السيد عبد الحسين محمود الأمين ابن السيد علي ابن السيد محمود الأمين توفي سنة 1361 كان أدبيا شاعرا سريا جوادا. في أيام الحرب العالمية الأولى حضر مصطفى المخزومي إلى شقراء في منزل المترجم ثم غادرها إلى ميس الجبل بعد أن كان قد أكل جبنا وفي ميس أصيب بالإسهال فأرسل إلى المترجم هذه الأبيات:
نزلنا بشقرا منزلا عند سيد | أفاض علينا الخير من كل جانب |
ولكن لسوء الحظ كان وعاؤه | من السمم ملوءا بكل المعاطب |
فرحنا بإسهال وقيء كأنما | تقطع أحشانا بحد القواضب |
فقل للذي يبغي زيارة شقرة | تنح وحذر صاحبا بعد صاحب |
نزلنا بشقرا منزلا عند سيد | (نمته الكرام الغر من آل غالب) |
(ولما انخنا رحلنا برحابه) | أفاض علينا الخير من كل جانب |
ولكن لسوء الحظ كان وعاؤه | (ومعدتنا شبهان عند التجارب) |
(فهذي بها داء وذاك كأنه) | من السم مملوء بكل المعاطب |
فرحنا بإسهال وقيء كأننا | (حسونا من الصهباء في دير راهب) |
(من الجبن بل جبنا حسبنا بأنه) | تقطع أحشانا بحد القواضب |
فقل للذي يبغي زيارة شقرة | (مغذا ليرمي أهلها بالمعائب) |
(حنانيك في أبيات آل محمد) | تنح وحذر صاحبا بعد صاحب |
عارضنا عن وصلكم عارض | صبحنا بالغاديات الغزار |
أقبل والقر له رائد | يجوس بالبرق خلال الديار |
والريح قد هبت بإعصارها | ليلا فسدت فيه وجه النهار |
غنت فأغنت بأهازيجها | عن زينب في لحنها أو نوار |
وطمطم الرعد بها قائدا | جيشا من الزنج به النقع ثار |
مزمجرا يرتاع منه الدجى | كأنه يدعو البدار البدار |
يا من له الفضل شعارا غدا | والسؤدد الجم عليه دثار |
أهل تمنون على مدنف | ما مل في الحب سوى الإنتظار |
ردوا علي مظلتي أو فأعلموا | أني سأبعث فيكم تقريري |
أنتم طلبتم وحدة عربية | ورفعتم العلم (البغيض) السوري |
أيقظتم صورا ولولا بوقكم | ما استيقظت صور لنفخ الصور |
أوريتموها في ’’سليم حمزة’’ | كادت تؤثر في ’’سليم الخوري’’ |
ما صفقت ’’شقرا’’ ولا ’’نبطية’’ | إلا لنغمة ذلك الطنبور |
نغم الألحان على الجنك | والعود يعيد قفا نبك |
أمنت بحبك منفردا | فكفرتومات إلى الشرك |
عاقرت هواك معتقة | سلبت لبي سلبت نسكي |
أفأنت بعثت لأحشائي | برق الأشجان بلا سلك |
ودعت شرخ شبيبتي وغرامي | وأرقت من بعد الدموع مدامي |
ومن السفاهة أن اضيع خمرتي | حتى الثمالة ثم احفظ جامي |
خمسون عاما كلها مرت ولم | أبصر بغرتها مسرة عام |
مستسلما للدهر طوع صروفه | وصروفه تطغى على استسلامي |
أمكفكفا دمعي على عهد مضى | بنعيمه خل الدموع هوامي |
لم أبكي وخط الشيب شوه لمعتي | لكن بكيت أناقتي وجمامي |
وبكيت زهوي في تلابيب الصبا | خلفي يفوح أريجها وأمامي |
أيام لا نجل العيون تصدني | عما أروم ولا العيون مرامي |
لكن لي هدفا نثلت كنانتي | لأصيب منه فأخطأته سهامي |
كل بالدمع له شان | يغنيه ليسأل لم بانوا |
ظعنوا والفلك نجائبهم | غلسا والحادي ربان |
لوددت ببابل بلغتهم | فأقول غدا أو بعد غد |
أو أن النيل لهم أرب | لغسلت من الأحزان يدي |
أو كأن بدجلة موردهم | لصدرت بقلب غير صدي |
ولنجد لو حلوا نجدا | أنشأت أغني يا بلدي |
لكن هجروا أوطانهم | فلهم بالمغرب أوطان |
عقوا لبنان وأرزته | فليبك أرز ولبنان |
تتلقاك زمرة المفلسينا | باحتفال تراه دنيا ودينا |
كنت فينا للجوع عضوا نشيطا | ورسول إلى العراة أمينا |
كم قلب ’’الطربوش’’ ظهر لبطن | كلما حاف أو تغير ’’لونا’’ |
’’وتبرهت’’ باللحوم فلا تأكل غثا | بدرهم أو سمينا |
ورأيت (البو مليح) أشهى طعام | فإذا لم يكن فخبزا وتينا |
ما رأينا فعل (الجميل) جميلا | حينما راشكم لكي (تمعطونا) |
ولقبض المعاش قدما ضحكتم | ولضيق المعاش قدما بكينا |
فلذا ’’يا أبا بهيج’’ ابتهجنا | وضحكنا لعزلكم ملء فينا |
لست أنسى سروركم (وأبو جوهر) | يدعو لخيلنا (على أونا) |
يتهادى على ظهور مذاكينا أختيا | لا وأنتم تسخرونا |
فذق الذل والهوان كما ذقنا | ولا تمش للهوان الهوينا |
فغذا تشتهي الرغيف فلا تدركه | مثلما الرغبف اشتهينا |
عد إلينا ’’أبا بهيج’’ فإنا | لك جند مجند عد إلينا |
أودعتهم قلبي عشية ودعوا | وحشاي أزمع ظاعنا مذ أزمعوا |
سفر متة وصلوا حبال مطيهم | للبين قلبي بالجوى يتقطع |
فلقد رجعت ولي قبيل وداعهم | الضنا ووددت أن لا أرجع |
وجمعت قلبي واليدين تألما | مذ أدلجوها للمسير وأجمعوا |
يا راحلين ولي فؤاد بعدهم | مر الصبابة والجوى يتجرع |
عطفا فديتكم علي فإنه | لم يبق قوس التصبر منزع |
لا تحسبوا أني أضمن بأدمعي | كلا ولا أنا في رقادي أطمع |
’’وتجلدي للشامتين أريهم | أني لريب الدهر لا أتضعضع’’ |
أقذيت باصرة العلى والسؤدد | وتركتها ترنو بطرف أثمد |
قد فت رزؤك كل مهجة مسلم | وأصم نعيك سمع كل موحد |
قل للأمين على الفضائل والتقى | أخلقت حزنك في أبيه فجدد |
فلئن صبرت فأنت من أهل النهى | ولئن جزعت فأنت غير مفند |
علقت أمالي على عادل | فلم أجد عدلا وإحسانا |
أوقفني الدهر على بابه | والدهر قد يوقف أحيانا |
فرحت أستعطف ذا غلظة | وأسأل اليسر عسيرانا |
سلكتهم بها لأحب المنهج | وكنتم رجاء لمن يرتجي |
سعيتم لتقويم أغصانها | فمالت على غصنها الأعوج |
قضية علم نهضتم بها | فلم تبد في شكلها المنتج |
مددتم يديكم إلى قطفها | ثمارا إلى الآن لم تنضج |
فتحتم لها باب أحلامكم | فحامت على بابها المرتج |
تسابقتم في مضاميرها | وقلتم لخيل الأماني لجي |
فمن ملجم منكم للمذاكي | طرد إليها ومن مسرج |
دخلتم صناديد في جمعها | وثبتم عباديد بالمخرج |
وردتم ولكن لغير الكلا | أتجنى الورود من العوسج |
ففي ربع صيدائكم موقف | به العرف آب بقلب شجي |
جرت فيه للسبق أجيادكم | فبان الصحيح من الأعوج |
فيا راكبا متن زيافة | على سفح عاملة عرج |
وقل لبنيها نهوضا فما | عليكم بذا الدين من حرج |
على منبر وإلى معهد | وفي مسجد وإلى منسج |
لفن إذا كان في أسوج | وعلم وأن حل في نروج |
أخو الدين يقضي بأحكامه | ويهدي إلى السنن الأبلج |
لأوراده ولذكاره | وما هو للمقلق المزعج |
يمثل شخص التقى والصلاح | فيغدو ببرديهما أو يجي |
يزين مهابته بالخضوع | ويمشي مع الرشدفي منهج |
ورب السياسة أدرى بها | إذا صارعته ولم يففلج |
وإن واقحته عوادي الزمان | فللمكر من كيدها يلتجي |
يبيت لها حولا قلبا | ولم يتباك ولم ينشج |
دعوا للثقافة أربابها | بعصر التجدد والبهرج |
فللإنقلابات تاريخها | دروسا على غابر الحجج |
وما صد تيار بحرطما | بكفيك إلا من الهوج |
فما ناب كاهل (أنقرة) | سيطعن (طهران) بالشبج |
وفي (كابل) لأسقى كابلا | نمير ولا بارد الحشرج |
دعا للخلاعة عاهلها | وحض لها ربة الدماج |
فتلك (الثريا) تتيه عليه | وتخطر بالدل والغنج |
مخاصرة من يخاصرها | على مسرح أو على مدرج |
فسل بنت باريس عن زيها | ومن فاق بالأبهج الأبلج |
سبت عقل (بريان) مذ أشرقت | على الغرب في طرفها الأدعج |
وقبل أقياله كفها | فلم تتألم ولم تحرج |
ففي ضفة السين كم غادرت | أكف رجال على مهج |
وروع (لندن) ومض البروق | وقد لاح في ثغرها الأفلج |
وبالنجل من حدق عسكرت | (ببرلين) لا الشوس من مذحج |
فيوح من الهدب أنصاره | غدت لأمن الأوس والخزرج |
وما الشام إلا كبغدادها | إذا غنتا فعلى هزج |
ولا عجب إن سرى داؤنا | إلى الحرمين إلى لحج |
كفى ما بنا من ضروب الهوان | حياة الأسير وعيش العجي |
دعوا النشء ينهد في حلبة | بها الباز يضرع للقبج |
فما نافع قولنا والشجاع | ينضنض يا أزمة انفرجي |
تعجلت في لومي وعتبي ولا ذنب | وهان علي اللوم لو صدق العتب |
بعثت لأحشائي سهاما نوافذا | وحملت قلبي فوق ما يحمل القلب |
صحائف لكن للفؤاد صفائح | قواطع لكن لا يفل لها غرب |
دواك ما بل غله | بل زاد في الطين بله |
كم عالم فاه يوما | وفوه أثبت جهله |
وكم طبيب تناءى | صيتا لأول وهلة |
يدري من الطب معنى | ألفاظه ’’هات عمله’’ |
قد جاء للناس فردا | ليقتل الناس جمله |
خذوا ’’القواديش’’ لا تبقوا ’’القواديشا’’ | ولا تخلوا لنا الجرد ’’المغاليشا’’ |
كأنما ’’أحمد’’ ’’والعبد’’ يحرسها | قد أصبحا نفرا فينا وشاويشا |
لو أن ’’سلعا وباريشا’’ لنا بلد | عفنا لأجلكم سلعا وباريشا |
ولو فعلتم كهذا الفعل في بلد | ألقوا عليكم ’’برابيشا وبرابيشا’’ |
هبك تمشين مشية الخيلاء | فعلام جذمت نصف الرداء |
فرج فتقت به وجيوب | للهوى ما فتقت أم للهوء |
وعلى الكشح ريطة ضرجتها | أسهم اللحظ من دم الأبرياء |
ورأينا يا أخت بلقيس تشميرك | لكن لغير لجة ماء |
أعيون الدبى نصيفا ومرطا | أم دروعا لبست للهيجاء |
أشكل الأمر بيننا وشككنا | أعليا نرى أم أم العلاء |
يا ابنة الشرق راعنا منك زي | عاد في الغرب أنكر الأزياء |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 443