السيد صالح ابن السيد مهدي ابن السيد رضا الحسيني القزويني الأصل البغدادي المسكن
توفي في بغداد سنة 1306 ونقل إلى النجف.
تفقه وتأسس في النجف وصاهر صاحب الجواهر على ابنته وسكن أخيرا في بعداد فأقبل عليه أهلها وراجعوه في الشرعيات وكان شيخا جهبذا كثير الشعر جيده حسن الكلام مجيد الوصف وله قصائد في مدح أئمة أهل البيت الطاهر ومراثيهم استوفى بها كثيرا من فضائلهم ومعجزاتهم وذكر أكثرها صاحب الدمعة الساكبة وكان بينه وبين عمنا السيد عبد الله مودة ومراسلة فمن قوله مراسلا عمنا المذكور ومادحا
ابن عمه السيد كاظم رحمهم الله تعالى:
دعوتك عبد الله عند الشدائد | لتسعدني إذ لم أجد من مساعد |
فكيف عن الداعي رقدت ولم تكن | لك الخير عمن قد دعاك براقد |
عذبت لوراد الأماني موردا | ولا مورد عذب سواك لوارد |
فيا مدركا عز المعالي وجانيا | ورود الأماني من رياض المحامد |
لبست التقى من بعد أهلك والعلى | وإنهما أسنى لباس لماجد |
كنت طريف المجد بعد تليده | بما أنت تسدي من طريف وتالد |
ندى فيه أغنيت البرايا عن الحيا | وأخصب فيه مقفرات الفدافد |
وما لك إلا كاظم من مماثل | بمجد له تعنو وجوه الأماجد |
وكل على بعد قريب نواله | لمسترفد منه النوال ووالد |
ألا إن عبد الله أكرم سيد | وأعظم من ينمى لآل محمد |
تردى بأبراد المكارم والعلى | وليدا فلم يبرح لها خير مرتدي |
حوى كل فخر من علي وأحمد | وما المجد إلا من علي وأحمد |
تملك بالاحسان كل مملك | وقلد بالمعروف كل مقلد |
وقاد الأماني الجامحات بعزمه | لها الدهر ألقى طائعا فضل مقود |
ونضد بالمعنى البديعي مبدعا | فرائد أزرت بالجمان المنضد |
من القوم قد شادوا المعالي وقوموا | دعام الهدى والدين بعد التأود |
هم كعبة الجدوى تحج لها الورى | وهم قدوة التقوى بها الناس تقتدي |
فلم تلق إلا (كاظم) الغيظ (محسنا) | صنيعا كعبد الله بالقول واليد |
أبا أحمد حاشاك بالوعد لا تفي | ومنك استبان الصدق في كل موعد |
ولازلت في برد المكارم رافلا | تروح بين الكرام وتغتدي |
وبيضاء يحكي البان حسن اعتدالها | أضاءت لنا ليلا وأغنت عن البدر |
فكانت كخطي القنا غير أنها | لجين وقد كان السنان من التبر |
زها اللوى وبانه | وأزهرت كثبانه |
وبالورود روضه | تلونت ألوانه |
وكلما هبت صبا | تلاعبت أغصانه |
وكلما بكى الحيا | يضحك أقحوانه |
أخجل بانات اللوى | مهما تثنى بانه |
وتحجل الورقاء في | ألحانها ألحانه |
واصفر روض آسه | واحمر أرجوانه |
صب صبا إلى الصبا | وقد مضى ريعانه |
ولم يزل يشتاقهم | قلبي وهم سكانه |
ولم يزل يرتادهم | صرفي وهم إنسانه |
لم يسلهم قلبي ولا | عن له سلوانه |
أعد الوصال فقد قضيت صدودا | ودع الوعيد وأنجز الموعودا |
قسما بحبك وهو أكرم مقصد | عندي وإن لم أدرك المقصودا |
إن غبت عن عيني فإنك لم تزل | تلقاء قلبي شاهدا مشهودا |
حملتني ما لو تحمل بعضه الـ | ـجلمود منك لصدع الجلمودا |
وأنا الذي إن جف مجرى عينه | أجرى فؤادا بالهوى مفؤودا |
كم فيك أنشر ما طويت من الهوى | شغفا وأنظم ما نثرت عقودا |
إن كنت تنكر فيك فرط صبابتي | فمدامعي كانت عليك شهودا |
قد كنت أقنع بالخيال يزورني | لو كنت تمنح ناظري رقودا |
يا نازح الأوطان قربك الهوى | فأراك أقرب ما تكون بعيدا |
كانت ليالي الوصل بيضا فاغتدت | أيام هجرك كالليالي سودا |
ما عن لي شوق إليك على النوى | إلا بعثت لك الدموع بريدا |
بأبي شريدا في البلاد مغربا | عن طرفه أمسى الرقاد شريدا |
تجلى بآفاق العلى كوكب السعد | فجلى نحوس المجتلي ثاقب الوقد |
وقام على ساق الهنا ساقيا طلا | قد اتقدت بالكاس من خده الوردي |
ويردي بلا غمز مثقف قده | ويسفك ماضي جفنه وهو في الغمد |
وإن فوقت فوق الحواجب أسهم | قضت بورود الحتف في الأمد الورد |
وبالكرخ خشف قد رماني على النوى | بسهم الردى من مقلتيه على عمد |
يمازح تيها مازجا صرف كأسه | بعذب لماه خالط الهزل بالجد |
فأقطف غض الورد من روض خده | ومن ثغره اجني الجني من الشهد |
وضاع بمعتل الصبا كل ما لسرت | أريج الأقاحي الغض والشيح والرند |
وقد طرزت أيدي النسيم مطارفا | لها نسجتها السحب بالبرق والرعد |
فرد ماءها علا ونهلا مبادرا | فقد ساغ من سلسالها سائغ الورد |
فلا منهل عذب سواه لوارد | ولا مرتع خصب عداه لمستجدي |
له في العلى القدح المعلى وفي النهى | له الغاية القصوى من الفضل والمجد |
وينتج أشكال القضايا عقيمة | بها يستوي عكس النقيض على الطرد |
وروج سوق المجد بعد كساده | فقامت به سوق من الشكر والحمد |
فيا عالم المعروف يا علم التقى | ويا عصمة الملهوف يا كعبة الوفد |
وقادح زند السعد بالجود والجد | وفاتح باب المجد بالجد والجد |
ومانح وفاد الأماني جوانحا | بإنجاحها من قبل سؤلك بالرفد |
أخذت بضبعي عند كل ملمة | وأكرمتني بالشكر في القرب والبعد |
وأثقلت ظهري بالأيادي فلم ينؤ | بأثقالها ظهري ولم يحصها عدي |
وحليت جيدي بعدما كان عاطلا | كما قد تحلى عاطف الجيد بالعقد |
وأوليتني منك الجميل تفضلا | علي بما أوليت من منن الولد |
وطوقتني طوق الحمام فواضلا | منحت الرضا فيها وباقر والمهدي |
وكثرت حسادي بما لك من يد | بها لم أجد إلا الثنا لك من بد |
رفعت بخفض العيش نصب كسيرهم | وفي الرفع قد نوديت بالعلم الفرد |
فما صالح للغير ودي بعدما | قصرت على ابن المصطفى صالح الود |
جمعت المعالي الغر بعد شتاتها | بصنعك جمع السيف منتظم العقد |
ولم يقض من قصد سواك ولم يكن | ببابك إلا للورى منتهى القصد |
فدم مأمنا يأوي له كل خائف | وكثر ندى يثري به كل مستجدي |
فرائد أهداها فريد زمانه | لا كرام أرباب العلى وأجلها |
فقلت نفيثات الجواهر أهديت | إلى أهلها من أهلها في محلها |
كم لاح في فلك الرصافة كوكب | بسعوده شمل النحوس مشعب |
ويوجهه شق الصباح عموده | لما استشاط من الجعود الغيهب |
وكأنما الشمس المنيرة خده | والنجم قرط فوقه بتذبذب |
يا من به غنى طويس ومعبده | وبه استثار مهلهل ومهلب |
وبسيف حفنيه تقلد عامر | ويرمح قامته تقدم مرحب |
امزج بعذب لمال كأسك واسقني | جهرا فمن كأسيك ساغ المشرب |
أو ما ترى يا سعد سلسل الطلال | وافي إليك به الغزال الربرب |
شمس عليك يديرها بدر الدجى | والكأس مشرقها وفوك المغرب |
لو ذاق ذو القرنين ماء حياتها | ما كان ماء حياته يتطلب |
بأثيثه متدرع وبجفنه | متقلد ولقوسه متنكب |
يصمي قلوب العاشقين بأسهم | الأجفان وهو إلى القلوب محبب |
ويذوب من أصداغه وجعوده | أفعى عن الكنز المصون وعقرب |
ويموج ماء الحسن في وجناته | والنار في أمواجه تتلهب |
قاني الخدود كأنما بكؤوسه | من حمرة الخدين أمست تسكب |
روض إذا أطرى الصبا لي ورود | للكرخ أطري بالغرب وأطرب |
أدري الحبيب بأن من هجرانه | قلبي على جمر الغضا يتقلب |
يا غائبا عن مقتلي وشخصه | عن طي جانحتي ليس يغيب |
رضوان حسنك مالك بعذابه | رقي وبالرضوان كيف أعذب |
وملاعبا مرحا أسنه قده | رفقا بقلبي إنه لك ملعب |
فلو استطعت إليك حملت الصبا | كتبا بأقلام المحبة تكتب |
وإلى لقاك ركبت أصعب مركب | شوقا ولو إن الأسنة مركب |
وقطعت أعناق القفار إلى أبي | المهدي أطفو بالقفار وأرسب |
وبثثته شكوى نوال لعلما | جدواه تعكس لي نوال فتقرب |
فهو الأب البر العطوف عليك في | ما فيه لم يعطف على ولد أب |
ومهذب ضخم الدسيعة لا ترى | طنب العلى إلا عليه يطنب |
يروي حديث المجد عنه مسلسلا | وإليه تعزى المكرمات وتنسب |
ضربت بلا مثل سرادق جوده | للوفد فالأمثال فيها تضرب |
رأي بأسرار الغيوب موكل | ومجي لكل المشكلات مجرب |
في الجود في كفه يذخر عيلم | وبوجهه للسعد يزهر كوكب |
يا أيها الملك الذي بنواله | غمر البلاد فكل قطر مخصب |
سعدت بك الأيام فهيا لأهلها | علاك أعياد تعد وتحسب |
طاف يسعى بين الندامى فأطفا | حرقا في الحشد لها شهب جمر |
فلك للجمال تشرق منه | أنجم خنس وشمس وبدر |
وعلى وجنتيه ماء ونار | وبمعسول فيه شهد وخمر |
وبدا للقضيب والورد والسلسال | منه قد وخد وثغر |
ويجد الحسين هن حسينا | فله دام فيه عز وفخر |
يا إمام الهدى ومن بنداه | وعطاياه ضاق بحر وبر |
أنت للناس ملجأ وعصام | أن دهى فادح وإن جار دهر |
أنت غوث لكل لاج وغيث | أنت كنز لكل راج وذخر |
عالم للرياض وعين للتحرير | ذند وللشرائع صدر |
من كساها من الجواهر تاجا | وتسامى لها على النجم قدر |
وتجلى بها الهدى كتجلي | البدر نورا فلم يكن بعد ستر |
فصلت آيها بأيدي عليم | فهي كالذكر ولها من ذكر |
وجلا فكرك الرموز الخفايا | فهي ليل وثاقب الفكر فجر |
عارض لم يزل يفيض وبحر | ما عرى مده مد الدهر جزر |
يا كريما إليك عزر التقصير | فعند الكريم يقبل عزرا |
ولأن كنت مصقعا فلعمري | عاقني عن ثناك عي وحصر |
أبنظمي أحصي علاك محال | كيف يحصي علاك نظم ونثر |
كم يد منك بالندا غمرتني | قل مني لها ثناء وشكر |
ومزاياك كالنجوم بأفلاك | المعلي بها العوالم زهر |
ما كنت بالكاعبات الرود مفتونا | كلا ولا بت ليل الصد محزونا |
ولا أطعت هواها وهي جائرة | حكما فتبعدنا طورا وتدنينا |
ولا تجافت جنوبي عن مضاجعها | ولا جفوت رقادي حين تجفونا |
ولا نثرت عقيق الدمع منتظما | بلؤلؤ في الاماقي كان مكنونا |
ولا صبوت إلى ريح الشمال إذا | تنفست بشذا جيران جيرونا |
ولا حبست على تبرين راحلتي | ولا سقيت بفيض الدمع يبرينا |
ولم أسامر بها سمراءها شغفا | ولم أغازل بها الغزلان والعينا |
ولم أهم بقدود الغيد مزرية | إذا تثنت بأغصان النقا لينا |
وما ألفت الهوى بالرود محتفلا | يميتنا صدها والوصل يحيينا |
ولا تذكرت أيام الصبا وصبا | قلبي لما مر يوما من تصابينا |
أيام كانت تعاطينا مسرتنا | كأنما هي من راح تعاطينا |
حيث الشبيبة برد والزمان لنا | عبد وأهلوه طرا طلوع أيدينا |
ولا شجتني إطلال نضارتها | قد استقلت وراء المستقلينا |
بلى شجيت ولا انفك عن شجن | لما شجى عترة الهادي الميامينا |
عرج على الطف من شاطي الفرات ونح | على كرم قضوا بالطف ظامينا |
وعج إلى يثرب وأبك النبي بها | وفاطما وبينها المستضامينا |
وانج الغرين من كوفان منتديا | أب الأئمة جار المستجرينا |
خلا الخال من نجد وما أنجد الخال | فيا خال جفني جد فقد بخل الخال |
خال المها تلك المها غير أنها | من الوحش لم يؤنس المهمه الخال |
خليلي غصن الورد والمسك فوقه | بدا لكما أم خذ ظمياء والخال |
أسفر بدر التم أم نور وجهها | وأومض خال الثغر أم أومض الخال |
خذا لي أمانا من قنا القد فالحشا | يطير بها أن فوقه خفق الخال |
وقولا لها لا تسمعي عذل عاذل | بما بيننا من سالب فهو الخال |
فإني على الحالين في القرب والنوى | مقيم وأني والهوى ذلك الخال |
وخلت كما خال الخليون أن جفت | جفوت فكان الأمر عكس الذي خالوا |
فرقي لرقي واهجري كل من وشى | فلن يصدق الواشي إذا كذب الخال |
حميت الحميا والمحيا وروده | بطرف تحاماه اخو الحزم والخال |
وما شاقاني مغنى إذا لم تكن به | وإن كاف فيه النرجس الغض والخال |
ولو مر وهنا طارق من خيالها | لما كان إلا دونه الملك والخال |
ولي جيرة جاروا بجيرون بعد ما | حملت بهم أضعاف ما يحمل الخال |
وواعجبا جاريت دمعي ففاتني | فكان له جري الصبا ولي الخال |
وأبدى الضنا قسرا هوى قد كتكته | على إننا ليث العرينة والخال |
أحن إلى وصل الأحبة ظاميا | كما حن بعد الخمس للمورد الخال |
منحت الأسى حتى أبيت له الأسى | فلم أره حتى يواريه الخال |
فلا نجد منجد لي ولا الحمى | محام ولا جيرون جار ولا الخال |
جهلت الهوى حتى جهدت على الهوى | فكان لمن يهوي الهوى حبذا الهوى |
ومن رام مجدا جد غاية جهده | وليس ينال المجد إلا الفتى الخال |
وما الأب إلا المجد لا الجد للفتى | وإن شمخا مجدا ولا العم والخال |
أبى الدهر إلا الخفض والرفع همتي | وكان بها للدهر لو أنصف الخال |
وقد جمحت في غير آن جماحها | على رغم أنف الدهر ليس له خال |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 380