أبو الفضل العباس ابن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليهما السلام
(مولده وشهادته ومدة عمره)
ولد سنة 26 من الهجرة وقتل مع أخيه الحسين عليهما السلام في أول سنة 61 من الهجرة وعمره أربع وثلاثون سنة عاش منها مع أبيه أمير المؤمنين عليه السلام أربع عشرة سنة وحضر بعض الحروب فلم يأذن له أبوه في النزال ومع أخيه الحسن عليه السلام أربعا وعشرين سنة ومع أخيه الحسين عليه السلام أربعا وثلاثين سنة وهي مدة عمره.
(أمه) اسمها فاطمة وتعرف بأم البنين.
وعن كتاب عمدة الطالب أن أمير المؤمنين عليه السلام قال لأخيه عقيل وكان نسابه عالما بأخبار العرب وأنسابهم أبغني امرأة قد ولدتها الفحولة من العرب لأتزوجها فتلد لي غلاما فارسا فقال له أين أنت عن فاطمة بنت حزام بن خالد الكلابية فإنه ليس في العرب أشجع من آبائها ولا أفرس فتزوجها أمير المؤمنين عليه السلام فولدت له وأنجبت وأول ما ولدت العباس وبعده عبد الله وبعده جعفرا وبعده عثمان، وفي آبائها يقول لبيد للنعمان بن المنذر ملك الحيرة.
نحن بني أم البنين الأربعة | الضاربون الهام تحت الخيضعة |
والمطعمون الجفنة المدعدعة | ونحن خير عامر بن صعصعة |
فلا ينكر عليه أحد من العرب ومن قومها ملاعب الأسنة أبو براء الذي لم يعرف في العرب مثله في الشجاعة، والطفيل فارس قرزل وابنه عامر فارس المزنوق.
(كنيته ولقبه)
يكنى أبا الفضل وأبا قربة ويلقب بالسقاء وقمر بني هاشم.
أحواله
في مقاتل الطالبيين كان العباس رجلا وسيما جميلا يركب الفرس المطهم ورجلاه تخطان في الأرض وكان لواء الحسين بن علي عليه السلام معه يوم قتل وفي بعض العبارات أنه كان أيدا شجاعا فارسا وسيما جسيما، (وروي) عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام أنه قال: كان عمنا العباس بن علي نافذة البصيرة صلب الإيمان جاهد مع أبي عبد الله عليه السلام وأبلى بلاء حسنا ومضى شهيدا (وروي) عن علي بن الحسين عليهما السلام أنه نظر يوما إلى عبيد الله ابن العباس بن علي عليهم السلام فاستعبر ثم قال ما من يوم أشد على رسول الله صلى الله عليه وسلم من يوم أحد قتل فيه عمه حمزة ابن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وبعده يوم مؤته قتل فيه ابن عمه جعفر بن أبي طالب ولا يوم كيوم الحسين عليه السلام ازدلف إليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه وهو يذكرهم بالله فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا ثم قال رحم الله العباس فلقد آثر وأبلى وفدى أخاه بنفسه. وكانت لهعليه السلام صفات عالية وأفعال جليلة امتاز بها (منها) أنه كان أبدا شجاعا فارسا وسيما جسيما كما تقدم (ومنها) أنه كان صاحب لواء الحسين عليه السلام واللواء هو العلم الأكبر ولا يحمله إلا الشجاع الشريف في المعسكر (ومنها) أنه لما جمع الحسين عليه السلام أهل بيته وأصحابه ليلة العاشر من المحرم وخطبهم فقال في خطبته: أما بعد فإني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي ولا أهل بيت أبر ولا أوصل من أهل بيتي وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا وليأخذ كل واحد منكم بيد رجل من أهل بيتي وتفرقوا في سواد هذا الليل وذروني وهؤلاء القوم فإنهم لا يريدون غيري, قام إليه العباس عليه السلام فبدأهم فقال ولم نفعل ذلك لنبقى بعدك لا أرنا الله ذلك أبدا. ثم تكلم أهل بيته وأصحابه بمثل هذا ونحوه (ومنها) أنه لما أخذ عبد الله بن حزام ابن خال العباس أمانا من ابن زياد للعباس وإخوته من أمه قال العباس وإخوته لا حاجة لنا في الأمان أمان الله خير من أمان ابن سمية (ومنها) أنه لما نادى شمر أين بنو أختنا أين العباس وإخوته فلم يجبه أحد فقال لهم الحسين عليه السلام أجيبوه وإن كان فاسقا فإنه بعض أخوالكم قال له العباس ما تريد فقال أنتم يا بني أختي آمنون فقال له العباس لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا أمان له وتكلم إخوته بنحو كلامه ثم رجعوا (ومنها) أنه لما اشتد العطش بالحسين عليه السلام وأصحابه أمر أخاه العباس فسار في عشرين راجلا يحملون القرب وثلاثين فارسا فجاؤوا ليلا حتى دنوا من الماء وأمامهم نافع بن هلال الجملي يحمل اللواء فقال عمرو بن الحجاج من الرجل؟ قال نافع, قال ما جاء بك قال جئنا نشرب من هذا الماء الذي حلأتمونا عنه قال فاشرب هنيئا قال لا والله لا أشرب منه قطرة والحسين عطشان هو وأصحابه فحمل عليه العباس ونافع بن هلال فكشفوهم وأقبلوا بالماء ثم عاد عمرو ابن الحجاج وأصحابه وأرادوا أن يقطعوا عليهم الطريق فقاتلهم العباس وأصحابه حتى ردوهم وجاؤوا بالماء إلى الحسين عليه السلام (ومنها) أنه لما نشبت الحرب يوم عاشوراء تقدم أربعة من أصحاب الحسين عليه السلام وهم الذين جاؤوا من الكوفة ومعهم فرس نافع بن هلال فشدوا على الناس بأسيافهم فلما وغلوا فيها عطف عليهم الناس واقتطعوهم عن أصحابهم فندب الحسين عليه السلام لهم أخاه العباس فحمل على القوم فضرب فيهم بسيفه حتى فرقهم عن أصحابه ووصل إليهم فسلموا عليه وأتى بهم ولكنهم كانوا جرحى فأبوا عليه أن يستنقذهم سالمين فعاودوا القتال وهو يدفع عنهم حتى قتلوا في مكان واحد فعاد العباس إلى أخيه وأخبره بخبرهم (ومنها) أنه أشبه عمه جعفر الطيار الذي قطعت يمينه ويساره في حرب مؤتة مجاهدا في سبيل الله فأبدله الله عنهما جناحين يطير بهما مع الملائكة وكذلك العباس قطعت يمينه ويساره مجاهدا في سبيل نصرة أخيه الحسين عليه السلام يوم عاشوراء (وقال المفيد) إن عمر بن سعد نادى يوم التاسع من المحرم يا خيل الله اركبي وبالجنة ابشري فركب الناس ثم زحف نحوها بعد العصر والحسين عليه السلام جالس أمام بيته محتب بسيفه إذ خفق برأسه على ركبته فسمعت أخته الصيحة فدنت من أخيها فقالت يا أخي أما تسمع هذه الأصوات قد اقتربت فرفع الحسين عليه السلام رأسه فقال إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم الساعة في المنام فقال لي إنك تروح إلينا فلطمت أخته وجهها ونادت بالويل فقال لها الحسين ليس لك الويل يا أخية اسكتي رحمك الله قال له العباس يا أخي أتاك القوم فنهض ثم قال يا عباس اركب أنت حتى تلقاهم وتقول لهم ما لكم وما بدا لكم وتسألهم عما جاء بهم فأتاهم العباس في نحو عشرين فارسا فيهم زهير ابن القين وحبيب ابن مظاهر فقال لهم العباس ما بدا لكم وما تريدون قالوا قد جاء أمر الأمير أن نعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم قال فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي عبد الله فأعرض عليه ما ذكرتم فوقفوا وقالوا القه فأعلمه ثم القنا بما يقول لك فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين عليه السلام فأخبره بما قال القوم قال عليه السلام ارجع إليهم فإن استطعت أن تؤخرهم إلى غدوة وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره فهو يعلم أني كنت احب الصلاة له وتلاوة كتابه وكثرة الدعاء والاستغفار فمضى العباس إلى القوم ورجع من عندهم ومعه رسول من قبل عمر ابن سعد يقول إنا قد أجلناكم إلى غد فإن استسلمتم سرحناكم إلى أميرنا عبيد الله بن زياد وإن أبيتم فلسنا تاركيكم.
مقتل العباس:
في مقاتل الطالبيين كان العباس عليه السلام آخر من قتل من إخوته لأمه وأبيه ’’وقال المفيد’’ لما رأى العباس بن علي عليهما السلام كثرة القتلى في أهله قال لإخوته من أمه تقدموا حتى أراكم قد نصحتم لله ولرسوله فإنه لا ولد لكم فتقدموا فقاتلوا واحدا بعد واحد حتى قتلوا واشتد العطش بالحسين عليه السلام فركب المسناة يريد الفرات وبين يديه العباس أخوه فاعترضته خيل ابن سعد وأحاط القوم بالعباس عليه السلام فاقتطعوه عنه فجعل يقاتلهم وحده حتى قتل وكان المتولي لقتله زيد بن رقاد أو ورقاء الحنفي وحكيم أو حكم ابن الطفيل السنبسي بعد أن أثخن بالجراح فلم يستطع حراكا.
وكان العباس آخر من قتل من المحاربين ولم يقتل بعده إلا أطفال وفيه يقول الكميت:
وأبو الفضل أن ذكرهم الحلو | شفاء النفوس م الأسقام |
قتل الأدعياء إذ قتلوه | أكرم الشاربين صوب الغمام |
وفيه يقول الشاعر:
أحق الناس أن يبكي عليه | فتى أبكى الحسين بكربلاء |
أخوه وابن والده علي | أبو الفضل المضرج بالدماء |
ومن واساه لا يثنيه شيء | وجاد له على عطش بماء |
وفيه يقول المؤلف أيضا من قصيدة:
لا تنسى للعباس حسن مقامه | في الروع عند الغارة الشعواء |
واسى أخاه بها وجاد بنفسه | في سقي أطفال له ونساء |
رد الألوف على الألوف معارضا | حد السيوف بجبهة غراء |