الشيخ صالح بن عبد الوهاب بن العرندس الحلي المعروف بابن العرندس.
توفي في حدود سنة 840 في الحلة ودفن فيها وله قبر يزار ويتبرك به.
كان عالما فاضلا مشاركا في العلوم تقيا ناسكا أديبا شاعرا ومن شعره قوله في رثاء الحسين عليه السلام:
طوايا نظامي في الزمان لها نشر | يعطرها من طيب ذكركم نشر |
قصائد ما خابت لهن مقاصد | بواطنها حمد ظواهرها شكر |
مطالعها تحكي النجوم طوالعا | فأخلاقها زهر وأنوارها زهر |
فيا ساكني أرض الطفوف عليكم | سلام محب ما له عنكم صبر |
نشرت دواوين الثنا بعد طيها | وفي كل طرس من مديحي لكم سطر |
فطابق شعري فيكم دمع ناظري | فسر غرامي شائع فيكم جهر |
لآلي نظامي في عقيق مدامعي | فمبيض ذا نظم ومحمر ذا نثر |
فلا تتهموني بالسلو فإنما | مواعيد سلواني وحقكم الحشر |
فذلي بكم عز وفقري بكم غنى | وعسري بكم يسر وكسري بكم جبر |
تروق بروق السحب لي من دياركم | فينهل من دمعي لبارقها القطر |
فعيناي كالخنساء تجري دموعها | وقلبي شديد في محبتكم صخر |
وقفت على الدار التي كنتم بها | فمغناكم من بعد معناكم قفر |
وقد درست منها الدروس وطالما | بها درس العلم الإلهي والذكر |
وسالت عليها من دموعي سحائب | إلى أن تروى البان بالدمع والسدر |
فراق فراق الروح لي بعد بعدكم | ودار برسم الدار في خاطري الفكر |
وقد أقلعت عنها السحاب ولم تجد | ولا در من بعد الحسين لها در |
أما الهدى سبط النبوة والد الأ | ئمة رب النهي مولى له الأمر |
إمام أبوه المرتضى علم الهدى | وصي رسول الله والصنو والصهر |
له القبة البيضاء بالطف لم تزل | تطوف بها طوعا ملائكة غر |
وفيها رسول الله قال وقوله | صحيح صريح ليس في ذلكم نكر |
حبي بثلاث ما أحاط بمثلها | ولي فما زيد سواه ولا عمرو |
له تربة فيها الشفاء وقبة | يجاب بها الداعي إذا مسه الضر |
وذرية درية منه تسعة | أئمة حق لا ثمان ولا عشر |
أيقتل ظمآنا حسين بكربلا | وفي كل عضو من أنامله بحر |
فوا لهف نفسي للحسين وما جنى | عليه غداة الطف فرب حربه شمر |
رماه بجيش كالظلام قسيه الأ | هلة والخرصان أنجمه الزهر |
تجمع فيه من طغاة أمية | عصابة غدر لا يقوم لها عذر |
وأرسلها الطاغي يزيد ليملك العـ | ـراق وما اغنته شام ولا مصر |
وشد لهم أزرا سليل زيادها | فحل به من شد أزرهم الوزر |
وأمر فيهم نجل سعد لنحسه | فما طال في الري اللعين له عمر |
وجال بطرف في المجال كأنه | دجى السليل في لألاء غرته الفجر |
له أربع للريح فيهن أربع | وقد زانه كر وما شانه فر |
تفرق جمع القوم حتى كأنهم | طيور بغاث فض جمعهم الصقر |
رمى نحره في مأزق الحرب مارق | بسهم لنحر السبط من وقعه نحر |
فمال عن الطرف الجواد مجدلا | ثقيلا وأمسى حوله يصهل المهر |
تجر عليه العاصفات ذيولها | ومن نسج أيدي الصافنات له طمر |
فرجت له السبع الطباق وزلزلت | رواسي جبال الأرض والتطم البحر |
أيقرع جهلا ثغر سبط محمد | وصاحب ذاك الثغر يحمى به الثغر |
عرائس فكر الصالح ابن عرندس | قبولكم يا آل طه لها مهر |
سيبلي الجديدان الجديد وحبكم | جديد بقلبي ليس يخلقه الدهر |
أضحى يميس كغصن بان في حلا | قمر إذا ما مر في قلبي حلا |
سلب العقول بناظر في فترة | فيها حرام السحر بان محللا |
وأنحل شد عزائمي لما غدا | عن خصره بند القباء محللا |
وزها بها كافور سالف خده | لما بريحان العذار تسلسلا |
وتسلسلت عبثا ملاسل صدغه | فلذاك بت مقيدا ومسلسلا |
وجناته جورية وعيونه | حورية تسبي الغزال الأكحلا |
جارت وما صفحت على عشاقه | فتكا وعادل قده ما أعدلا |
ملكت محاسنه ملوكا طالما | أضحى لها الملك العزيز مذللا |
كسرى بعينيه الصحاح وخده | النعمان بالخال النجاشي خولا |
كتب الإله على صحيفة خده | نوني قسي الحاجبين ومثلا |
فرمى بها من عين غنج عيونه | سبق السهام أصاب مني المقتلا |
فأعجب لعين عبير عنبر خاله | في جيم جمرة خده لم تشعلا |
وسلى الفؤاد بحر نيران الجوى | مني فذاب وعن هواه ما سلا |
حامت عليه للحمام كواسر | ظمئت فاشربها الحمام دم الطلا |
أمست بهم سمر الرماح وزرقها | حمرا وشهب الخيل دهما جفلا |
عقدت سنابك صافنات خيوله | من فوق هامات الفوارس قسطلا |
ودجت عجاجته ومد سواده | حتى أعاد الصبح ليلا أليلا |
وكأنما لمع الصوارم تحته | برق تألق في غمام فانجلى |
فرس حوافره بغير جماجم | الفرسان في يوم الوغى لن تنعلا |
أضحى بمبيض الصباح محجلا | وغدا بمسود الظلام مسربلا |
فكأنه وجواده وحسامه | يوم الكفاح لمن أراد تمثلا |
شمس على الفلك المدار بكفه | قمر منازله الجماجم منزلا |
أيا بني الوحي والتنزيل يا أملي | يا من ولاكم غدا في القبر يؤنسني |
حزني عليكم جديد دائم أبدا | ما دمت حيا إلى إن ينقضي زمني |
وما تذكرت بيوم الطف رزأكم | إلا تجدد لي حزن على حزن |
وأصبح القلب مني وهو مكتئب | والدمع منسكب كالعارض الهتن |
لكم لكم يا بني خير الورى أسفي | لا للتنائي عن الأهلين والوطن |
يا عدتي واعتمادي والرجاء ومن | هم أنيسي إذا أدرجت في كفني |
إني محبكم أرجو النجاة غدا | إذا أتيت وذنبي قد تكأدني |
وعاينت مقلتي ما قدمته يدي | من الخطيات في سر وفي علن |
صلى عليكم إله العرش ما سجعت | حمامة أو شدا ورق على غصن |
بات العذول على الحبيب مسهدا | فأقام عذري في الغرام ومهدا |
ورأى العذار بسالفيه مسلسلا | فأقام في سجن الغرام مقيدا |
هذا الذي أمسى عذولي عاذري | فيه وراقد مقلته تسهدا |
ريم رمى قلبي بسهم لحاظه | عن قوس حاجبه أصاب المقصدا |
ألقاه منعطفا قضيبا أميدا | وأراه ملتفتا غزالا أغيدا |
وذا أراد الفتك كان قوامه | لدنا وجردت اللحاظ مهندا |
في طاء طرته وجيم جبينه | ضدان شأنهما الضلالة والهدى |
ليل وصبح أسود في أبيض | هذا أضل العاشقين وذا هدى |
يا قاتل العشاق يا من طرفه | الرشاق يرشقنا سهاما من ردى |
صامت صوافنه وبيض صفاحه | صلت فصيرت الجماجم سجدا |
نسج الغبار على الأسود مدارعا | فيه فجسدها النجيع وعسجدا |
والخيل عابسة الوجوه كأنها | العقبان تخترق العجاج المزبدا |
دار التعارف للمطبوعات - بيروت-ط 1( 1983) , ج: 7- ص: 375