الشيخ عبد الكريم الجزائري ولد في النجف سنة 1289 الثاني عشر من جمادى الثانية وتوفي ودفن فيها صفر سنة 1382.
أسرته
وآل الجزائري قبيلة من قبائل النجف ومن اعرقها في العلم والأدب واقدمها في التوطين في النجف وهم فرع من بني أسد امتد إلى النجف وتبادلت عليه بطونهم فيها.
واشتهرت هذه الاسرة بال الشيخ أحمد الجزائري نسبة إلى جدهم أحمد بن إسماعيل الجزائري المعروف في معاجم تراجم علماء الشيعة ومراجع اجازاتها بصاحب آيات الأحكام، ولم تزل الحقب تختلف على أبناء هذه الاسرة وهم متفقون على النبوغ العلمي والادبي ومتخصصون لدرسالفقه الجعفريو مباديهالاصوليةحتى عصر المترجم حتى كان لاسمائهم وذكر مؤلفاتهم وماثرهم المجال الواسع في معاجم السير والتراجم.
نسبه
هو عبد الكريم بن علي بن الكاظم بن جعفر بن الحسين بن محمد بن أحمد بن إسماعيل ابن الشيخ الكبير عبد النبي ابن الشيخ سعد النجفي الشهير بالجزائري وينتهي نسبه كما مر إلى قبيلة بني أسد القاطنة على ضفة الفرات الأدنى المعروفة منازلهم بالجزائر.
نشاته ودراسته
نشا بين أسرته نشاة طيبة تعلم فيها القراءة والكتابة والإملاء ودرس العلوم الأولية على أفاضل أسرته وغيرهم وحضر فيالفقهعلى الشيخ محمد طه نجف والسيد كاظم اليزدي وحضر فيأصول الفقهعلى الشيخ ملا كاظم الخراساني وظل يمارس ويزاول تأليم تعليم الدين الحنيف حتى برع في استنباط فروعه من قواعده وأحاديثه واستقل بالدرس العامللفقهوأصولهيحضره الكثير من أفاضل النجف والمهاجرين إليها. ولقد عاش ركنا من أركان النجف الشامخة، وعلما من ارسى اعلامها الباذخة.
مؤلفاته
ظهر منها تعليقة على كتاب مكاسب الشيخ مرتضى الأنصاري شرح على مباحث القطع والظن من كتاب الرسائل للانصاري تعليقة على كتاب الرياض للسيد المجاهد وكلها مخطوطة. 40
ماثره
من ماثره مساهمته في دفعبعد ان كان العراق احدى الجبهات الكبرىفكم أنقذ من هلكة وحل من مشكلة وكم ناضل وكافح في مواقفه المشهودة في الجبهات الدفاعية حول الحويزة وكوت الامارة. ومنها انه وجماعة من رجال الدين وبعض زعماء الفرات هم الذين بذروا في النجف الأشرف بذرتها التي أنتجت للشعب العراقي حكمه الوطني. ومنها لما حدث الاختلاف في كربلاء بين الحكومة التركية والأهلين في سنة 1334 وتعقد الوضع الراهن يوم ذاك على حكومة بغداد واضطرت إلى سحب موظفيها من كربلاء والتأهب لمهاجمة البلاد واستولى الرعب على الأهلين وكان المترجم في الكاظمية قد رجع عن كوت الامارة بعد استرجاعه من الإنكليز وحذر الحكومة من نتائج نواياها وصرف سياستها عن اجراء الأعمال القاسية وتوجه إلى كربلاء واستقبله الأهلون استقبالا باهرا وجمع الكلمة وأصلح بين الفريقين بعد جهود عظيمة. ولم يتزحزح طيلة حياته عن المبدأ القويم والطريق المستقيم ولم تبدله الشدائد التي طالما تعرض لها.
قال الشيخ محمد رضا الشبيبي متحدثا عنه:
كان من الاقطاب الذين دارت عليهم رحى سنة 1920، وكان عضدا اعتضد به الثوار كما كان عونا لكبار العلماء الذين صدرت عنهم الأحكام المعروفة في وجوب الدفاع عن حوزة البلاد وكرامتها وتحقيق حريتها وسيادتها وحقوقها المشروعة.
لم تكن سلطات الاحتلال خلال استفحال الازمة قبيل الثورة وبعدها تحسب حسابا لاحد من المعنيين بالشئون العامة كما كانت تحسب حسابها للشيخ الجزائري، فكان هو الكابوس المزعج الجاثم على صدور الحكام السياسيين، وذلك لاسباب: منها ذكاؤه الوقاد ومنها تشبعه بروح الثورة على الاحتلال والمحتلين، وكم حاولوا استبعاده عن المجالس والمؤتمرات بل حاولوا ابعاده فيمن أبعد من أحرار العراق وذلك لحنكته ولتمكنه من التبليغ والتعبير عن أماني الشعب في ذلك الحين بأساليب منطقية قوية، بل كانت معظم رسائل الاحتجاج والمطالبة والاستنكار والكتب المشتملة على رغائب العراقيين في الحرية والاستقلال من ترسله على الأكثر. وقال الأستاذ أكرم زعيتر وقد زاره سنة 1357 في النجف مع وفد عربي لاستنهاضه بشأن قضية فلسطين بعد ان زار غيره من المجتهدين:..
ثم زرنا المجتهد عبد الكريم الجزائري المتقشف الذي فاقت حماسته للقضية كل حماسة. وهو لطيف محبب إلى النفس، خفيف الظل، عربي النزعة، فكان أقرب إلى قلوبنا من اي مجتهد اخر.
نعيه
نعته إلى العالم الإسلامي جمعية منتدى النشر النجفية قائلة:
تنعى (جمعية منتدى النشر) ببالغ اللوعة والاسى زعيما من اعلام الأمة الإسلامية ومجاهدا من إبطال الدفاع الديني وقلعة من قلاع العراق المنيعة.. ذلك هو حجة الإسلام آية الله الشيخ عبد الكريم الجزائري الذي كان اسمه على كل لسان وصيته ملأ كل سمع والاعجاب بمواهبه القيادية استبد بكل عارفي فضله وجهاده.
لقد قضى عمره الشريف الذي ناهز المائة وهو شعلة ملتهبة من غيرة اسلامية وجهاد متواصل. لم يترك فرصة منه في غير خدمة العلم والدين والبلاد فجاهد المستعمرين والطامعين في أدق ظروف البلاد العراقية. إذ كان فيفي مقدمة المجاهدين ضد الإنكليز وفيعلى المستعمرين من جملة الادمغة المفكرة لقيادتها وتوجهها، وفي جميع المناسبات التي تدعو إلى التضحية في طليعة العقول المدبرة الواعية لمصاولة الظالمين والملحدين، وبه وبأمثاله كان النجف الأشرف دماغ العراق المفكر.
شعره
ودع نظم الشعر حين ودع شبابه الا ما تضمن موضوعا علميا أو تعلق بكرامة النبي ص والائمة الهداة (ع)، ومن نظمه قوله مؤرخا لباب المراد باب حرم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) المصنوع عام 1342:
قف بباب المراد باب علي | تلق للأجر فيه فتحا مبينا |
هو باب الله الذي من أتاه | خائفا من خطاه عاد أمينا |
واخلع النعل عنده باحترام | فهو بالفضل دونه طور سينا |
قد علقنا بحب من حل فيه | و يقينا من العذاب يقينا |
واطلب الاذن وانح نحو ضريح | فيه اضحى سر الإله دفينا |
يا سفين النجاة لم أر الا | املي فيك للنجاة سفينا |
وامام الهدى ببابك لذنا | من ذنوب ابكين منا العيونا |
لك جئنا فاشفع لنا وأجرنا | يوم لا مال نافع أو بنونا |
فتح الله للورى بعلي | باب خير يأتونه أجمعينا |
قل لقصاد بابه أدخلوه | بسلام لا زلتم آمنينا |
هو باب به الرجاء ارخوه | ذاك باب المراد للزائرينا |
لذ بباب النجاة باب الهادي | فهو باب به بلوغ المراد |
كم لركب الزوار فيه مناخ | قل حداهم من جانب الله حادي |
هو باب الرجا إلى مرتجيه | و امام اللاجي وري الصادي |
لحمى العسكري منه دخول | و ضريح الامام نجل الجواد |
لضريح اضحى مزارا وملجا | و أمانا لحاضر ولباد |
ضم قبرين بل وبدرين يهدى | بهما الخلق في طريق الرشاد |
فهما جنتي ودرعي وحرزي | و ملاذي ولاهما وسنادي |
واماماي قد طويت على هذا | ضميري في مبدأي ومعادي |
وبوادي ولاهما همت شوقا | لست ممن يهيم في كل واد |
أهل بيت الوحي الأولى غرس الله | ولاهم وحبهم في فؤادي |
فحقيق إذا لجانا ولذنا | بفنا العسكري وباب الهادي |
فهو باب النجاة للخلق ارخ | و هو باب به بلوغ المراد |
ناع نعى فاستمطر الاهدابا | و كسى الأنام من الضنا جلبابا |
يا ناعي المهدي في التاريخ قل | مهديكم يا آل طه غابا |
بمن فتكت يد الزمن الأثيم | مضت ببقية السلف الكريم |
وراشت من قسي الحتف سهما | به اصمت حشا المجد الصميم |
فتى طهرت أرومته وطابت | و طيب الفرع من طيب الاروم |
الا يا ظاعنا لم يبق فينا | مدى الأيام غير جوى مقيم |
جهدت بخدمة الإسلام حتى | أتيت الله في قلب سليم |
ورحت ولم تدنسك الدنا يا | حميد الذكر في الزمن الذميم |
بأحلام من الهضبات ارسى | و أخلاق ارق من النسيم |
سجية ذي آباء لم يصافح | من المستعمرين يدي ظلوم |
فيا أسدا نمته إلى المزايا | بنو أسد ذوو المجد القديم |
وقرما قد حوى العلياء ارثا | له من قومه الصيد القروم |
مضيت على المبادىء مستقيما | و رأيك رائد النهج القويم |
إذا الآراء حادث عن هداها | أشرت إلى الصراط المستقيم |
فتشرق فيك داجية القضايا | شروق البدر في الليل البهيم |
وكم من معرك قد خضت فيه | غمار الهول في الخطر العظيم |
ففي (الأهواز) قمت بأداء دور | يهدد كل خوان اثيم |
وأصليت العدي بنيران حرب | بها انفجرت براكين الجحيم |
ويوم (الكوت) والأعداء وافت | على (الزوراء) تزحف للهجوم |
يحوطك من نجوم العلم رهط | و كنت البدر ما بين النجوم |
ماثر في سما العلياء شهب | و لكن للاعادي كالرجوم |
أ بعدك للغرى يزان عقد | و كنت جمانة العقد النظيم |
وكم حاميت حوزته دفاعا | محاماة الغيور عن الحريم |
وكنت أبا له فبكاك شجوا | بكاء ابن لفقد أب رحيم |
لمع بافقك للكرامة تزهر | و رؤى يوحي العبقرية تزخر |
ترتاد اجواء الخيال طموحة | و تئوب في أفق العلى تتبختر |
تستلهم القبسات من أنواره | شهبا على نهر المجرة تسفر |
وتطلع اللمحات حتى انها | لتحار اي فريدة تتخير |
ومارب للفخر في جنباتها | نبع بظل الاريحية مثمر |
عبقت أرومته بكل كريمة | و التف وارف ظلها المتاطر |
صور من الإبداع تظهر برزة | فتحدث الأجيال فيها الاعصر |
صور من الماضي تلوح مشعة | و تسير في ركب الخلود وتخطر |
وحصافة الأفكار يسطع نورها | الق بكل خطيرة يستنور |
ودماثة الأخلاق يكرع جامها | خمرا ومن لطف الطبيعة يعصر |
وضح منالعرفانيكشف وقده | ملك الأمور فتستبين وتظهر |
آمنت اني عن مداك مقصر | و لربما أدنو إليك فاعثر |
سفر منالتاريخيسطع أفقه | فجرا باشراق الفضيلة يحبر |
تمضي السراة على وميض سنائه | و يسير ركب الصاعدين ويصحر |
لمعت صحائفه فكانت مرتعا | خصبا وعينا ثرة تتفجر |
طبعت على الإخلاص فهي كريمة | و بآية الحمد المبارك تنشر |
وتطلعالتاريخيرقب من على | ركب الاباة الخالدين وينظر |
لم يثنهم شظف الحياة عن السري | و الدرب يدمى والمسافة تكثر |
باعوا الحياة رخيصة وشروا بها | حمدا بمختلف الفضائل تذكر |
بوركت موفور الكرامة خالدا | تمشي القرون على هداك فتبصر |
سل ثورة العشرين حين تالبت | عصب الضلال يقودها المستعمر |
دخلوا البلاد وأمرهم من كيدهم | و هم البغاة الظالمون يدبر |
حتى إذا لقحت وهم مخاضها | و تكشفت عنها عشار ومعصر |
ألهبتها حمما وظل اوارها | يشوي الوجوه ووقده يتسعر |
وثبت في سوح الدفاع مجاهدا | بين الصفوف وقائدا لا يقهر |
ورفعت للزحف المقدس راية | بالنصر يخفق ظلها ويبشر |
ونهضت للحق الصريح وطالما | ثار الكريم ولم يكن يستأثر |
فعركت ملحمة الحياة رهيبة | و الشعب خلفك زاحف ومزمجر |
ورسمت للشعب المجاهد خطة | فيها تصان حقوقه وتقرر |
ووفيت للوطن العزيز بموقف | حر تقدسه البلاد وتكبر |
شيخ الحمى أكبرت شخصك قائدا | بجهاده تحمى الثغور وتخفر |
طفح النبوغ بها فكانت موردا | للخير والإصلاح منها يصدر |
آمنت بالخلق الكريم رسالة | تدعو لها رسل السماء وتامر |
أجللت موقفك الجسور مفاوضا | دحر العدو وحارسا يتنمر |
ودحضت باطلة فأنت مقدم | بالحق وهو بغيه متأخر |
ألبسته للعار بردا ضافيا | و عليك من مجد الكرامة مازر |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 40