الشيخ عباس زغيب ابن الشيخ محمد بن عباس ولد في يونين من أعمال بعلبك, وتوفي فيها سنة 1304, وله من العمر حوالي الثلاثين عاما.
وكان في أول قراءته سافر إلى النجف الأشرف لطلب العلم وبقي فيها قريبا من شهرين والمرض يساوره والسقم يعاوده, فلما رأى أن الجو لا يوافقه والمرض لا يفارقه رجع إلى بلده ثم ارتحل إلى جبل عامل إلى قرية حنويه من قرى ساحل صور ليدرس فيها على الشيخ محمد علي عز الدين, فقرأ عليه شيئا من النحو والمنطق والبيان والفقه في مدة سنتين إلى أن توفي الشيخ فرجع الشيخ عباس إلى بلاده ولم يقرأ بعدها.
وحين وصوله إلى حنويه واختلاطه بالطلاب كان كلما سأل عن شخص ونسبه قيل له: من آل مروة حتى أجيب بذلك من كثير من الطلبة فأخذ الدواة والقرطاس وكتب بديها:
بنو مروة جل الله خالقهم | غر الوجوه حبوا فضلا وإيمانا |
تسابقوا للعلى من كل ناحية | حتى اجتنوا صفوها شيبا وشبانا |
أقول له العشي مذ التقينا | وذيل الليل ينسدل انسدالا |
وقد زر الجيوب فقلت يخشى | نموم الريح إن هبت شمالا |
وطال بنا الحديث ولا عتاب | وقد مال النعاس به فمالا |
حلال أن تنام وبي أوام | ألا هات اسقني الخمر الحلالا |
وأن فقلت ماذا قال داء | تسميه المحبون الدلالا |
فقلت الدال لي دين ولكن | أرى أن الوفاء يعود لالا |
لكم التمني بالمحال | والحزم من شيم الرجال |
ما كان ظن الناس بي | عند التخاصم والجدال |
أتظن أن تستامني | خسفا وكنفي لا يطال |
هيهات دون ظنونها | حطم الذوابل والنصال |
قرف على قرف يجدد | ليس يعقبه اندمال |
أتحوم نفسي للمطا | مع وهي خدع أو ضلال |
إن لم أنلها عنوة | فلكم كريم لا ينال |
ولئن أنلها والكريم | مظفر في كل حال |
فلأبعث نبها مدى | الأيام أمثالا تقال |
نحن الأولى إن دهت في الناس طارقة | لنا سيوف لدى الهيجاء بارقة |
وكم لنا بالعلى والفضل سابقة | لنا نفوس لنيل المجد عاشقة |
طبنا وطابت أصول من أوائلنا | فلا فضائل إلا من فضائلنا |
وقد أقر الورى طرا لقائلنا | لا ينزل المجد إلا في منازلنا |
سل الوقائع هل أبقت على أسد | أسيافنا ولظى الهيجاء في صعد |
إذا رمتنا يد الأقدار في نكد | يبكى علينا ولا نبكي على أحد |
عبد نجا من بعد ما حام القضا | من بأس راحة قادر تنتاشه |
عبد يروم عقوق سيده إذا | قرت وسادته وطاب فراشه |
سلط اللسان كأنه جمر الغضا | أو نصل سهم لا يطيش مراشه |
لم يكفه أن عقه حتى احتمى | في ظله وعلى دماه معاشه |
عندي من الجد ما يغني عن الهزل | ومن يراعي ما يزري على الأسل |
قد ينبئ القلم الجاري بصفحته | ما لا ينبئ بالخرصانة الذبل |
وطعنة الرمح قد ترجى ولو وقعت | من اليراع لساقت أبعد الأجل |
أيها المتهم بالتدبير | إن الهم فان |
لا تكن بالأمر مهتما | فما شئناه كان |
رأس عين البعل من جنة عدن | ماؤها بين رياض تحتويه |
كلما تنقل فيها من محل | لمحل تجد البهجة فيه |
أتعبت حيثما حق العتاب | عليكم إنه العجب العجاب |
فأقبل كي يعود العتب حبا | فإن الحق ليس به ارتياب |
أتاني مثلما أبغي خطاب | ولولا الله لم يكن الخطاب |
بألفاظ تراها من صواب | ولكن في مطاويهن صاب |
تقول علي قد حق العتاب | وتعجب أنه العجب العجاب |
وتدعوني لعود العتب حبا | متى أمسى لدي به انقلاب |
ودعوى الحق نحن بها سواء | إذا عن وجهه انكشف النقاب |
سيعلم في الغداة إذا التقينا | من الرجل الذي منه الصواب |
أأترك غبرتي وأبيع حزمي | وأغضي للاهانة أو أهاب |
ولي همم أبت إلا سموا | إلى العليا ونفس لا تعاب |
إذا لا ذر لي في المجد نجم | ولا ضربت على الجوزا قباب |
جلا همي وقد زاد الهيام | كتاب عنده يقف الكلام |
سمعت به وما نظرته عيني | كذاك الشمس يحجبها الغمام |
أعتب حينما بعد المرام | على دهر به خفر الذمام |
وقد ادلجت أسري دون قوم | إلى أن قمت منفردا وناموا |
لهم ثمر الوصال يعود غضا | ولي النصب المبرح والأوام |
وما نفع الأكف بغير سيف | أيسطو الكف إذ ينبو الحسام |
فلا تيأس فبعد العسر يسر | وقبل الفجر يعتكر الظلام |
وللمقدام أهوال عظام | وللهيابة النعم الجسام |
أغير النيرين له انكساف | وغير البحر كان له التطام |
إذا ما شيب مشربنا برنق | فإن وروده أبدا حرام |
وكيف وقد نزلت بكنف مولى | يعز به النزيل ولا يضام |
تردى حلة الأحكام عدلا | وكم وال حكومته احتكام |
بعزة عدله للجوار ذل | فإن وروده أبدا حرام |
سمت سورية فيه وأمست | مناخ المجد والفضل الشئام |
سما بالحمد منتسبا إليه | كما نسبت له المدح العظام |
إذا قسمت بنو الأحكام مجدا | فإن له الذرى وله السنام |
سيمنحك المسرة عن قريب | ويعلم ما تزوره اللئام |
فلا زالت به الأيام تزهو | إذا ما مر عام جاء عام |
إلى كم تغرين الفؤاد المعذبا | بوعد كبرق لاح في الأفق خلبا |
وتعطين ما عاطى الندمى أخو الطلي | بإعراضك المضني الكمي المجربا |
لأنت التي عودتني دلج السرى | وعاودتني بالوجود من بعدما خبا |
وعرضت بي من بعد إعراضك الذي | أصبت به إعدام ما أوجد الصبا |
أما وليالي الخفيف منت جانبي منى | وعهد يفضي ما ألذ وأطيبا |
لأنت التي علمتني كيف أشتري | ثمين العلى إذ عز في الناس مطلبا |
خذي لذة الأيام واستخلصي الهوى | ودونك ما أحببت في الحب مذهبا |
فهذا نهار الشيب أشرق صبحه | وليل الصبا ولى وغصني شذبا |
وذي فرصة هزت جميع فرائصي | قد انتهز المقدار منها المغيبا |
أباحت دما ما أن أبيح وجددت | ذمارا وأدنت حيث أقصت مقربا |
وما ميت كعبد الله لما | نعى الناعي به حسن الصفات |
بكيت وما البكاء عليه إلا | لفقد الباقيات الصالحات |
كأن سريره والناس حفت | به التابوت إحدى المعجزات |
وما قام امرؤ إلا تلاه | من الأملاك ألف للصلاة |
خليل الله أن الصبر أحرى | وأجمل بالأمور المفظعات |
أراك تحب نيل المجد رغدا | ولم تتعب به نفسا وبالا |
ومن لم يدرع للمجد صبرا | تعد فيه مساعيه وبالا |
نحن حنين النيب عند ادكارهم | ونكتم ما قد أظهرته المدامع |
ودون كثيب الرمل كم بت ليلة | نعد نجوم الليل والخلق هاجع |
قضى الله يا لمياء بالبعد بيننا | وهل للذي يقضي به الله دافع |
هذا البعاد رمى قلبي بأسهمه | فاستمطرت مقتلي الدمع من دمه |
ما كنت أحسب من قد كان يتخفي | رسائل الشوق لطفا من تكرمه |
أن ينثر اليوم عقد الحب في يده | بعد الوثاقة منا في تنظمة |
هم القوم سنوا للورى سنة العلى | وأدوا حقوق الجود تأدية الفرض |
كرام إذا ما جئتم اخجلوا الحيا | واعطوك ما تهوى سوى الدين والعرض |
ترى الأرض إن يرضوا سماء تزينت | وأن غضبوا خلت السماء على الأرض |
لعمرك ما بي غير أني إلى العلى | وإدراكها قد بت أصبو وأطرب |
ولي من صنيع الله نفس عزوفة | يطيب لها كسب العلوم ويعذب |
أخذت عليها في القماط عهودها | بأن لم تزل تسمو وإن عز مطلب |
فما برحت تسمو إلى المجد و العلى | إلى أن غدت أمثاله بي تضرب |
فإن نلت ما أبغي ملكت كريمة | وإلا فكم ساع يجد فيغلب |
عليكم سلام كلما هبت الصبا | وغرد قمري وما لاح كوكب |
نسيم الصبا خل الفؤاد المعذبا | ودع مهجتي ترتاح من لوعة الصبا |
فلا أم لي إن لم أثرها عجاجة | تحجب وجه النيرين ولا أبا |
وأوردها دون المحامد علقما | رأته بعقباها من الشهد أطيبا |
وأبني بها بيتا من المجد لا يرى | لدى غيره الداعون أهلا ومرحبا |
رفيعا عليه العز أرخى سدوله | وخيم في الأكناف منه وطنبا |
ولا مجد حتى تأنف النفس ذلها | وتختار دون الضيم للحتف مشربا |
كما سنها يوم الطفوف ابن حيدر | فأورى صدور السمر والبيض خضبا |
وحين رحى الحرب استدارت بقطبها | مشى للمنايا مشية الليث مغضبا |
كريم أبت أن تحمل الضيم نفسه | وأن يسلك النهج الذليل المؤنبا |
أتنبو به عما يروم أمية | وفي كفه ماضي الغرارين مانبا |
ناضل عنه كل أروع لو سطا | على الدهر يوم الروع للدهر أرعبا |
تقول وقد عام الهياج رماحهم | لأسيافهم لا كان برقك خلبا |
فلله كم سنوا من الحق واضحا | وشقوا بها من ظلمة الغي غيبها |
بدت لنا سحرا والليل معتكر | عذراء في وجنتيها الشمس والقمر |
هيفاء إن خطرت غصن وإن سفرت | شمس وإن نفرت ريم به حور |
لو أن من حسنها جزءا غدا قمرا | ما كان يخسف يوما ذلك القمر |
وحبذا ليلة بالسفح أرجها | مع الخزامى سحيرا بردها العطر |
يرجو من الله تفريجا لكربته | كما تيس بابن المحسن العسر |
محمد العلم الندب السعيد وذو الـ | ـفال الحميد له التأييد والظفر |
هو الهمام الذي ما حل ساحته | ضيم ولا مس من يأوي له ضرر |
مولى إذا افتخر الأقوام في سمر | ففيه تفتخر الخطية السمر |
في الجود والعدل والهيجا له شهد | الوفاء والحلم والصمصامة الذكر |
رماه أهل الشقا من غيهم شهبا | رمت كبودهم بل هم بها دحروا |
ورد منهم يديهم في نحورهم | وخيبت الله مسعاهم وما ظفروا |
ظنوا بكثرتهم سبقا وما علموا | بأنه الليث إذ يسطو وهم حمر |
رماهم بسديد الرأي فافترقوا | رغما ويأبى إله العرش ما مكروا |
لا تبتئس بالذي قاسيت من محن | ولا يمسك مما نالك الضجر |
فلله مذ شاء تشريف البقاع بكم | نهضت تسعى وفيما شاء تأتمر |
وأمست الهرمل الغناء شاحبة | لفقد عدلك والظلماء تعتكر |
وحين شاء إله العرش يجبرها | وكل كسر من الرحمن ينجبر |
وافيتها كوفود البدر غب دجى | والبدر منه يضيئ السهل والوعر |
أحييت منا قلوبا بعدما فنيت | كالأرض تحيا إذا ما جاءها المطر |
يهنيك نصر من المولى عليك به | مدى الليالي لواء العز ينتشر |
واسلم وولدك إذ نادى مؤرخها | شمسا وفيها تحيط الأنجم الزهر |
هزم الشجى صبري فبت مروعا | اسقي الثرى من كل عضو مدمعا |
وألم بي خطب يقول مخاطبا | لا تبق في قوس المآتم منزعا |
أرأيت كيف تذوب أكباد الورى | حزنا فتذريها دموعا همعا |
لله من تخذ الأكف منابرا | وغدا بصمتته الخطيب المصقعا |
الله أكبر أي بدر غاب عن | أفق الهدى وعماد مجد زعزعا |
كنز الوزارة تاج الملك سؤدده | قطب المعاني أبو الأيتام والفقرا |
لباب مدحت من عن وصفه قصرت | كل العقول وكلت ألسن الشعرا |
قد ازدهت بعلبك مذ حللت بها | وأينع الدوح منها واكتسى ثمرا |
وأنشأت بلسان الحال قائلة | لقد كفيت بك الأسواء والضررا |
يا معدن العدل يا كنز العفاة ويا | من قد تردى ببرد المجد وائتزرا |
سمعا شكاية مظلوم وما سمعت | بمثلها الأذن فيمن فات أو عبرا |
وانظر بعين الرضا بكرا مزينة | ألفاظها فاخرت في مدحك الدررا |
هب للحبيب فواضل الأرب | واردد عليه بقية السلب |
وامنن بوجهك يا ظلوم على | صب تقلبه يد النوب |
لله ليلتنا بكاظمة | بين الحسان الخرد العرب |
ونديمي القمر الذي لمعت | أنواره في السهل والهضب |
ومدامي الريق التي بزغت | مني بكل مظنة الطرب |
وضجيعي الشمس التي بزغت | من جانب الأستار والحجب |
والدوح قد غنت بلا بله | فوق الغصون بأبلع الخطب |
والصبح قد شقت طلائعه | هام الدجى شقا ولم تهب |
يا ليت أن الصبح داجنة | أو ليت أن الليل لم يشب |
دع ذكر عهد للشباب مضى | فاللهو ليس اليوم من أربي |
واشدد عراك بمدح حيدرة | صنو النبي المصطفى العربي |
وبنيه خير أئمة أخذوا | بيمين آملهم عن العطب |
نساك لم تهج عيونهم | طلبا لما عرفوه من قرب |
فتاك لم تعرف أكفهم | إلا قراع السمر والقضب |
جمعوا فأوعوا كل مكرمة | تسمو مدى الأيام والحقب |
أقول لناعية وفي القلب لوعة | على كبدي تذكى أحر من الجمر |
بربك من تنعى فقال محمدا | فتى آل عز الدين نادرة الدهر |
فقلت عليك السوء أعميت ناظري | وأوقرت سمعني بل قصمت به ظهري |
نعيت لي الدنيا مع الدين والورى | جميعا ببدر غاب عن ذلك القطر |
أيا رائحا ما كان تحت أزاره | سوى منبع الأفضال من طيب الذكر |
فقدناك فقد البدر عند تمامه | لدى الليلة الظلماء في المهمه القفر |
فمن مبلغ الركبان عني ألوكة | تحث مطاياهم إلى مبرك العقر |
بأن مناخ الجود صوح نبته | فلا سائق يحدو ولا ظاغن يسري |
حرام عليها بعدك اليوم أن ترى | منال المنى فلتدفع الضر بالضر |
ولو أنني أعطيت يومك حقه | لكنت ضجيع العم في ذلك القبر |
اعزي المعالي فيك والفضل والحجى | وانعاك للتقوى وللعلم والذكر |
وللدين والدنيا ولليل والضحى | وللطرس والأقلام والنهي والأمر |
أتاسع عشر الصوم كم لك نكبة | أصيب بها الإيمان يا تاسع العشر |
أرى ليل هذا الرزء لا فجر بعده | وفي كل ليل طال لا بد من فجر |
سلاني هل ظبي الصريم سلاني | فإني أرى ما لستما تريان |
فهل بي على أعلام نجد وحبذا | نسيم صباها ساعة تقفان |
وما اقتادني طوع الإرادة غير من | دعاني فلما همت فيه عداني |
وقربني حتى استقر وداده | بقلبي فلما قر فيه جفاني |
ويقعدني عما أحب مراقب | يملكه صرف الزمان عناني |
سأظهر في وجه الزمان طلاقة | تحث عن عزمي بكل زمان |
ثمان وعشرون انتحت بي عن الصبا | ومد إلى كسب الثناء بناني |
متى اطلع الخيل الجياد ضوامرا | وأركز في صدر العدو سناني |
واقتادها في كل أغلب مسرع | إلى كل بكر في العلى وعوان |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 425