى إذا امتلأت بصرف الراح |
خفت وكادت ان تطير من الهوى | ان الجسوم تخف بالأرواح |
سناء جبينك أعشى البصر | فما تملك العين منه النظر |
تحجب عن ناظري واستتر | و عن خاطري قط لا يحجب |
خفيت ولكن بسر اختفاك | ظهرت ألا ضل من لا يراك |
ومذ شع بالأفق واري سناك | أضاء به الشرق والمغرب |
هل من فتى ماجد يصاحبني | يصدقني حبه وأصدقه |
تخاله في الوداد يعشقني | و من ودادي إخال اعشقه |
والمرء لا بالبرود مفخره | كالعضب لا بالنضار رونقه |
من لم يكن فائق الفعال فلا | يزيده رفعة تفوقه |
لم تحجب عن خاطري | ان كنت عن طرفي محجب |
عذب فؤادي في هواك | فإنما التعذيب أعذب |
يا مالكي عطفا علي | فانني الصب المعذب |
واحكم علي بما تشاء | فان حكمك ليس يغلب |
وبك اعتصامي من نواك | و من جفاك إليك اهرب |
هب ان عبدك كان أذنب | أو ليس عفوك عنه أقرب |
من كان تقنعه النجابة | في أبيه فليس ينجب |
فإلى الفعال المرء ينسب | لا إلى من كان ينسب |
وأطلب رضا الله العلي | فما وراء الله مطلب |
واحكم علي بما تشاء | فان حكمك ليس يغلب |
عاطني اكؤس المدامة صرفا | و أدرها علي شهدا مصفى |
واسقنيها من ريق خود رداح | تحك ريم الفلاة جيدا وطرفا |
بسنا غرة ومبسم ثغر | أقرأنني الجمال حرفا فحرفا |
حسدوا فضلك لما علموا | انك الأفضل فيهم والأسد |
حسدوه مذ تبدي كالملا | و الفتى كل الفتى من قد حسد |
ونقدناه فلم نلق سوى | روعة تهتك سر المنتقد |
رب ذي جهل يسمى عالما | و هو لا يعرف قام أو قعد |
نافج حضنيه للحكم وقد | مزق الأحكام تمزيقا بدد |
وإذا نبه عن أغلاطه | قيل يا ويحك هذا مجتهد |
يا احبائي بما ألقاكم؟ | شطت الأيام والدار بعد |
هل لكم بعد التنائي عودة | آه غياب المنايا لم تعد |
قطع الدهر رجائي منكم | و أماني وكفي والعضدد العضد |
ما عسى ينفع قولي بعدكم | و انا بين عناء ونكد |
ليت احبابي لما رحلوا | انظروني لغد أو بعد غد |
أو تلافوا كبدا مقروحة | عزها الصبر واوهاها الكمد |
فدتك أبا محسن أنفس | لو أن الردى يرتضي بالفداء |
تمنى الفناء وان لا ترى | نوادب في رحب ذاك الفناء |
ستبكيك أعمالك الصالحات | و ما شدته من جليل البناء |
أبا محسن تفديك نفسي وأنفس | ترى موتها أحرى بها من حياتها |
أتيت فألقيت الأنام بغمرة | من الجهل حيرى في دجى ظلماتها |
فانقذتها من غمرة الغي والعمى | سريعا وقومت اعوجاج قناتها |
وكم السن اخرستها بعد نطقها | و كم ارجل قصرت من خطواتها |
مضيت نفي الثوب غير مدنس | بشيء من الدنيا ولا تبعاتها |
لارضيت بنزر العيش فيها قناعة | و بالغت في الاعراض عن طيباتها |
حملوا سريرك والعيون تدفقت | دمعا كوابلة الغمام المرزم |
ومشوا بنعشك يخبطون سبيلهم | مشي المشرد في الطريق المبهم |
رفعت اكفهم السرير وطاطات | أعناقهم ومشوا كمشية محرم |
شعثا تخال من القتام وجوههم | قد عفرت أسفا ولما تذمم |
لا يهتدون إلى السبيل وانهم | لا يعلمون بأنهم في ماتم |
يا حامليه وجسمه نهب الضنا | رفقا بناحل جسمه المتنعم |
لا تذملن به المسير فإنه | غض الشبيبة فل غير مكهم |
يا صفوة الابدال ما لك في الورى | بدل ولا للرشد بعدك مظهر |
أشبهت زين العابدين فكنت في | الضراء مثلك في المسرة تشكر |
ما افتر عن ذكر الإله وشكره | لك مقول ابدا يسر ويجهر |
مستغرقا في الحب لا متألما | لاذى الم ولا بنفسك تشعر |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 43