الشيخ عبد الكريم ابن الشيخ حسن صادق توفي في بلدة الخيام ودفن فيها سنة 1384 عن اثنين وثمانين سنة كان عالما فاضلا شاعرا على جانب من التقوى والورع وصفاء النفس وطيب الاحدوثة مؤثرا العزلة وكانت دراسته الأولى في جبل عامل على الشيخ عبد الحسين صادق ثم ذهب إلى النجف الأشرف فبقي زهاء ست عشرة سنة، درس فيها على السيد أبو الحسن الاصفهاني والشيخ حسين النائيني وغيرهما، ثم عاد إلى جبل عامل فأقام في بلدة الخيام حتى وفاته.
وكان والده الشيخ حسن قد ذهب إلى العراق لطلب العلم ولكنه عاد لعوارض صحية عرضت له. وحفيده الشيخ أحمد درس في النجف زهاء عشر سنين وعاد إلى جبل عامل.
شعره
له شعر كثير منه مجموعة قصائد منها سلسلة في الالاهيات والمحمدية والعلوية والحسينية والزينبية. نأخذ منها ما يأتي:
القصيدة العلوية
مضى طه وقام وصي طه | مديرا من شريعته رحاها |
وفوق منصة الأحكام منها | علي قد تربع واعتلاها |
ففاضت ثم فاضت ثم فاضت | ركي الفضل طافحة دلاها |
فلو وردته عطش الخلق طرا | لروى من منابعه ظماها |
له من فوق منبره سلوني | سلوني هل بها إلاه فاها |
بلا وجل هنالك يعتريه | لمشكلة معقدة عراها |
له الكلم المؤلف من جمان | تود الحور لو يمسي حلاها |
فنهجا للبلاغة سن منه | عليه يشع منبلجا سناها |
ويعقد روضها ظللا عليه | و يارج من جوانبه شذاها |
ترى البلغاء قاصدة خطأها | عليه تسير آمنة خطأها |
فتصهر كل املود ندي | و تجنى منه أطيب مجتناها |
امام بالإمامة قد تردى | و زر عليه خالقه رداها |
وصاغ له من العلياء تاجا | يواقيت الفخار له انتفاها. |
سما في قبة الشرق اعتلاء | تطامن في السماء له سهاها |
وهل في الأرض من يحكيه ذاتا | و هل يحكي جواهرها حصاها |
هو النبا العظيم فكم لبيب | تحير في حقيقته وتاها |
وهل يسمو إلى علياه سام | فيدرك شاوه قدرا وجاها |
وكم رامت له الأقلام وصفا | و غامض كنهه عنه ثناها |
يدق على الخواطر منه معنى | يبلد ما توقد من ذكاها |
وهل سفط الجواهر غير صدر | له في طي أضلعه حواها |
جواهر حكمة وكنوز فضل | كنوز الأرض تنفق في شراها |
يحلق في سما العرفان فكرا | فتمنحه الطبيعة ما وراها |
سل البيت الحرام من ارتقاه | على كتف النبي وقد علاها |
فكان منكس الأصنام عنه | و للجبهات خاسئة رماها |
ومن بالنفس جاد لنفس طه | و قال من الردى كوني فداها |
وبات مكانه يرعى الاعادي | فما رهب المنون ولا اختشاها |
ومن بالطهر فاطمة حباه | رسول الله وهي به حباها |
فأولدها الكواكب زاهرات | تشع ويملأ الدنيا سناها |
وكان أخا لأحمد يوم شدت | رجال المسلمين عرى أخاها |
وخامس خمسة في بيت قدس | قد اجتمعت وجللها كساها |
وكان الروح سادسهم وفيهم | لنفي الرجس آبته آيته تلاها |
وأول من أصاخ إلى نداء | له أم القرى اهتزت رباها |
وجاء ملبيا للحق صوتا | شغاف القلب منه هدى ملأها |
وجاء من العشيرة لا سواه | يؤازر من بدعوته ابتدأها |
وهل كاد العدا الا علي | لأحمد واستفاد لها رداها |
وهل إلا شبا ماضيه عدى | قريشا من مطارف كبرياها |
وقد شمخت انوفا للثريا | فألصق بالثرى منها الجباها |
وفيو يثرب للمنايا | تقطر شيخها وهوى فتاها |
وفيبطلحتها صريعا | له قد فلها ولوى لواها |
هي فاطم كم للمصائب صابها | جرعت وكم قد كابدت أو صابها |
نثل الزمان لها كنانة نبله | و رمى وفي كل السهام أصابها |
احنى اضالعها على جمر الغضا | اجرى مدامعها امر شرابها |
أعدى عليها من أراع جنابها | و جناب خير الرسل كان جنابها |
هي بنت أحمد من حماه حمى لها | و هي التي من هاب أحمد هابها |
هي بضعة الهادي ومن إغضابه | في النص منه ملازم إغضابها |
هي أم أشبال ولبوة ضيغم | من جاء مجترئا وهاجم غابها |
35 من حول بيت المقدس جاء مجمعا | حطبا ليحرق للزكية بابها |
من عنوة ولج الحجاب على التي | ارخى عليها ذو الجلال حجابها |
من هاج زفرتها واجرى دمعها | و ابتز نحلتها وشق كتابها |
من رد حجتها وأبطل إرثها | عمدا وأغلظ في الجدال خطابها |
اوه لبنت محمد ما نابها | و الحادثات لها أحدت نابها |
هي كالصلال من الرمال تدافعت | وثابها ستتبع منسابها |
ذلت عزيزة أحمد من بعد أن | جاءته دعوة ربه فأجابها |
وخيام ذاك العز قد عصفت بها | ريح الخطوب وزعزعت أطنابها |
حتى مضت متفقدا محرابها | تلك التي كم لازمت محرابها |
وتفقدت منها الدجنة غرة | كانت إذا الشهب انطمس شهابها |
هي نجمة سطعت قصيرا عمرها | فحكت باسحار الدجى اترابها |
وحبيبة عجلت لوصل حبيبها | و النفس تطلب دائما احبابها |
لاقت رسول الله فاجتمعا على | نجوى تفت من الصخور صلابها |
أبتاه بعدك هل علمت بما جرى | و البوم بعدك أكثرت تنعابها |
والطائر الميمون اخفت صوته | و مضى يوم من الفلاة شعابها |
وبدفتها والناس هجع نوم | في ليلة سدل الظلام نقابها |
أدى وصيتها وصي محمد | و الله يعلم والورى أسبابها |
وعلى ثرى قبر الزكية ارخصت | عيناه دمعهما فبل ترابها |
هاجت به الزفزات حرى لوبها | خضراء تلفح أحرقت أعشابها |
ما ريع من خير الورى بغيابه | حتى على عجل أنيل غيابها |
وبها له كان العزاء لنفسه | فمضت وجرع الحزن أصبح دأبها |
طريقي إلى رب العباد شققته | و جاهك يا دنيا بنعلي سحقته |
وأعرضت عن مال يحملني العنا | و ما المال الا مالكي ان ملكته |
هو المسهري عينا عليه وشاغلي | عن الله في إصلاحه ان جمعته |
وماء المحيا صنته وانا الذي | اراني فارقت الحيا ان أرقته |
وما انا الا باب ربي بطارق | فذلك يوليني المنى ان طرقته |
هنالك إذ لا حاجب دون فتحه | يحول فانى جئت طلقا وجدته |
وقد عز مني جانبي غير انني | له خافض في جنب من قد صحبته |
وكم رحت امشي خلف من لو تجاريا | معا فرسانا للرهان سبقته |
وأعرضت عن صدر الندي تجافيا | و لو احتبى فيه بفضل ملأته |
أجامل خلي أي أمر عذلته | عليه متى ابدى اعتذارا عذرته |
واعلم اني لو فقدت تحملي | إساءته جهلا إلي فقدته |
وان خلل في قوله جاء لم أكن | لافهمه اني عليه انتقدته |
الا طفه في رده لصوابه | بالطف أسلوب جميل أصبته |
وكم جدل لا ينثني عن جماعة | عنادا له فضل الزمام تركته |
وحدت له عن دربه ولو انني | وقفت له فيها حجاي أضعته |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 8- ص: 34